التقيت يوم أمس الأول مع صديق نجتمع في أشياء كثيرة، ونختلف في الموقف السياسي، فهو من المناهضين للحركة الإسلامية في السودان، ومن المعارضين للإنقاذ الوطني وكل أشيائها تقريباً. وكان لقاؤنا في افتتاح معرض الفنان التشكيلي السوداني المقيم في مصر الأستاذ حسان علي أحمد الذي يقيمه في جالري المشربية الكائن في 80 شارع محي الدين أو العز جوار نادي الصيد بالدقي ويستمر حتى السادس من شهر فبراير القادم، أي قبل يوم من الإعلان الرسمي لنتيجة استفتاء تقرير مصير جنوب السودان. ولقد شهدت لحسان معارض كثيرة، آخرها قبل عام تقريباً في ذات المكان، وكنت قد نظمت لهم معرضاً برعاية السفير السوداني في القاهرة بفندق سويس إن بمشاركة مؤسسة وادينا للتنمية البشرية، مع زملائه الأساتذة علاء الجزولي، ومعتز الإمام، وهما فنانان تشكيليان سودانيان، واشترك معهم من مصر، الفنان مجدي عثمان. ولاحظت في هذا المعرض تطوراً كبيراً في الشكل والمضمون معاً. ولفت نظري الغياب الرسمي السوداني، إذ لم أجد السفير ولا أحد أفراد السفارة السودانية في القاهرة، ولا أدري هل دعاهم، أم أنهم لم يستجيبوا للدعوة، وكذلك غاب مكتب اتصال حكومة الجنوب، ومكتب المؤتمر الوطني في القاهرة، وهم من الذين ينشطون في مثل هذه المناشط، وأرجو أن يتم تدارك ذلك في ما تبقي من أيام، فالفنون ما زالت جامعة بين أهل السودان.
    صديقي المعارض المناهض، قال إن آخر ما كان يقرأه قبل حضوره للمعرض ما كتبت أخيراً حول الحركة الإسلامية في السودان، ودعاني للإعتراف بالخطأ والتوبة مثلما فعل آخرون من الذين يؤلف كتاباً عنهم هذه الأيام، وحول مراجعاتهم لمواقف الحركة الإسلامية القديمة، وصديقي يري أن انفصال الجنوب وزر يظل عالقاً في عنق الحركة الإسلامية إلي يوم الدين. ولأن الجو الرائع اللطيف الذي خلقه المعرض الفنان يستحق أن نحافظ عليه، ولا نفسده بأحاديث السياسة، اختصرت الموضوع، واتفقنا مع صديقي أن مثل هذه القضايا لا يمكن مناقشتها في مثل هذه الأجواء.
    لو أني قلت أن السودان لم يخسر بالإنفصال، لخالفت الواقع، ولناقضت كلاماً كثيراً ظللت أكتبه منذ أن تم الاتفاق علي منح الجنوب حق تقرير المصير. ولكن السؤال الذي يجب أن نجيب عليه أولاً، هل كان هناك خيار متاحاً غير الانفصال، وهل قعدت الحركة الإسلامية وحكومتها عن القيام بأي دور يمكن أن يدعم الوحدة ولم تقم به؟ وهل هناك مكاسب يمكن أن تتحق لأهل السودان بهذا الانفصال. ورغم أني أدخر مادة تفصيلية للحديث عن جرد حساب الانفصال، السالب والموجب، وعلي من تقع مسئوليته، لكن المناسبة تستوجب أن نستعرض بعض ملامح هذا القول.
    فما أنجزته الإنقاذ والحركة الإسلامية للجنوب وأهله لم تنجزه أية حكومة، ولا أية قوة سياسية أخري منذ فجر الاستقلال وحتى يومنا هذا. والدليل علي ذلك أن الجنوب الذي ظل بلا موارد ولا إمكانات حولته هذه الحكومة إلي منطقة غنية بعد أن وفقها الله، بصدقها وجهدها إلي استخراج نفطه الذي ظل مكنوزاً في الأرض، رغم علم الجميع به، ولم تفلح المحاولة الوحيدة التي قام بها الرئيس الراحل جعفر محمد نميري من استخراجه، رغم أنه أول من اكتشف وجوده بطريقة عملية.
    والسلام الذي حققته هذه الحكومة لم تحققه من ضعف، بل كانت في أحسن حالاتها العسكرية، ولعل الناس يذكرون عندما أرادت الحركة الشعبية تغيير الأوضاع علي الأرض باحتلالها لمدينة توريت، فقطعت الحكومة المفاوضات، وعاد الوفد إلي السودان، وقامت باستعادة توريت في أقل من شهر، وعندها اقتنعت الحركة أن هذه الحكومة لا يسهل لي يدها.
    وحق تقرير المصير الذي اتفقت عليه الحكومة مع الحركة الشعبية، أقرته قبلها كل الأحزاب السودانية، ولكنها كانت تراوغ وتناور، ولم تكن جادة في ذلك، ولكن حكومة الإنقاذ التي تعلم أن العهد عند الله مسئول، عندما تعاهد تلتزم، وبحمد الله أن الجنوبيين اختاروا الانفصال بهذه النسبة العالية، ولم يقف التصويت علي الانفصال علي منسوبي الحركة الشعبية وحدهم، وهذا يؤكد أن الانفصال رغبة جنوبية، ولا خير في حكومة لا تلبي رغبات شعبها.
    ولأن الحكومة كانت صادقة وكانت جادة احترمها الجميع، وفي مقدمتهم الأخوة في جنوب السودان، الذين لم يجدوا من يصدق معهم من أهلهم في الشمال مثلما صدق معهم الإسلاميون وحكومتهم الإنقاذية. وهذا هو أكبر مكسب تحقق، وأقول أن الانفصال سوف يحول السودان بإذن الله تعالي من دولة متشاققة متحاربة متنازعة، إلي دولتين متجاورتين متحابتين متعاونتين، وهذا ما يجب أن نعمل له، ولو أدي ذلك إلي أن يعزف الرئيس البشير والحكومة والحركة الإسلامية والوطنيون السودانيون المارش العسكري مرة ثانية، ويعزفه معهم في الجنوب الرئيس سلفاكير والحركة الشعبية،ولا نامت أعين الذين يعرضون خارج الزفة.


Gamal Angara [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]