•       إختزال كسب الحركة الإسلامية في (الإنقاذ) ظلم للحركة، والإنقاذ كسبها عظيم
•       الإسلاميون ردوا الأحزاب التقليدية لأصولها الإسلامية، وقادوا نميري لتطبيق الشريعة
مثلما وصلتني إشادات علي مقالي حول الحركة الإسلامية، وصلتني كذلك انتقادات، ورغم قلتها لكن الوقوف عندها واجب، لأنها تنبئ عن تفكير لمجموعة تستحق المراجعة، وبعضها تستحق أفكارها المدافعة، وما نراجعه عند البعض الذين يصنفون في خانة الأصدقاء والحادبين، وهم يحذرون من الدفاع عن الإنقاذ وهم يرونها في رمقها الأخير، أما الذين تحتاج أفكارهم المدافعة فهم الذين يزعمون أن الحركة الإسلامية أفسدت حياة السودان، وما دخلت علي شيء إلا شانته.
    فالذين يظنون أن الإنقاذ تلفظ أنفاسها الأخيرة، نقول لهم أن الأعمار بيد الله تعالي، ولو صح ما تزعمون أنها معلولة، فكم من صحيح مات دون علة، وكم من سقيم عاش حيناً من الدهر. ثم أن هذا ليس هو معيارنا للولاء والبراء، فالإنقاذ هي الأمل الباقي لأهل السودان لتكمل ما بدأته، وأننا كإسلاميين نراها بعض كسبنا، وثمرة جهاد السابقين واللاحقين بإحسان، فالوقوف معها ليس وقوفاً مع حكومة أو نظام، بقدر ما هو وقوف مع منهج، وهو رسالة، ونصرتها واجبة، ظالمة أو مظلومة، ونصرتها في هذه المرحلة واجبة للحالتين ــ ظالمة ومظلومة ــ ظالمة لنفسها بعدم استيعابها لأبنائها واستنهاضها لهم بالدرجة المطلوبة، حتى أن كثيرين صاروا يتفرجون شأنهم شأن العوام من الناس الذين يقفون علي الرصيف لا يبالون بشئ، وكأنهم خلقوا بغير رسالة، وكأنهم يعيشون بغير غاية ولا هدف، ومظلومة من أعدائها الذين يرمونها بدائهم، ويريدون أن يخرجوا كما تخرج الشعرة من العجين.
    والذين يختزلون كسب الحركة الإسلامية السودانية في أنها قامت بثورة الإنقاذ الوطني، يظلمون الحركة ظلماً شديداً، رغم أن ثورة الإنقاذ كسب تعتز به الحركة الإسلامية وتفاخر، وهي عبر هذه الثورة حققت ما لم يحققه غيرها من كافة القوي السياسية السودانية التقليدية والحديثة. ولو لم يكن للإنقاذ من كسب سوي أنها حققت السلام في السودان بعد نصف قرن من الإحتراب والإقتتال لكفي. هذا فضلاً عن كسبها في كل المجالات، لا سيما في مجال التنمية والبناء والتعمير، وبناء نظام سياسي مستقر لبلادنا، وتحقيق الذات السودانية العزيزة الشامخة.
    ولكن الحركة الإسلامية حصاد ستين عاماً من الكسب والعطاء، منذ نشأتها في نهاية أربعينات وبداية خمسينات القرن الماضي، وهي قد قادت التغيير في كافة مناحي الحياة في السودان.
    فالطلاب الذين نشأت الحركة الإسلامية في كنفهم، وقامت علي أعناقهم أعادوا بناء وتكوين وهدف المتعلم والمثقف السوداني، وأعادوا بناء فلسفة الفكرة التعليمية، فالمستعمر أراد للتعليم أن ينفصل إلي متضادين خلقهما من عنده، هما التعليم المدني والتعليم الديني، وهو فصل أريد به الفصل بين الحياة المدنية والحياة الدينية كما حدث في بلدان مسلمة كثيرة. فأريد لمجموعة محدودة أن تدرس العلوم الشرعية وتتخصص فيها، وتصير لها مهنة، ويتختزل هذه العلوم الشرعية في العبادات المجردة من معانيها، فيخرج من تمت تسميتهم في مرحلة من المراحل فقهاء الحيض والنفاس، ولا تكون لهؤلاء علاقة بحياة الناس وتشريعاتها وقوانينها، أما الذين يدرسون دراسة مدنية فلا شأن لهم بالدين ولا بعلومه ولا أحكامه. وهذا منهج أريد به بتر حياة المسلمين عن أصولها الدينية، ولعل المستعمر قد فطن لأن كل الثورات التي قامت في السودان، كان دافعها الدين، سواء الثورة الوطنية التحررية الكبري التي قادها الإمام محمد أحمد المهدي، أو الثورات التي اندلعت بعد ذلك، مثل ثورة علي دينار، وعبد القادر ود حبوبة وغيرهما.
    ففي ذات الكلية التي أسسها المستعمر لتخليد ذكري قائدهم غردون الذي قضي نحبه نحت سيوف مجاهدي المهدية، نشأت الحركة الإسلامية لترد المتعلمين السودانيين إلي أصول دينهم الحنيف، ولتربط العلم والحياة بالدين. فكان الطابع العام لحياة الطلاب في الجامعة هو الإنحلال والبعد عن الدين، حتى أن الذي كان يصلي كان يفعل ذلك سراً حتى لا يوصف بين زملائه بالرجعية، ويذكر للمرحوم بابكر كرار النور أنه أول من أذن في البركس، وكان دخول بابكر كرار الجامعة، وقيادته حركة التحرير الإسلامي مثل دخول الفاروق عمر بن الخطاب الإسلام، فانتقلت بدخوله الدعوة من السرية إلي العلن.
    أما علي المستوي السياسي وسط الطلاب فكان اليسار هو المسيطر، ولم يكن للقوي التقليدية وجود وسط الطلاب طوال سنوات الخمسينات، فهذه كانت تعتمد علي قواعدها التقليدية الطائفية التي تحقق بها الغلبة المطلوبة، ورغم أن الحزبين الكبيرين الأمة والإتحادي اعتمدا في عضويتهما علي قواعد طائفتي الأنصار والختمية الإسلاميتين، إلا أنهما لم يستصحبا الدين في مسيرتها السياسية، فاحتجزا الدين في (الدائرة) و(الجنينة) ولم يصحباه معهما في طريقهما إلي (القصر) فبينما كانت قواعد الحزبين إسلامية، كانت سياساتهما مجردة عن هذا البعد. وهنا يحمد للحركة الإسلامية أنها ردتهما لأصولهما الدينية، ولو من باب الشعار. فصارت الجمهورية الإسلامية شعاراً للإتحادين طرحه مرشد الطريقة الختمية مولانا السيد علي الميرغني، ولحق السيد الصادق المهدي ببرنامج الصحوة الإسلامية، لكنها ظلت مجرد شعارات.
    وعلي مستوي الثقافة الإسلامية، فإن المتاح منها لدي السودانيين كان هو التقليدي الذي لا يرتكز علي منهج واضح، ولم تكن علوم الدين مطلوبة حتى للذين يشتغلون به وظيفة حياتية أو إجتماعية، فما كان أئمة المساجد يحفظون القرآن، ولا حتى يجودونه، ولم يكن الخطباء يجتهدون في كتابة الخطبة، ويلجأون في خطبة الجمعة إلي المحفوظ من عهود الخلافات الأولي. ولم يكن كثير من الناس يعرفون سنة صيام الإثنين والخميس، وكان صوم السابع والعشرين من رجب معهود أكثر من يوم عاشوراء. ولم يكن العوام من أهل السودان يعرفون كثيراً مما هو معلوم من الدين بالضرورة. فبسطت الحركة الإسلامية هذه الثقافة بين أعضائها الطلاب، الذين صاروا يتخرجون في الجامعات والمعاهد العليا، ومعاهد تدريب المعلمين والمعاهد الفنية، ويتخللون المجتمع، ثم يقودونه، حتى صار ثقافة مشاعة بين المتعلمين السودانيين، بفضل الحركة الإسلامية من بعد فضل الله تعالي.
    ويحسب للحركة الإسلامية في السودان، أنها وحدها من بين القوي السياسية والفكرية التي تمددت حيث انكمش الآخرون، فكان لتمددها دور كبير في صهر وتجانس المجتمع السوداني، فحتي هذه اللحظة لم يقدم أي من الحزبين التقليديين قيادي في صفوفه من جنوب السودان، والناس يشهدون علي سبق الحركة الإسلامية وتميزها في ذلك، ونذكر علي سبيل المثال لا الحصر من القيادات الإسلامية من جنوب السودان السيد علي تميمفرتك، المهندس الشيخ بيش، الشهيد أحمد الرضي جابر، الأستاذ عبد الله دينق نيال، المك موسي المك كور، المرحوم منقو أجاك، وغيرهم بل هي وحدها التي وضعت الجنوب ضمن أجندتها غير السياسية، فأقامت فيه المنشآت الخيرية والتعليمية والدعوية والإجتماعية والإقتصادية، وكسرت كل الحواجز الوهمية التي كانت بين أهل الجنوب والشمال. وحتى مناطق غرب السودان، فإن الأحزاب التقليدية لم تقدم منها قيادات من خارج البيوت التاريخية في هذه المناطق سواء في كردفان أو دارفور، ولم تستطع إحتمال المتعلمين والمثقفين من أبناء هذه الأسر الذين أرادوا أن يكون لهم كيان بكسبهم لا بولائهم، والأمثلة كثيرة للذين ضاقت بهم هذه الأحزاب، أمثال الدكتور آدم مادبو والسيد بكري عديل والدكتور علي حسن تاج الدين في حزب الأمة. بينما نجد أن صفوف الحركة الإسلامية مكتظة بقيادات من غرب السودان، منهم أيضاً للمثال فقط الدكتور علي الحاج محمد، الشيخ التجاني سراج، المرحوم مبارك قسم الله، الأستاذ إبراهيم السنوسي، المرحوم داود بولاد، الأستاذ الشفيع أحمد محمد، السلطان محمد يوسف عبدالله، الأستاذ مكي علي بلايل، كما هي مكتظة بأبناء السودان من كل نواحيه المختلفة، من الشمال، والشرق، ومن الجنوب والغرب.
    ومما يحمد للحركة الإسلامية في السودان، أنها رغم دخولها علي الفكر السني، وإقبالها علي فقه مذاهب أخري غير المالكي في الكتب التي اعتمدت عليها في تثقيف عضويتها، إلا أنها ظلت متعايشة مع مجتمعها المالكي الصوفي، فلم تصطدم مع الواقع التقليدي ولم تركن إلي فقهه المتجمد، وإنما قادت حركة تجديد للفكر والفقه والحركة في آن واحد، فحققت هذا الفتح العظيم بفضل الله العظيم الأعظم.
    والثورة التشريعية الكبري في السودان والتي تحققت علي يد الرئيس الراحل المشير جعفر محمد نميري كان للحركة الإسلامية دور كبير فيها، فلم تنظر الحركة الإسلامية للمصالحة مع مايو، نظرة ضيقة كما فعل الآخرون الذين استعجلوا النتائج، ولم يحتملوا عدم المشاركة الواسع الذي لم يتحقق كما وعدت الحكومة المايوية، فنفضوا يدهم، وصاروا مذبذبين لا إلي هؤلاء، ولا إلي هؤلاء. ولكن الحركة الإسلامية كان شرطها الأساسي ألا تحل السلطات الحكومية بينها وبين قواعدها للدعوة إلي الله علي بصيرة، فاستغلت الجو الذي أتاحته المصالحة ثم المشاركة لبسط الدعوة الإسلامية، وبناء المؤسسات التي تقوم عليها دولة الإسلام المنشودة في السودان، وكانت خير معين للرئيس الراحل جعفر نميري في أن يمضي في برنامج الأسلمة الذي كان قد بدأه بعد خيانة الشيوعيين له، وعودته إلي طريق الفطرة، ولقد أثبت الرئيس الراحل لشباب الحركة الإسلامية كسبهم، وحقهم في الفضل، فقال في مذكراته (يقولون عن شبابي أنني أخذت فيه نصيبي ونصيب غيري من السابقين واللاحقين، ولذلك حرمت علي شبابنا حق ارتكاب الخطأ، وأقول لهؤلاء أنني في شبابي عايشت جيلاً اغترب عن فطرته، وشباب أمتي عايش جيلاً اشتد حنينه إلي فطرته، فعاد إليها وأعادني معه، فلله القصد وإليه المآب) ولا شك أنه يعني شباب الحركة الإسلامية الذي اشتد حنينه إلي فطرته فعاد إليها وأعاد معه الرئيس الذي عاد بالتشريعات والقوانيين إلي أصولها الفطرية المستمدة من الكتاب والسنة. (فطرة الله التي فطر الناس عليها... لا تبديل لخلق الله)
    والذين تمردوا من أهل الجنوب علي سلطان الدولة، وحملوا السلاح ضد الوطن، تركت الحكومات والقوي السياسية الجيش وحده يقاتلهم معزولاً. وعندما تهيأت سلطة الحكم للحركة الإسلامية بالإنقاذ الوطني، أعادت الأمر إلي نصابه، وأكدت عملياً أن الحرب ضد الوطن وليس ضد الحكومة، فأدخلت الشعب في المعركة، وأعادت التوازن للعملية، ومن ذات الفهم الوطني بحثت عن وسائل حل وتسوية المشكلة وطنياً وقومياً، وكان ثمرة ذلك اتفاقية السلام الشامل، التي قطعت دابر الحرب إلي الأبد، ومهدت الطريق أمام علاقة سوية ومستقرة وإيجابية بين الشمال والجنوب.
    إن الحركة الإسلامية السودانية التي جاءت امتداداً طبيعياً لثورات السودان الحضارية التحررية، بنت علي ما أرساه السابقون من كسب، وأضافت إليه ما يعززه ويثبت أركانه، فاكتملت علي أيديها كثير من المعاني التي من أجلها جاهد السابقون، ويأتي في مقدمة تلك المعاني الإستقلال والتحرر.
وحركة هذا كسبها، لا تختزل في معان مبتسرة، ولا يقعد بها تخاذل بعض بنيها عن القيام بدورها الذي تأسست من أجله، ففي شموخ وصمود هذه الحركة ضمان وأمان للسودان وأهله. والتوفيق بيد الله، وهو المستعان.

Gamal Angara [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]