لا نتفق مع رئيس الجمهورية ورئيس حزب الأمة في كلامهما الأخير
عمر البشير ليس أفضل من عمر بن الخطاب وقدوتنا الصحابي الذي قال لأمير المؤمنين «لا سمع ولا طاعة»
خيارا الصادق المهدي يحرقان الوطن ويزيدان حزب الأمة ضعفاً على ضعف


يقول أهل السودان في المثل الشعبي «الشجر الكبار فيهو الصمغ» ويقولون في مصر «الدهن في العتاقي» ولمثل هذين المثلين الشعبيين ظللنا نحفظ لكبارنا في السودان مكاناً خاصاً، ونراهن عليهم في كل الملمات، وكانوا دائماً يكونون عند حسن الظن بهم، فيوفقهم الله لعبور كل جسور المحن التي مرت على بلادنا، وظل أهل السودان يقولون دوماً «الما عندو كبير يكوس ليهو كبير» ولهذا فإن السودانيين مثلما يحفظون لكبارهم مقاماتهم السامية الرفيعة، يحتفظون لهم أيضاً بمواقعهم ومناصبهم الرسمية والشعبية في كل المحافل والمجالات، فالسلطان يصبح سلطان في قبيلته إلى أن يلقى الله، وكذلك العمد والشراتي وغيرهم من رجال الإدارة الأهلية، وكذلك الحال في المجال الديني الإسلامي، ويستوي في ذلك الصوفي السلفي والحديث، وهم كذلك في الدين المسيحي، وفي أديان أهل السودان المحلية، وفي الأحزاب السياسية.
ولأن الشأن الذي نتحدث عنه هو الشأن السياسي، فإن أحزابنا السودانية الوطنية الأصيلة الراسخة، ظل يقودها رجال ثابتون، وظلوا يقودونها بذات الحكمة والثبات، فحزب المؤتمر الوطني ظل رئيسه هو المشير عمر حسن أحمد البشير منذ نشأته الأولى، وظل كذلك حتى بعد أن خرج عنه آخرون، وكذلك الحركة الشعبية قادها الراحل الدكتور جون قرنق إلى أن لقى ربه في حادث الطائرة المشؤوم الذي لم يعرف حتى الآن حقيقة. ولم يكتشفوها بعد، وبعد رحيله آلت القيادة بشكل طبيعي وسلسل لنائبه الأول الفريق أول سلفاكير ميارديت، ولقد بدأت بهذين الحزبين رغم انهما لم يكونا الأعرق في تاريخ السياسة السودانية، ولكن لأنهما الأفعل بحكم أنهما يملكان سلطة الحكم، وبأيديهما تتجمع أكثر الخيوط إن لم يكن كلها.
وفي الحزبين التقليديين لم تخرج القيادة من أيادي الزعيمين السيد الصادق المهدي رئيس حزب الأمة القومي ومولانا السيد محمد عثمان الميرغني رئيس الحزب الإتحادي الديمقراطي، وذلك منذ أن صنعت القيادة للأول بعد إستشهاد عمه الإمام الهادي المهدي في رحلة الخروج للهجرة من الجزيرة أبا إلى الحبشة، وآلت للثاني بعد وفاة والده مولانا السيد على الميرغني، وكل الذين نازعوهم القيادة خرجوا ولم يجدوا شيئاً.
والشأن في الحركة الإسلامية الحديثة هو ذاته الشأن في الأحزاب التقليدية، فالدكتور حسن عبد الله الترابي منذ أن صار أميناً عاماً للحركة في أكتوبر 1964م ظل هو الأمين العام لها على الدوام، وعندما حصل الخلاف والفراق والمفاصلة في المؤتمر الوطني عقب توالي الأحداث بعد مذكرة العشرة، وقرارات الرابع من رمضان والثاني من صفر، فإن الذين تخندقوا مع الدكتور الترابي في المؤتمر الشعبي نصبوه أيضاً أميناً عاماً لهذا الحزب المتمايز، وظل كذلك أميناً له حتى يومنا هذا.
وذات الذي تميزت به أحزاب السودان التقليدية والإسلامية الحديثة، تخلقت به الحركة الشيوعية في السودان، فالسيد محمد إبراهيم نقد الذي تولى القيادة بعد أعوام سكرتير عام الحزب السيد الشفيع أحمد الشيخ بعد إنقلاب يوليو 1971م، ظل هو السكرتير العام للحزب في كل حالات الإختفاء والظهور، والإعتقال والحكم أيضاً.
وسيظل كل هؤلاء قادة وقيادة للأحزاب السياسية السودانية الوطنية بمختلف إتجاهاتها وتوجهاتها إلى أن يلاقوا ربهم راضين مرضيين، وستدوم لهم هذه القيادة لسببين أساسيين، أولهما أن هذا هو المزاج السوداني غير القابل للتغيير على الأقل في الوقت الراهن ـ ثم انهم أثبتوا حكمة وحنكة في قيادة السودان، ومن بعد في قيادة البلاد للخروج من كل محناتها، ولعل هذا هوالذي ظل يقصر لهم بعض الإخفاقات التي وقعوا فيها وأوقعوا فيها أحزابهم وبلدهم السودان، ومرحلتنا هذه التي نمر بها وتمر بها بلادنا، وتواجه شعبنا نجدها الأهم والأخطر في تاريخ السودان كله، ولو كنا نقول قديماً إن التحدي الذي ينتظرنا في التاسع من يناير عام 1102م هو تحدي الإستفتاء، فإن تحدي هذا اليوم أصبح هو الإنفصال، وذلك بعد أن أضحت معالم الغد واضحة وبائنة، ولعل البعض يدرك الطرفة التي رويتها من قبل عن بصيرة السودان الأم درمانية المشهورة الحاجة زينب بت بتي، وكنت قد رويتها من قبل عندما بدأت معالم المصير تتضح شيئاً فشيئاً قبل بضعة أشهر، وقد نستحق أن نعيد روايتها بعد أن بانت معالم المصير تماماً إلا بفضل من الله، ونعمة منه وقدرة لا يقدر عليها غيره تجعل خيار الوحدة يرجح على الإنفصال، والحكاية هي أن أحد لاعبي كرة القدم الأقوياًء أصيب «بفك» في رجله فجيء به إلى البصيرة «بت بتي» فما أن وضعت يدها على رجله حتى «أحدث » بصوت مرتفع فقال «يا ساتر» فردت عليه «بت بتي» «يا ولدي السترة عدت الله يجيب العافية»، ولقد رويت هذه القصة للإشارة إلى مسألة وحدة السودان قد «عدت» ونقول ربنا يحافظ على السلام.
والتصريحين الأخيرين للسيدين رئيس الجمهورية المشير عمر البشير ورئيس حزب الأمة السيد الصادق المهدي الذين أكتب هذا المقال حولهما، أكتبه أولاً بإعتبار أن الرجلين من أكثر القادة السياسيين الذين نراهن على حكمتهم لقيادة أهل السودان لعبور هذه المحنة، والرجلان مشهود لهما بذلك ومعروف عنهما الحكمة والعقل، ولهما في ذلك مواقف مشهورة، ثم أكتبه لمعزة خاصة في نفسي أجدها لهما تجعلني انحاز إليهما وأنا معهما رغم إختلافهما السياسي ولو أن الحركة الإسلامية والمؤتمر الوطني يجمعاني مع الرئيس البشير فإن الأنصارية التي تجمعني مع الإمام الصادق المهدي تخلق مثل هذه المحبة، وتوجب النصح والمناصحة، هذا فضلاً عن أن السيد المهدي هو الذي شق لنا طريق التمرد على الجمود وشق طريق الثورة منذ ستينيات القرن الماضي، ونحن لم نزل صغاراً انتماؤنا لحزب الأمة كان إنتماء عاطفة أكثر منه إنتماء سياسة، ثم أنا نقف هذه الوقفة للمساهمة في الحفاظ على أدنى الحسنيين «السلام» بعد أن فقدنا أعظمهما «الوحدة» ونريد أن نحفظ لما يتبقى من بلدنا سلامه وإستقراره، وتصريح السيد الصادق المهدي الذي أعنيه، هو ذلك الكلام الذي أدلى به في منتدى السياسة والصحافة قبل بضعة أيام في منزله بالملازمين في أم درمان، وحدد فيه السادس والعشرين من يناير القادم لإتخاذ أحد موقفين، أما أن ينضم إلى معسكر المعارضة الذي يعمل لإسقاط الإنقاذ وإجتثاثها من جذورها، أو أن يعتزل السياسة ويجلس في بيته.
ولنبدأ بخيار الإنحياز لمعسكر المعارضة الشرسة، فهذا التصريح معناه أن يلحق بركب الداعين إلى تجميع المعارضة السياسية والعسكرية لإتخاذ كافة الوسائل المشروعة وغير المشروعة لإسقاط الحكومة، وهو بذلك يكون قد إنحاز إلى التجمع الذي يدعو له السيد علي محمود حسنين وآخرين في الخارج، وهو محاولة لإعادة إنتاج التجمع الوطني المعارض القديم، والعودة للمربع القديم مربع «سلّم تسلم» ونذكر السيد الصادق المهدي يقول قديم له في زمان التنافر الذي كان أول عهد الإنقاذ بين الحاكمين والمعارضين، وذلك حينما أطلق سراحه من الإعتقال الأول، وصادف عيداً للأضحى المبارك وأمّ المصلين في مسجد الخليفة بأم درمان، وجاءه الأنصار من كل حدب وصوب، وكان لو قال لهم أعبروا هذا البحر الذي أمامكم لعبروه دون أن يتخلف منهم أحد، ولكنهم دعاهم لأن يجنبوا البلاد مصير مظلم إذا ظلت على مثل ذاك الحال «بين قهر السلطة وعنف المقاومة»، ودعا الحكومة إلى العدل والقسط، ودعا الحكومة إلى إتخاذ الحكمة وإلتزامها في التعامل مع المعارضة حتى لا يضيعوا وطنهم، ثم ذكرهم جميعاً بقول الشاعر العربي القديم الذي ذكر قومه الذين تشاجرت رماحهم بوشائج أرحامهم، ولقد أعجبني ذاك القول، وكتبت عنه كتاباً أسميته «السودان.. بين قهر السلطة وعنف المقاومة».
فلو أن السودان لم يكن قادراً على إحتمال ذاك التشاجر قبل عشرين عاماً ، فإنه اليوم لم يعد يحتمل أدنى شجار، ولو أن السيد الصادق المهدي الذي مثل الحكمة في ذاك الزمان القديم، إنضم إلى ركب المتشاجرين اليوم يكون قد زاد نار الفتنة إشتعالاً ، وهي فتنة لو زاد اشتعال نارها لا محال قاضية على الوطن كله ومدمراه.
أما خيار الإعتزال، فهو يزيد حزب الأمة ضعفاً على ضعف، ويقضي عليه، وحزب الأمة القومي بعد أن تشتت وفارقه أكثر رجاله بالموت أو الخروج لم يبق فيه شىء سوى التاريخ وبطولات الأجداد وصولاتهم ، والسيد الصادق المهدي فلو أن السيد المهدي أعتزل السياسة فذلك المسمار الأخير في نعش الحزب الذي لن يكون أمام الناس خيار سوى تشييعه لمثواه الأخير، ولا أحسب أن السيد المهدي يرضيه قبر حزبه وهو مازال على قيد الحياة حي يرزق.
فبصرف النظر عن الذين أخذهم الله تعالى وإختارهم إلى جواره من رجال الحزب الأقوياء الأوفياء، فإن أكثر الذين مازالوا على قيد الحياة تشتت بهم السبل، فارقوا الحزب الأم أو قعدوا عن القيام بأية مسؤولية فيه، ومن هؤلاء السادة مبارك الفاضل، د. آدم موسى مادبو، بكري أحمد عديل، عبد الرسول النور، د. علي حسن تاج الدين، الزهاوي ابراهيم مالك، د. الصادق الهادي، د. أحمد بابكر نهار، عبد الله علي مسار وغيرهم كُثر هذا بالإضافة إلى الأمير نقد الله الذي أعيته الحسرة التي أخرجته عن وعيه وقعدت به قعوداً كاملاً ، ومثلما يقولون عن «البهيمة» الهزيلة أن أمهر« جزار» لن يستخرج منها خمسة كيلو جرامات، فإن أمهر مكتشف لن يقدر على إنتقاء خمسة قياديين من حزب الأمة القومي خارج دائرة أبنائه وأصهاره، فهل يرضى الإمام الصادق أن يقضي على هذا الذي تبقى من الحزب ويجهز عليه بإعتزال السياسة.
أما قول السيد الرئيس عمر البشير الذي لم أجد طريقاً للإتفاق معه في بعض ما قال به وهو يخاطب الجماهير في ولاية القضارف، وقال فيه إن الجنوب إذا إنفصل لن يكون هناك مكاناً للحديث عن أي تباين في السودان، وستكون الشريعة هي المصدر الرئيسي للتشريع.. وأول مخاطر دلالات مثل هذا القول إنه يشير إلى أننا لا نحكم اليوم بالشريعة، وأن كل الذي كنا عليه قبل ذلك لم يكن شريعة، وهذا قول لا نرضاه، فالتوجه الحضاري الذي طرحته الإنقاذ هو ذاته الشريعة، وكل الأحكام التي كانت تصدر في كافة المجالات كانت أحكاماً شرعية، بما في ذلك الحكم على «فتاة الفيديو» فهو كان حكماً شرعياً من محكمة التزمت بكتاب الله تعالى وسنة نبيه الكريم عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم، وهذا ما لم ينازع فيه أحد، حتى القضاء لم يطلب النظر في الحكم، وإنما أمر بالتحقيق في التجاوز الذي صاحب تطبيق الحكم الشرعي، فالقول بأننا سنحكم بالشريعة بعد الإنفصال يهزم مشروعنا في عشرين سنة ماضيات.
ثم أن القول بإننا سنحكم بالشريعة إذا إنفصل الجنوب، فهذا يدعم إدعاءات الذين قالوا إن الإسلاميين يعملون على فصل الجنوب ليصفوا لهم الشمال فيتحكمون فيه بإسم الله، وباالطبع هذا الإدعاء لم يكن صحيحاً، والحركة الإسلامية قدمت فلذات كبدها للجنوب من أجل الدعوة إلى الله تعالى، وهي التي جاءت تجدد دعوة النبي الخاتم عليه الصلاة والسلام لتخرج الناس من الظلمات إلى النور، والحركة الإسلامية تعلم أن الله إذا هدى بها واحداً خير لها من حمر النعم، ولعل الذين دخلوا الإسلام من أخواتنا في جنوب البلاد بفضل ما تفضل به الله تعالى على الحركة الإسلامية هو الذي حقق لها هذا الفتح العظيم.
وأخواننا في الجنوب من المسلمين أقرب إلينا من الشماليين الذين يخالفوننا في الدين، ويستوي في ذلك حتى المسلمين في الحركة الشعبية، فبمعايير الدين فإن المسلمين من الجنوبيين في الحركة الشعبية أقرب إلينا من غير المسلمين من الشماليين في المؤتمر الوطني.
اما القول بإن تباين أهل السودان سينتهي إذا انفصل الجنوب، فإن الواقع يقول غير ذلك، فإن أهل الشمال يوجد منهم غير مسلمين في جنوب كردفان وفي النيل الأزرق وفي غيرهما من ولايات سودانية أخرى، فضلاً عن السودانيين من الأقباط، وهذا التباين في الدين لم يحل دون تطبيق الشريعة الإسلامية ولن يحول، فدولة المدينة المثال على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم كان فيها مسيحيون ويهود، وظلت دولة إسلامية رائدة لم يبلغها أحد ولن نبلغها مهما جدنا التشريع والتطبيق، وذات هذه الدولة الإسلامية الرائدة ظل غير المسلمين مواطنين فيها حتى وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، الذي مات ودرعه مرهون ليهودي من سكان دولة المدينة الإسلامية.
وغير ذلك فهنا تباين آخر في السودان في مجالات شتى، تباين ثقافي، وعرقي وغيرهما، فالسودان به عرب، وبه أفارقة وبه نوبة، وكلهم سودانيون ودولة الشريعة الإسلامية تقوم بهم جميعاً وتستوعبهم جميعاً.
ثم إن الصراعات التي نشأت في السودان لم يكن أساسها التباين الديني، فدارفور مثلاً ليس من بين أهلها من يدين بغير الإسلام، ومع ذلك فهي أكثر مناطق السودان اشتعالاً، وانفصال الجنوب وخروج غير المسلمين من سكانه من الوطن لن يغير شيئاً في الأوضاع بدارفور، لذلك نقول إن مظان الحل هي في تجويد تطبيق الشريعة الإسلامية والتي ظلت الإنقاذ تحكم بها منذ يومها الأول تصيب حيناً وتخطىء أحياناً أخرى، فنسأل الله أن يوفقنا على الإصابة، ويغفر لنا من أخطأنا فيه بقصد أو بغير قصد، ويهدينا سبيل الرشاد.
ونقول قولنا هذا للرئيس البشير مناصحين كما كان يناصح الصحابة أمراء المؤمنين ونقول له كلمة حق لله والوطن ولا خير فينا إن لم نقلها. وتحضرني في هذه اللحظة قصة المرأة التي وقفت تعارض أبناً لأمير المؤمنين عمر بن الخطاب في شأن تحديد المهور، فقال الفاروق رضي الله عنه قوله المشهور «أصابت امرأة واخطأ عمر» كما يحضرني مشهد ثاني لإبن الخطاب حينما وقف يخطب الناس ويدعوهم للإستماع والطاعة، فوقف رجل من عامة القوم وقال لأمير المؤمنين «لا سمع ولا طاعة» حتى قام عبد الله بن عمر وشهد لأبيه وبرأه، فجلس الرجل وقال: الآن نسمع ونطيع، فرئيسنا عمر البشير ليس أفضل من أمير المؤمنين عمر بن الخطاب الذي كان يراجعه قومه ويستمع لقولهم ويتراجع، وقدوتنا في ذلك الصحابي الذي قال أمير المؤمنين لا سمع ولا طاعة ولن نرضي بأن تكون على غير ما كانت عليه تلك الصحابية التي راجعت الفاروق، فأجاز قولها ورجع عن رأيه وإعترف بخطئه.

Gamal Angara [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]