رغم أني من أنصار وحدة السودان، ومن العاملين والداعين بقوة لأن يظل السودان واحداً موحداً. ورغم أني ما زلت أحتفظ بدرجة عالية من التفاؤل، وما زال عندي أمل كبير في أن يختار أهل جنوب السودان الوحدة، ورغم أني أري في الانفصال خسارة كبيرة لأهل السودان جميعاً، للذين يقيمون في شمال السودان، والذين يقيمون في جنوبه، علي حد سواء، لكنني أري الانفصال خياراً مشروعاً للذين يدعون له. وما دامت اتفاقية السلام الشامل(CPA) قد وضعت خيار الانفصال خياراً بديلاً للوحدة إن لم ترض الجنوبيين بشكلها القائم وفق ما هو قائم الآن فإن اختيار الانفصال تعزيزاً لوحدة السودان يكون هو الخيار المقبول في هذه الحالة. ولعل هذا ما دعا المؤتمر الوطني يعلن التزامه بخيار أهل الجنوب، حتى لو جاء غير الوحدة التي يؤمن بها ويعمل من أجلها.
والتزام خيار أهل الجنوب والاعتراف به، ليس مطلوباً فقط لأن ذلك حتم دستوري، وحق أصيل واجب الالتزام، لكنه مطلوب كذلك من أجل استدامة حالتي السلام والأمان اللتين حققتهما اتفاقية السلام الشامل. ولا بد أن يعترف مناهضو هذه الاتفاقية قبل مناصريها أن حالة السلام التي أفرزتها لم تشهد لها البلاد مثيلاً من قبل. وتأتي أهمية هذه الحالة السلامية أنها جاءت عقب أطول فترة حرب تمرد شهدها بلدنا السودان. فالحروب القديمة التي كانت تقوم منذ انطلاق تمرد حامية توريت الأول في أغسطس عام 1955م وحتى توقيع اتفاقية السلام الأول في عهد مايو برئاسة المشير جعفر نميري برعاية الإمبراطور الأثيوبي هيلاسلاسى الذي تعيش بقايا أسرته الآن لاجئة في العاصمة السودانية الخرطوم، هذه الحروب التي كانت تندلع طوال هذه الفترة لم تخرج من كونها حالات تمرد لمجموعات غاضبة من أهل الجنوب، وكان الانقسام حولها بين أهل الجنوب كبيراً. وكان الجانب الكبير من أخواننا في جنوب السودان رافضون لهذه الحرب. ولم تؤثر المعارك التي كانت تدور بين الجيش الحكومي والمجموعات المتمردة علي حياة المواطنين بدرجة كبيرة. أما هذه الحرب والتي انطلقت شرارتها الأول بتمرد الكتيبة 105 في السادس عشر من شهر مايو عام 1983م، تجاوزت كل الحدود القديمة، واتسعت رقعتها داخلياً وخارجياً، وأثرت تأثيراً مباشراً علي حياة الناس في جنوب السودان وشماله معاً. فالحركة الشعبية التي قادت هذا التمرد الأخير استطاعت أن تجذب إليها جزءاً كبيراً من أهل الجنوب، وأشركت قطاع واسع من المواطنين المدنيين في هذه الحرب. بل جذبت إليها بعض أهل الشمال الذين استقطبتهم في صفوفها للإيحاء بالبعد القومي، ثم استطاعت أن تقتحم بعض مناطق شمال السودان، وتجعل لها موالين في هذه القطاعات، وأعانتهم علي احتلال بعض الأراضي في تلك المناطق كما حدث في منطقتي جبال النوبة وجنوب النيل الأزرق. وزادت علي ذلك بأن استفادت من حالة الضياع التي تعيشها بعض القوي السياسية السودانية، التي فقدت الأمل في العودة إلي حكم السودان مرة أخري بأية وسيلة من الوسائل، فتحالفت مع هذه الحزب لتمنحها بعض القوة. واستفادت الحركة من هذه التحالفات السياسية مع الأحزاب الوطنية السودانية المعارضة، ومن وجود بعض الشماليين في صفوفها من الذين لم يجدوا حظاً في خارطة القوي السياسية الوطنية، فاستفادت من كل ذلك بلباس ثوب قومي وطني ثوري أعانها علي اختراق المجتمع الإقليمي والدولي، فكسبت مشروعة أكبر من كونها حركة متمردة تطالب بحقوق بعض أهل السودان في جنوبه. هذه الميزات النسبية التي اكتسبتها الحركة الشعبية باستغلالها لمتناقضات السياسة السودانية، مكنتها من إشعال حرب غير مسبوقة في بلادنا. ولذلك فإن السلام الذي حققته الاتفاقية التي أوقفت هذه الحرب، هو أيضاً سلام غير مسبوق.
ولذلك أري أن المحافظة علي هذا السلام، أهم من التمسك بالوحدة. بل إذا أصبح خيار الوحدة خصماً علي السلام، فلتذهب الوحدة ليبقي السلام. وأية محاولة لفرض الوحدة علي حساب السلام تفقدنا الاثنين معاً. ونكون بذلك قد فعلنا كما فعلت (البصيرة أم حمد) المعروفة في القصص الشعبي السوداني. وهي امرأة كانت تدعي الحكمة، وفي واحدة من المرات أدخل عجل رأسه في زئر، فسألوها الفتوي فأشارت إليهم بذبح العجل، فعادوا إليها ليخبروها أنهم ذبحوه إلا أن رأسه لم يخرج من الزير، فقالت له أكسروا الزير. فكسروه وخسروا الاثنين معاً. فإذا أبي أهل الجنوب إلا الانفصال، فلنفقد وحدتنا ويبقي السلام. وهذه معادلة يجب ألا تغيب عنا إذا وجدناها في طريقنا. ولنبقي علي أمل الوحدة قائماً، إلي أن يقضي الله أمراً كان مفعولاً.
Gamal Angara [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]