كثيرون لم تنطل عليهم المزحة الأمريكية الأخيرة المسماة بالسياسة الجديدة تجاه السودان، وأدركوا حقيقة الأمر منذ الوهلة الأولي. ولكن اللعبة مرت علي آخرين فروجوا إلي أن أمريكا لوحت بسياستين متعارضتين تجاه السودان، فلوحت ـ ب(جزرة)، فإن لم تفلح رفعت (العصا). فعصاة أمريكا والغرب ظلت مرفوعة منذ فجر هذه الحكومة السودانية قبل أكثر من عشرين عاماً، وظلت تحاصر السودان وحكومته من كل جانب، وتفرض عليه العقوبات، وتمنع عنه المعونات، بل حرمته حتى من حق الاستفادة من المصنوعات الأمريكية المدنية، الأمر الذي أثر سلباً علي قطاعات عديدة منها مجال الطيران، وكثير من الخدمات والصناعات الأخرى التي تحتاج إلي التقنية الأمريكية، وعاد مردود هذه السياسة السالب علي المواطن السوداني قبل أن يعود علي حكومته. ولكنها سياسة العصا الغليظة التي ظلت تتبعها أمريكا ضد السودان، بعد أن صنفته دولة راعية للإرهاب.
ولذلك فإن ما روجت له صحيفة (واشنطن بوست) من سياسة أمريكية جديدة تجاه السودان، هي شق واحد فقط.. شق الجزرة التي تحاول أمريكا تقديمها عسي أن تجنبها ما لم تكن تضعه في حسبانها وهي تضغط علي حكومة الخرطوم وتضغط، وكانت تظن أن هذا الضغط يمكن أن يدفع الحكومة السودانية إلي الاستسلام ورفع الراية البيضاء، أو ربما يقوي من خصومها الذين يوالون الغرب فينقضوا عليها، أو قد يجل السودانيين ينفضوا من حولها فتصير لقمة سهلة البلع. ولكن الذي حدث غير ذلك تماماً، فازدادت حكومة  السودان تمسكاً بالمنهج التحرري الذي اتخذته، وسارت في برنامجها للانعتاق  من أسر القوي الباغية، وزاد هذا من تماسك الجبهة الداخلية، فوالي الحكومة كل المتحررين من أهل السودان، وتضامنت معها كثيرة من القوي الوطنية، بما في ذلك بعض الأحزاب المعارضة، وانكشف ظهر الذين يوالون الغرب، فصاروا معزولين.
والأفجع من ذلك كله علي أمريكا والغرب أن الاستفتاء الذي كانوا يضغطون من أجل أن يكون وسيلة لفصل الجنوب عن الشمال، صار مهدداً للاستقرار بمخاطر لم تكون ضمن حساباتهم. فالمخاطر التي صارت تهدد الجنوب أكثر مما يهدد الشمال، بل امتد تهديده إلي خارج الحدود. والحكومة التي أرادوا أن يعزلوها داخلياً وجدت تضامناً إقليمياً لم تجده حكومة قبلها علي مر تاريخ الحكومات السودانية. وبصرف النظر عن القضايا الواضحة مثل وحدة السودان، ووحدة أراضيه، وبسط السلام فيه، فإن قضية المحكمة الجنائية الدولية واتهاماتها الجائرة والظالمة ضد الرئيس السوداني عمر البشير، وجدت مساندة منقطعة النظير، وليس أدل علي ذلك من موقفي الاتحاد الأفريقي وجامعة الدول العربية. وإزاء هذه المواقف، والتطورات غير المحسوبة لأم تجد أمريكا خياراً سوي تهدئة اللعب مع الحكومة السودانية، وطرحت ما عرف بسياسة الجزرة، والتي حاولت أن تحفظ ماء وجهها فيها بما أردفته بها من سياسة تهديد بما عرف بسياسة العصا.   
وليس صحيحاً ما يزعمه البعض أن الحكومة السودانية جدت في موضوع استفتاء تقرير مصير جنوب السودان استجابة لهذه السياسة الأمريكية الجديدة. فلو أن الحكومة السودانية تأخذ بالوعود وتعمل حساب الوعيد لتغيرت سياسات ومواقف عديدة، ولكن الالتزام بقيام الاستفتاء في موعده هو وفاء لعهد قطعته الحكومة علي نفسها وتواثق عليه الشريكان في اتفاقية السلام الشامل، ووثقاه في دستور البلاد. ولقد قطع الشريكان ــ المؤتمر الوطني والحركة الشعبية ــ التزامهما بقيام الاستفتاء في موعده. ولئن كانت مواقف قيادات الحركة الشعبية متأرجحة بين الوحدة والانفصال، فإن موقف المؤتمر الوطني قيادة وقاعدة ثابت وواضح أن مع الوحدة، وسوف يعمل حتى آخر ثانية من أجل أن يختار الجنوبيون الذين يحق لهم التصويت خيار الوحدة. ولكن إذا اختار أهل الجنوب الانفصال، فإن خيارهم سوف يكون مكان تقدير واحترام، ولن يعمل أحد علي تعطيله، وسوف يمكنون من الانفصال بدولتهم حسب الحدود المتفق عليها. ولن يكون ذلك هو خاتمة المطاف، فسيظل المؤتمر الوطني وكل الوطنيين الشماليين يدعون أخوانهم الجنوبيين إلي وحدة جديدة، حتى يعودوا إليها. وإن أبوا وأرادوا أن يكونوا كما صاروا إلي دولة خاصة، فسيظل الإخاء والرحم هما الرابط بيننا وبينهم. ونزيد علي ذلك بمصالح مشتركة تقوي من أواصر الرباط.
 
Gamal Angara [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]
\\\\\\\\\\\\\