أخونا أزهري مكي جسر التواصل بين أبناء وأهل أم روابة في العاصمة القومية الخرطوم، فقبل أن يكون سكرتيراً لرابطة أبناء أم روابة بالخرطوم قبل أن يأتي عليها الدهر، وبعد أن قضت الرابطة نحبها، فإن أزهري مكي يعرف أكثر أبناء (عروس النيم) بالعاصمة، ويعرف هواتفهم وأماكن سكنهم أيضاً، وما أن يجد أزهري خبراً ساراً أو غير سار حتى يعمل على نشره على الجميع. ومن أراد أن يبلغ أهل أم روابة خبراً فيلقي به لأزهري ليجده قد عم ووصل لكل الناس.
وعندما تُوفي أخي عبد الرحمن التجاني إدريس لم أتمكن من مقابلة الإخوان قبل السفر، لاسيما أخونا عبد القادر التجاني، ولم أستقر بعد عودتهم من الأسفار الداخلية، فلما وجدت سانحة إقامة اتصلت بالأخ أزهري للوصول الى الأخ عبد القادر، فكشأن أزهري لم يتأخر ولم يتردد.
          العزاء في عبد الرحمن صعب، فذكر عبد الرحمن التجاني يجر معه ذكريات ناس وأحداث وأمكنة وأزمنة.. ذكرى مدينتنا التي كانت، وذكر أهلنا النادرين وذكرى حينا (حي أديب) وذكرى)الصينية) و(نادي الموردة) وميدان الغربية والمدرسة الغربية ذاتها، ثم ذكرى (قطار الغرب) الذي كان دابتنا هو إلى مدرسة خور طقت وأنا إلى الأبيض الثانوية.
تذكرنا حيشان أم روابة في حي أديب، حوش أديب ذاته، والفضل، وشيخ الدين، وأبو كنانية، وود حماد، ومحمد الضو، وحوش جدنا جبارة عمر.. وحي الدينارية وبيوت الأدارسة ونساءنا الشامخات الميرم امامة، حاجة أم بريمة، هانم حمزة، حاجة الشول، بنات أم مهنا «سعدية وأم فضالي»، بت بشير، بت الشايب، وبت سيد أحمد، آمنة الشقراء، أم الحسن سيف الدين، كلتوم بت الامير، حليمة بت حمدان، أم سترين بت أحمد، حرانة.. ووالدتنا التومة بت جبارة عليهن جميعاً الرحمة.
لقد كان الناس أتقياء أنقياء، وكانوا جميعاً صفاً واحداً كأسنان المشط، متساوين في كل شيء، لم نكن نعرف قبلية ولا عنصرية، ولم يكن يفرق بين الناس مال ولا جاه ولا ثقافة ولا سلطان.
عندما كنا صغاراً كنا أبناءً للجميع، فالجميع يعطينا والجميع يأمرنا والجميع ينهانا. كانت بيوت الحي كلها لنا سكناً، نأكل في أي بيت ونشرب ونقيل ونبيت ونلعب ونلهو.. كانت بيننا وبين الأحياء الأخرى ملاطفات ومنافسات شريفة، أحياء عطرون وحمو والباقر وعمر غابات وطيبة والامتداد.
ونذكر مشائخنا الأسطى محمود والطريفي، وأبو رجالة والشيخ النور وشيخ فتريتة «مرفعين الفقراء» وأساتذتنا الجزولي الطيب، محجوب محمد جعفر، يس الطاهر، سليمان الدومة، حسن وحسين الشريف مختار. ونذكر غابة الهشاب و«النيل» وحفرة حمو وأم بلينجيك وأم دم وقضيضيم وتُرَب التجاني والشرفاء.
ونذكر أسمارنا وأحزاننا.. ونذكر أم سلمة (الداية) والطاهر (الطهار).. وعلى ذكر الطاهر الطهار تذكرت يوم (الختان) عندما جاءت خالتي أم كلتوم بت الجدع، وذهبت الى (الكشف) وقالت لهن أكتبن (بطن الحمارة) وكتبن (بطن الحمارة)، فلما وضعت الحمارة أنثى صارت من نصيبي، وكل عام تلد الحمارة وخالتي (بت الجدع) تربيها مع حميرها ودوابها في حلتنا (الجوغان)، ثم يباع الدَّحَشْ عندما يصير (حماراً) ويكون كله من نصيبي، فظل هذا الحال هكذا حتى دخولي الجامعة ولم ينقطع إلا بموت آخر نسل من (بطن الحمارة) ووفاة خالتي أم كلتوم بت الجدع.
        تذكرنا الخريف عندما كنا نعمل في مزارع الأثرياء أمثال عمنا عبد الله سبيل بـ«القروش» وكان البعض (يحفر) والآخر (يدفن)، وعندما ينبت القش بعضنا (يشقق) والآخر (يكتل) يعني) (يقتل). أما الفقراء فكنا نذهب ونقوم لهم بذات الأعمال مجاناً في (النفير)، وكنا نفعل كل ذلك ونحن ما زلنا طلاباً في المدارس الاولية والوسطى.
وكنا في الخريف نحفر (المجاري) للمجلس بـ(القروش) ونحفر الفرعية لبيوتنا بـ(النفير(.
فعندما نبكي أخانا عبد الرحمن نبكي كل ذلك، ونبكي كل الذين رحلوا منا، نبكي كمال أحمد خميس وسيد موسى، وحسين بكري وخضر محمد شريف، وعثمان وبشير الشيخ، ومدثر برعي، وعوض حمدتو، وسارة آدم، وسمية مكي. وحافظ بابكر، ونبكي فناننا الذي رحل في عز الشباب الغالي حامد.. ونبكي ونبكي ونبكي. ولا نقول إلا ما يرضي الله .. (إنا لله وإنا إليه راجعون(.
Gamal Angara [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]