عندما أنشئ منبر الدوحة للحوار بين الحكومة السودانية والحركات الدارفورية المسلحة كنت من أوائل الذين ساندوا هذا المنبر ووقفوا معه، وبشروا به منبراً خاتماً لمشوار سلام دارفور الذي نريد له أن يكون الحلقة الخاتمة للسلام في السودان. ولقد اتخذت هذا الموقف لما تهيأ لهذا المنبر من ظروف كنت أراها كافية لتحقيق النجاح المطلوب. فالمنبر جاء بمبادرة من جامعة الدول العربية التي ترعي وتقود الحوار من أجل السلام في دارفور السودانية. ووقف الاتحاد الأفريقي مع الجامعة العربية شريكاً أصيلاً في الحوار، وباركته الأمم المتحدة، وساندته كل القوي الإقليمية والدولية المهتمة بالسودان وشؤونه. ثم أن المنبر بدأ بحوار بين الحكومة وفصيل من الفصائل الدارفورية المهمة سياسياً وميدانياً، هو حركة العدل والمساواة التي يقودها الدكتور خليل إبراهيم. ومعلوم أن هذه الحركة هي الأبعد سياسياً عن الحكومة بحكم خلفيات معلومة، فضلاً عن تصعيدها القتال، والدخول به مناطق خارج دائرة المعركة، مثل مهاجمتها قري آمنة في دارفور، وعدوانها علي مدينة أم درمان العاصمة الوطنية للسودان، وما ترتب علي ذلك من ترويع للآمنين، وقتل لغير محاربين.
لقد بدأت مفاوضات الدوحة ناجحة بين الحكومة وحركة العدل والمساواة. وكان من علامات نجاحها الوصول إلي تفاهمات معقولة بين الطرفين، قادت إلي توقيع اتفاق إطاري بينهما. احتفلت به البلاد، ولقد شهدنا تدشين احتفاله الأول في مدينة الفاشر حاضرة ولاية شمال دارفور والذي دشنه الرئيس السوداني المشير عمر حسن أحمد البشير. وتم في الاتفاق تعاهد علي تبادل الأسري بين الحكومة وحركة العدل والمساواة. وبالفعل نفذ الجانبان ما اتفقا عليه. ودعمت دولة قطر المضيفة الاتفاق بدعم مالي سخي بإنشاء مصرف لتنمية دارفور برأس مال قدره أربعة مليارات من الدولارات، تبرعت منهم بمليارين. وفرح الناس وطربوا لهذا الاتفاق العظيم.
وقبل أن يجف مداد الاتفاق بدأت الأمور تتبدل وتتحول. فتوترت الأوضاع بين الحكومة وحركة العدل والمساواة. فبدل أن يذهب المطلق سراحهم من المعتقلين من أسري حركة العدل والمساواة إلي دعم السلام، لحقوا بالمقاتلين في المعسكرات، فأعادت الحكومة اعتقال من وجدت منهم، واعتقلت المزيد. وبدل من أن يتحقق وقف إطلاق النار الذي كان من المقدر أن يعقب الاتفاق الإطاري الأول زادت النار اشتعالاً. وأخذت الحروب أشكال شتى.
والحوار الذي يجري الآن في الدوحة ليس هو امتداد للحوار الأول، ولا أحسب أنه بديله كذلك. فالذين تجمعوا من الحركات الدارفورية المسلحة تحت مسمي حركة العدالة والتنمية، هم من أهل دارفور المقدرين، ودخول هؤلاء تحت مظلة الحوار يعزز السلام، ويقوي من احتمالات نجاحه. ولكنهم وحدهم لن يكونوا بديلاً للفصائل الأخرى، ولن يتحقق بهم السلام المنشود، لأنهم ــ ببساطة ــ لم يكونوا من المقاتلين الفاعلين. والأسوأ من ذلك أن الاتفاق معهم بهذا الشكل الجاري قد يؤثر علي سلام أبوجا الأول الذي كان طرفه من الحركات المسلحة السيد مني أركو مناوي قائد حركة جيش تحرير السودان الذي صار به كبيراً لمساعدي السيد رئيس الجمهورية. والآن تعطل تعيين السيد مني في الحكومة الجديدة انتظاراً لما تسفر عنه حوارات منبر الدوحة. وفي تقديري أن كل ما يأتي من الدوحة لن يكون خيراً. وقبل أيام قال الدكتور غازي صلاح الدين مستشار السيد رئيس الجمهورية، ومسئول ملف دارفور، قال أن منبر الدوحة لم يحقق الأهداف التي كانت مرجوة منه. وما قال به دكتور غازي هذا هو تلطيف لكلمة (فشل) فلقد فشل منبر الدوحة. وينبغي أنة نمتلك الجرأة والشجاعة لنعلن ذلك، حتى لا نجري وراء سراب، أو أن نأتي بما لا يحمد عقباه.
Gamal Angara [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]