أود أن أتوسع كثيرا في "حسن الظن" دعما للحوار الوطني، ولكن هذا التوسع لا يعني إلغاء رأيي القاطع أن "التأجيل المزعوم" لن يفضي إلا إلى دورات من  التاجيل تنتهي بأمر يشبه الإلغاء وإنهيار الحوار ولن توجد بعد ذلك "واحد زائد نص" ناهيك عن سبعة زائد سبعة أو أقل من ذلك بقليل ..!

أود أن أفترض أن هنالك دعوات حميدة للتأجيل ودعوات خبيثة، ودعونا نبدأ بالخبيثة وندعها جانبا لناتي بعدها للحميدة بالتشريح والنقد والمعالجة ..!

التأجيل الخبيث يقصد به تعطيل أي حوار داخلي بغرض فتح الباب إلى حوار خارجي، أو على اقل تقدير الإنفراد بالحكومة على طاولة المفاوضات وأخذ الكثير من التنازلات منها لصالح فصيل واحد وهو الحركة الشعبية قطاع الشمال، وفي ذات الوقت تتهم الحركة الحكومة بتجاهل الأحزاب والإنصراف التام عن الحوار معها وتعطيل التحول الديموقراطي ..!

نلاحظ أنه كان في فترة ما مطلب الحركة الشعبية أن تصيغ هي المؤتمر الوطني سويا "خارطة الطريقة" للحوار الوطني على طاولة المفاوضات ... تماما مثلما تصيغ معه "تسريح الجنود" و "نقاط المراقبة" و "المناطق العازلة" وغير ذلك من شئون التفاوض ... وكان مقترح المؤتمر الوطني هو أن يكون التفاوض مع الحركة حول دورها في الخارطة ..!

أنا كنت محتارا للغاية وأنا أرى الأحزاب تخطب ود الحركة وتُعرض عن الحكومة التي ترغب في الحوار المباشر معها ... وترغب في أن تضع معها خارطة الطريق ... وقد حدث الآن ... بينما كان بإمكان الحكومة أن تتفق مع الحركة وحدها ..!

التأجيل الخبيث غرضه نسف الحوار وتجريد الحكومة من أي "فضيلة سياسية" بأنها أستطاعت فتح الحريات بالداخل والتوصل مع الأحزاب على وفاق وطني ... وطبعا هذه النقمة على الحكومة سببها معروف وهو "المرارات الآيدلوجية بين الحكومة والحركة" بل بين اليسار السوداني كله والحكومة الموجودة ... والتأكيد على ضرورة ربط الإسلاميين والفكر الإسلامي بكل ما هو قبيح وعدم السماح بتاتا بحدوث أي إنفراج في عهدهم ... ولو كان هذا الإنفراج يجلب السمن والعسل للشعب السوداني ... ينبغي أن يذهب هذا النظام من جذوره مهما كانت التكلفة الامنية والإقتصادية على الشعب السوداني ليحدث الإنفراج بعد ذهابه إلى مزبلة التاريخ ..!

بالمقابل ... ومع الكثير من حسن الظن ... هنالك تأجيل بنوايا حميدة يتبناه الإصلاح الآن ومنبر السلام العادل ... فالدكتور غازي يعتقد أنه بالأمكان حضور الحركة الشعبية والحزب الشيوعي وآخرين ... لأن قضيتهم هي الحريات والضمانات وأن هنالك عقلاء وأصدقاء في المجتمع الدولي بمقدورهم إقناعهم إذا غيرت الحكومة طريقتها في التعامل ..!

د. غازي رجل محترم ... ويقابله كثيرون في هذا المعسكر بإحترام ... ويزينون له الكلام ويمتدحون له الفكر الإسلامي التقدمي ويرونه مثالا له ... ولا أريد أن أعلق على هذه الصورة وأتركها لحصافة القاريء ... ليتأمل هل فعلا هذه الوعود والمعاملة الخاصة لشخص الدكتور يمكن أن تتحول إلى "واقع مختلف" أم أنها مجرد مجاملات وتكتيكات سياسية وإغراء له بالإستمرار في تمرير مطالب التأجيل والتعطيل ..!

أسوق هنا نكتة واحدة ... فقد كنت في مجلس فيه الدكتور وأحد الرفاق الكبار وكان هنالك نقاش جاد ومحترم بين الرجلين ونحن نراقب من على بعد ... وجواري أحد الناشطين فقلت له ... هل تعتقد أن للدكتور غازي مقدرة على الوساطة بين الحكومة واليسار السوداني؟! قال لي ... سيبك من الكلام دا؟! نحن عارفين أنو دكتور غازي استلم وردية المعارضة من الترابي..!

الأمر بالنسبة لهذا الناشط وربما كثيرون غيره ... أن الإسلاميين كلهم واحد ... لا يوجد شيء اسمه إسلاميين ديموقراطيين وشموليين ... كلهم رجعيين وسلطويين يقسمون الادوار بينهم وأن كل نضال المؤتمر الشعبي معهم مجرد خديعة ... مجرد وردية انتهت واستلمها غازي من الترابي ..!

لا حقا نتحدث عن النوايا الحميدة لمنبر السلام العادل ..!

..................
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.