بالتاكيد مصر لديها آلة إعلامية جبارة، وقد أثبتت الأحداث أنها ما زالت بخير، وتستطيع وسائل الإعلام فيها تعبئة الشارع والرأي العام المصري إلى حد الغليان والتوتر بمجرد ذكر اسم دولة ما، وهذه النعمة قد تصبح نقمة إذا أسيء توظيفها، لأن الرأي العام المصري إذا توحد تجاه أمر وارتقي بالنسبة له إلى درجة الأمن القومي والتاريخي ومكانة مصر وتاريخها فإنه من العسير جدا تفكيكه بعد ذلك، ويصبح مجرد التفاوض من "المحرمات الوطنية" التي تؤثر على شعبية ومكانة من "يهوب ناحيتها". 
العالم العربي والإسلامي، والقارة الأفريقية، والمحيط الجغرافي القريب من مصر وهو الشرق الأوسط والبحر المتوسط، والمحيط الدولي الكبير ... كل هذه الدوائر فيها متغيرات شبه يومية، ويمكننا القول أن خارطة التحالفات الدولية والإقليمية تتغير يوميا، على سبيل المثال الحديث عن أمريكا بوصفها عدو ومتآمر والصانع الأول للفوضى الخلاقة والداعم الأول للإرهاب صار حديثا يوميا في دول كانت متحالفة سياسيا مع واشنطون، بل تم بناء ما يوجد فيها من القدرات العسكرية والإستخبارية والتكنولوجية والعلاقات الإقتصادية في سياق التحالف مع أمريكا، وهذا أمر يعيق الخروج الكامل أو فض التحالف بينها وواشنطون ولو علا صوتها حاليا، بينما تتميز بعض الدول بتنويع مصادر التسليح وأخرى تتميز بتنويع العلاقات الإقتصادية أو خروجها بالكامل من العبائة الأمريكية.

هذا يؤكد أن النفس المعادي لأمريكا في بعض الدول سيكون قصيرا وفي بعضها سيكون طويلا ... وبدون تسمية هذه أو تلك، فإن الحديث بالصوت العالي عن فض التحالف العربي مع أمريكا يبدو واردا ولكن من المزعج حقا أن تبدأ مصر مشوار لتجد نفسها وحيدة في نهايته أو لديها حلفاء "تم شيطنتهم إعلاميا" مما يعقد التعامل معهم سياسيا.

عموما في العلاقات الخارجية يستحسن ألا "يشيطن" الإعلام صور دول بعينها ويطفى على أخرى "مسحة ملائكية"وصداقة دائمة، ليكتشف بعد فترة أن عليه تعديل هذه الصور، وهيهات.
العودة المصرية القوية لأفريقيا جائت بعد "إجازة سياسية" ولا أقول غياب، لأن مصر - إقتصاديا - كانت وما زالت من الدول الأكثر استفادة من الكوميسا لأنها دولة صناعية وبقية الدول معظمها "أسواق مستهلكة"، ولكن الكوميسا الآن تترنح بسبب وجود كتل وإتفاقيات أخرى ومنها ساداك وشرق أفريقيا والتعاون الإثيوبي الجيبوتي الذي كاد أن يصل إلى مرحلة التكامل والمنطقة التفضيلية الأمر الذي يغري بقية دول الإيقاد على الإقتداء بالدولتين في تأسيس كتلة القرن الأفريقي.

لا أريد إستباق مؤتمر إقتصادي هام للغاية يجمع بين هذه الكتل الإقتصادية في مصر، ولكنني أعود وأردد، ليس من مصلحة مصر وهي تخطو وفق منهج جديد في إكتساب صداقات وتعزيز علاقاتها مع الإقتصاديات الأفريقية الناهضة وإعادة رسم خارطة التحالفات الدولية، أن يجنح الإعلام الرسمي أو الخاص لتعبئة الرأي العام بطريقة يصعب بعدها إقناع المواطن المصري أنه اكتشف لاحقا أن هذه الدولة أو تلك لم تكن سيئة النوايا وأنها يمكن أن تكون من اعز أصدقاء مصر.
......................
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.