.....................

السيسي مريح للأعصاب، رجل هاديء ووقور، ولا أقول هذا الحديث غزلا أو "بكش" كما يقول إخواننا المصريون، هذا إحساس حقيقي من وحي جلسة طالت قرابة الساعة ونصفها ضمن قرابة ثلاثين قياديا إعلاميا أفريقيا لم يبخلوا عليه بالأسئلة الصعبة حول تقارير المنظمات "المسماة دولية" فيما يتعلق بحقوق الإنسان وحرية التعبير في مصر، وحول المعتقلين والمحكومين وضرورة المصالحة مع الإخوان. لم تكن أسئلتهم "طبطبة" أو "تمليس" كما نقول في السودان ولم يكونوا محتاجين لهذا لأنهم قيادات حقيقية ومؤثرة في بلادها، وهذا يقودنا إلى أن معايير الإختيار للزوار كانت عالية و لم تكن مجاملات أو علاقات عامة.

الرئيس المشير عبد الفتاح السيسي أسهب في الحديث واجتهد في الإستجابة لكل الفرص، وتقريبا نجح في ذلك على مستوى الأقاليم الثلاثة المشاركة في الزيارة وهي شرق ووسط وجنوب أفريقيا، وخصص سؤالا للوفد الإثيوبي الذي شارك بثلاث شخصيات قوية ومؤثرة وهو الوفد الأكبر وسط المجموعة، حيث خصصت لبعض الدول فرصتين أو فرصة واحدة فقط في الحضور.

بالتأكيد كان السؤال الإثيوبي عن السد ... كان السؤال معروفا وكانت الإجابة معروفة ولكن الفارق كانت نبرة السيسي الهادئة وأسلوبه الراقي الجاذب، وتدشينه لفكرة جديدة ومتجددة وهي تحويل النيل إلى مجرى ملاحى، يربط دول حوض النيل من بحيرة تانا والبحيرات الجنوبية إلى البحر الأبيض المتوسط في مصر.

أراد السيسي أيضا توصيل رسائل للإعلام وللقوى السياسية المصرية والإقليمية حول التفريق بين الهموم الوطنية وضرورة النقد أوالمعارضة، لقد كان الرجل متفهما للنقد ولكنه ضرب أمثلة عامة وخاصة وحرص على أن تكون الأمثلة من مصر حتى لا تثير حساسية الأفارقة أو الدول الأخرى وحتى عندما خرج من مصر أشار إلينا وقال ممكن نضرب أمثلة من السودان لأنه الأقرب منا "إخوانا في السودان ما بزعلوش مننا"!

قال ... يمكن للصحفي أن يصور العشوائيات ويبرز حالتها السيئة ولكنه ينبغي أن يوضح الصورة الكاملة ويجيب على السؤال هل هنالك جهود حكومية لحل هذا الأمر أم لا؟! وما هي هذه الجهود؟! وهل هنالك قصور؟! وما هي أوجهه؟! باختصار ... "هل نحن مقصرين لأننا مش عايزين ولا لأننا مش قادرين وبنتحرك على قدر ما نستطيع"؟!

في السودان ضرب مثالا لما حدث في أزمة سبتمبر 2013 عندما اتخذت الحكومة قرارات برفع الدعم عن الوقود، وعارضت بعض الأحزاب وبعض وسائل الإعلام، هل كان موقفها سليما أم خطأ؟! عليهم يسألوا أنفسهم .. "إذا كنت تريد مصلحة البلد فالمصلحة كانت تستلزم إصلاحات إقتصادية"!

تفسيري لهذا الأمر أن السيسي لديه رؤية إقتصادية ناضجة لبلاده وبالتأكيد هذه الرؤية فيها قرارات تم إتخاذها وقرارات قادمة، وأن ذات التحديات التي واجهت البشير والحكومة السودانية أو غيرها في الاقليم ستواجهه، فمن الضروري النظر والتأمل للتجربة السودانية و غيرها، ومن الضروري أن يكون هنالك مستوى موحد من الوعي للتعامل مع ذات التحديات، ومن الخطير للغاية أن تستغل أي دولة أحداثا داخلية في دول أخرى ... خلافا لما يتوهم البعض أنه بسبب بعض الخلافات يجب أن تكون الحكومة المصرية أقرب للمعارضة السودانية، هؤلاء لا بد أن يعرفون أن الحكومتين يواجهان ظروفا تلزمهما بالإقتراب من بعضهما أكثر و أكثر.

البشير والسيسي يعرفان هذا جيدا ويعرفان أن التحديات الإقتصادية تجعل المهمة صعبة حتى مع التوافق والشراكة فكيف تكون مع التباعد والإختلاف؟! ستكون مستحيلة بالتأكيد، على الأخرين "هنا وهناك" أن يرتقوا الى هذا المستوى من الوعي بأعجل ما تيسر.

ما يحدث بين القيادات في السودان ومصر ليس"شهر عسل" أو موسم مؤقت، لأن الإحتياج لهذا التعاون ليس لفترة مؤقتة أو لتعدية مرحلة ... أبدا ... هذا التعاون مصيري، ولو كانت هنالك خلافات سيجلس الطرفان وسيقومان بتوحيد الرؤي، دون تغليب مصلحة طرف ودون الإضرار بطرف و دون أنصات للمتشنجين و المشككين.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

///////////