حسب علمي، لا يوجد دين فيه نظام ضمان إجتماعي عادل ومفصل ومنضبط بقواعد وفتاوي وفقه غير الإسلام. الديانات الأخرى فيها توجيهات عامة على الإنفاق والصدقة، وأخرى فيها مؤسسات دينية مفروزة عن كل طبقات المجتمع تقوم بإصدار قرارات بتخصيص أوقاف أو نسب محددة من الدخل للمؤسسات ذاتها والتي يجب أن تنفقها على الفقراء والمساكين وقبلهم طبعا تغطية نفقات المؤسسات ورجال الدين، و التاريخ يجعل من الثورة الفرنسية علامة فارقة بين هذا المنهج الذي انهار و فتح الباب للنظم العلمانية الحديثة.
في الإسلام توازن مذهل ما بين سياسة التحرير الإقتصادي والضمان الإجتماعي، فـ "المسعر هو الله" وفي ذلك تحرير شامل وكامل للتجارة وأسعار السلع والخدمات، مع بعض القيود على الإحتكار خاصة في الأقوات والضروريات. لكن بالمقابل هنالك الزكاة التي تؤخذ من أموال الأغنياء و ترد على الفقراء كما ترد على المجتمع والأمة بصورة عامة عبر بقية المصارف.
كان لقائا تفاكريا تنويريا ناجحا بامتياز واستمعنا فيه إلى الأمين العام لديوان الزكاة الأستاذ محمد عبدالرازق مختار وهو يقدم استعراضا شاملا لأهداف و محاور المؤتمر الدولي الثالث للزكاة، ولكنني تمنيت أن تخصص ورقة في المؤتمر لدراسة مقارنة بين الزكاة ونظام الضمان الإجتماعي العلماني، وفي تقديري أن هنالك ثلاث نقاط جوهرية في هذه المقارنة:
1-   الزكاة إلتزام ديني وقانوني، بمعنى أنها نابعة من القناعات ومن قلب المجتمع بل ومن قلب دافع الزكاة، بينما الضمان الإجتماعي والخصومات المالية الجبرية التي تؤسس لصالحه على الدخول الفردية والجماعية والميزانيات العامة إلتزام قانوني فقط، يمكن أن يؤسس على قناعات إجتماعية أو آيدولوجية أو يمكن ان يكون قانون أغلبية ميكانيكية في البرلمان وتنتهي القصة بذلك.
2-  الزكاة تجعل من العمل شعيرة دينية وعبادة، وذلك لأنها عبادة مالية، فالذي يعمل يمتلك المال ويخرج زكاته، فيكون عابدا لله بماله ودينه مكتمل الأركان. ولذلك إذا كانت الزكاة ركنا فإسلام المرء لا يكتمل إلا بالعمل. وهنا تختلف مع الضمان الإجتماعي الذي يساوي بين الدافع والمتلقي، ولكن الإسلام لا يساوي، وهذا ليس من باب إضطهاد الأغنياء للفقراء، بل من التحريض على الكسب المشروع ومنح المجتهد ميزة "اليد العليا خير من اليد السفلى".
3-  في دفع الزكاة معنى التطهير أما في سداد الضمان الإجتماعي لا يوجد هذا المعنى، والتطهير فيه إقرار بوجود خبث في المال لا يزول إلا بالزكاة، وفيه إقرار بالذنب والعصيان وضرورة التوبة لله، وهذا تأديب للمجتمع وتزكية له قبل أن يكون تحويلا للمال من ذمة إلى ذمة بموجب قانون وضعي. 
.............................
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.