أولا اقدم اعتذاري لكل الأجيال اللاحقة التي ستقرأ تاريخ السودان الحديث ، والتي ستمر ضمن دفتر الذكريات بهذا اليوم الأول من يناير من العام 2014م . ولا أدري الى أي حد اصبنا بالنفاق الشخصي حتى مع انفسنا ، ولا أدري يحاول حتى مجرد المحاولة احدنا ان يحتفل بأعياد استقلال السودان من يد المستعمر الإنجليزي ، ولا ادري كيف استطاعت حكومة المؤتمر الوطني ان تحشد هذه الجموع للاحتفال باستقلال السودان ، وكيف بنا نردد هذا النشيد الرائع
اليوم نرفع راية استقلالنا
ويسطر التاريخ مولد شعبنا
يا اخوتي غنوا لنا
أول اعتذار اقدمه للشاعر الدكتور عبد الواحد عبد الله يوسف والذي ألف القصيدة التاريخية ، في العام 1959م ، والتي كانت ضمن المشاركات الأدبية لاتحاد طلاب جامعة الخرطوم للاحتفال بأعياد الاستقلال  في غرة 1960م والتي فازت وغناها كورال الجامعة آنذاك ومن بعدها لحنها الأستاذ المرحوم / محمد وردي .
كيف نردد هذا النشيد وقد نكس علم السودان في حلايب وشلاتين ، واستبدل بعلم دولة أخرى ، يا ما رددنا لها القصائد والاناشيد وقلنا .
مصر يا أخت بلادي يا شقيقة
يا رياضا عذبة النبت وريقة
مصر يا أم جمال .. أم صابر
ملء روحي أنت يا أخت بلادي
سوف نجتث من الوادي الاعـادي

فماذا نقول لشاعر الأولى والثانية ، ونحن نحتفل بأعياد الاستقلال المجيد ، وماذا نقول لأهل حلايب ونحن قد فرطنا في ارضهم ونتراقص ونتمايل طربا بالاستقلال ، فهل هذا الاستقلال يشملهم ويضمهم ، وماذا يفعلون هم ؟ هل يحتفلون معنا ، باستقلال بلادهم التي كانت بلادهم السودان ، وهل سيرفعون راية الاستقلال وعلم مصر التي كانت بالأمس اخت بلادهم الشقيقة ، وهي اليوم المستعمرة لبلادهم ، ليست الشقيقة التي يجدها من يجدها في الضيق .
كيف نردد نشيد اليوم نرفع راية استقلالنا ، وسوداننا الحبيب قد فقد كامل جنوبه وتغيرت خارطة السودان الاجتماعية والاقتصادية ، وتغير اسم السودان ( بلد المليون ميل مربع ) ، ولتتغير إجابة سؤال ما هو اكبر بلد عربي من حيث المساحة ، ليحل محل السودان اسم آخر ودولة أخرى ، وليفقد السودان جوبا الصمود ، وفاكهة الباباي ونسمات بانتيو واسماك جونقلي ، وليفقد ابن الجنوب الذي تربى اباه وامه بالخرطوم ليفقد بلده السودان ، وليرفع في جوبا علما غير علم السودان ، وان حمل اسم دولة جنوب السودان .
كيف نردد اليوم نرفع راية استقلالنا ، وغربنا الحبيب ، يعيش الحرب والاقتتال والدمار ، ويعاني من قلة الامن ان لم يكن انعدامه ، ويعاني اهله الفقر والجوع والمرض ، وكيف نردد انشودة يا غريب امشي لي بلدك ، ودارفور يملؤها الغرباء ، وليتهم غرباء وضيوف يخرجون بإرادة المضيف ، ولكنهم الغرباء الذين يملون على اهل السودان قراراتهم ، ويشاركون في حل النزاعات القبلية ، كيف نردد انشودة يا غريب امشي لي بلدك وخرطوم اللاءات الثلاثة ، يغزوها الغرباء ويسكنون ديارها وريفها وحضرها ، ويروعون سكينتها . بسياراتهم وبعاداتهم الدخيلة .
كيف نردد اغنية يا غريب امشي لي بلدك ، وشيل معاك عددك ، وهذا الغريب هو من انشا خزان سنار ، وهو من شق قنوات الري بمشروع الجزيرة ، وهو من أسس مشروع الجزيرة ، ، وانشا السكة حديد ، رغم اختلاف الغرض ، وترك لنا هذه المشاريع ، ننتفع من خيراتها ونقطف من ثمارها ، وماذا حدث ونحن نردد هذه الأناشيد  ؟ ماذا حدث لهذه المشاريع  من دمار وخراب ، ماذا أصاب مشروع الجزيرة وانسان مشروع الجزيرة ، كيف يستطيع انسان الجزيرة ان يرفع راية الاستقلال ويردد اهازيج الاستقلال ، ومشروع الاستعمار الذي كفاه ويلات الحياة قد دمره الاستقلال ؟ كيف لعامل السكة حديد ان يردد أهازيج وأناشيد الاستقلال ويا غريب امشي لي بلدك ، وهو الذي اصبح غريبا داخل بلده ودياره ووسط عشيرته ؟ كيف بطالب جامعة الخرطوم وغيرها من الجامعات القديمة الاحتفال بأعياد الاستقلال ، ومباني وأراضي الجامعة التي شهدت الاحتفال بهذا الحدث تلعن من يطأها من جيل اليوم . وان مباني القصر الجمهوري التي رفع فيها هذا العلم لمرات ومرات ، لتنظر اليكم بالاحتقار وتصفكم بالوضاعة وقلة الحيلة .
ان ما نمارسه من نفاق وكذب وخداع لأنفسنا ، بما نسميه الاحتفال بأعياد الاستقلال لهو وصمة عار نضعها على جبيننا للأجيال القادمة ، وان ما يصرف من جنيه واحد على أعياد الاستقلال لهو اكبر من السرقة المباشرة لأموال هذا الشعب المغلوب على أمره ، وكان الأجدى بحكومة المؤتمر الوطني ، ان تنكس علم بلادها في هذا اليوم اعترافا بالمشاكل التي يمر بها السودان ، والاعتراف بالمشكلة يولد الحلول لها ، لأنه من المبكي المحزن ان نحتفل بأعياد الاستقلال في الخرطوم وكثير من مدن وأرياف السودان قد رفعت عليها اعلام أخرى ، وكما الغت حكومة المؤتمر الوطني الاحتفال بأعياد ثورة الإنقاذ الوطني عليها الوقوف والاعتذار ولو لمرة وتضامنا مع من لم يستطع رفع علم السودان في هذا اليوم ولو في ربع كيلو متر من ربوع بلادنا الحبيبة . وتضامنا مع من قدم التضحيات للوصول الى هذا الاستقلال ورفع العلم في ذلك اليوم .

فتح الرحمن عبد الباقي
مكة المكرمة
5/1/2014م
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

/////////