انفصل جنوب السودان ، عن شماله ، وكان اكبر وصمة عار ودليل فشل لحكومة الإنقاذ ، وباعتراف اهل الإنقاذ أنفسهم ، فبعد انفصال الجنوب ، أهدرت 70% من إيرادات نفط دولة السودان ، وبانفصال الجنوب لم تتوقف الحروب التي كانت دائرة في وقت الوحدة لإرغام الجنوبيين الذين يحاربون حكومة المركز ومن قبل عهد الإنقاذ ، وكانت معارك هجليج وغيرها من المعارك الأخرى . وبانفصال السودان لم يتوقف نزيف الدم السوداني ، ولم تتوقف أنات الثكالى والأرامل ، ولم يهنأ اخوتنا في دارفور وكردفان بالأمان .
بانفصال الجنوب ، قويت شوكة المعارضة المسلحة من الحركات الدارفورية ، وقويت شوكة الجبهة الثورية ، والجيش الشعبي لتحرير السودان ـ قطاع الشمال ، فلم تنكر جوبا دعمها لهذه الحركات المتمردة على حكومة السودان ، ونسبة للموقع الجغرافي لدولة جنوب السودان ، ومعرفة الحركات المسلحة بجغرافيا وتضاريس المنطقة بشكل ممتاز ، فقد قدمت دولة جنوب السودان ، غطاء وبيئة ناجحة عزز من قوة هذه الحركات المتمردة . وبعد الانفصال انتقلت المعارك الى أراضي ما كنا نتوقع بإدارة الصراع فيها ، فكانت كادوقلي وأبو كرشولا ، ولم تهدا الأحوال بنيالا ولا الفاشر ، وسقطت كاودا في يد الجبهة الثورية وعجزت حكومة السودان من استردادها لفترة طويلة جداً .
هذا ما يخص جزء من تأثير الانفصال على دولة السودان ، أما دولة جنوب السودان ، فقد عانت الكثير والكثير جدا ، فهي الدولة الوليدة الحديثة ، والتي تحتاج الى التدريب في جميع هياكلها ، ولكنها وللأسف فقد ارتمت منذ الأيام الأولى في حضن الغرب وإسرائيل ، ولم تقدم حتى شهادة تقدير لحكومة السودان التي سلمتها ، دولة جاهزة وقدمت لها تدريبا مجانيا ضمن بنود نيفاشا ، ولكن رغما عن ذلك فقد عاني الشعب الجنوبي ويلات الفقر والجوع والمرض ، وعدم الاستفادة من موارد هذه الدولة ، وحاول بعضهم الرجوع الى دولة السودان ، ولكن كان نصيبه الحرق والموت .
تأكد لجل المثقفين ، من شعبي السودان ، وجنوب السودان عدم جدوى انفصال دولة جنوب السودان عن دولة السودان ، وتأكد للجميع ان الشعبين قد زادت معاناتهم ، وان الشعبين لم يزدادا الا فقرا وجوعا ومرضا ، وان نعمة النفط المتدفق في الدولتين لم تؤتي اكلها ، فلا افاد دولة السودان ولا جنوبها .
نتيجة لما تقدم ، اصبح جل الحادبين على مصلحة هذا البلد ، يعملون وبكل جهد ، لزرع بذور المحبة ، وإعادة الثقة في نفوس إخواننا الجنوبيين ، للعودة الى دائرة الوحدة بعد الانفصال ، وللقيام بهذا العمل لا بد من العمل الشعبي والطوعي قبل السياسي ، وإرساء مبادئ المحبة في نفوس المواطنين قبل السياسيين ، وليكون للجمعيات الطوعية ومنظمات المجتمع المدني الدور الكبير في ذلك ، فماذا قدم مجمع اللغة العربية لدولة الجنوب ، وماذا قدم مجلس الإفتاء السوداني الذي شغل نفسه بقضايا الحيض والنكاح ، أكثر من قضايا الدين المفصلية ، والمنظمات الإسلامية المختلفة لهذه الدولة الشقيقة ، وماذا قدمت وزارة الثقافة لهذه الدولة الشقيقة ؟
في ظل أوضاع دولة جنوب السودان التي تعيشها هذه الأيام ، من انشقاق واحتراب ، قامت دولة السودان وشعبها بدور المتفرج على الاحداث ، ومسك العصا من المنتصف ، فالأمور لم تتضح بعد ، ولم يتضح بعد من المنتصر ، لتقوم بمناصرته بعد انجلاء المعركة ، ولكن بالإمكان الاستفادة من هذه الظروف الحالكة والتي يمر بها إخواننا الجنوبيون ، فلم نسمع بمبادرة من حكومة دولة السودان لحل النزاع ، ولم نرَ نشاطا يذكر لسفير دولة السودان لدى جنوب السودان ، ولا طرح أي مبادرة لرأب الصدع ، ولو مبادرة تستطيع ان تمسك فيها بالعصا من المنتصف والوقوف بجانب الخصمين ، وذلك بتولي الجانب الإنساني ، والدعوة لعدم الاقتتال ،  فلو مرت هذه الظروف دون ان يستفيد منها السودان ، سواء بتقوية أواصر العلاقات السياسية بين الدولتين ، ناهيك عن ارغام دولة جنوب السودان للوحدة ، فلو مرت هذه الازمة دون ان يستفاد منها في ذلك ، فستعتبر إضافة الى رصيد الفشل الدبلوماسي لحكومة المؤتمر الوطني .
، هذا من الناحية السياسية أما من الناحية الإنسانية ، فلا بد من السماح للإخوة الجنوبيين الفارين من جحيم الحرب المشتعلة في الجنوب وإقامة معسكرات لهم وتقديم يد العون والمساعدة لهم حتى تنجلي هذه الازمة ، فهم اخوتنا في الدين والوطن ، وهم نواة الوحدة القادمة بإذن الله ان احسننا الظن في ربنا ، وعاملناهم بالحسنى .
الوزيرة السابقة الأستاذة سناء حمد العوض ، وبعد أن خفت صوتها وارتحنا قليلا من تصريحاتها النارية ، طالعتنا الان بتصريحات ( نشرت في مواقع التواصل الاجتماعي )  تطالب فيها ، بإغلاق الحدود في وجه إخواننا الجنوبيين ، وانشاء معابر فقط ، هذه الأستاذة قد صرحت عقب الانفصال بتصريح تقول فيه ( ان نسبة الإسلام قد أصبحت في السودان 99% ) فجاءتنا اليوم لتطالب بإغلاق الحدود امام اخوة الامس ، واليوم والغد ، وهم في اصعب الظروف .
في السابق وفي دفاعها عن انفصال الجنوب ، وهي تذكر المحاسن بان نسبة المسلمين في دولة السودان ، أصبحت ( 99 % ) وهو اعتراف بتقصير الشماليين بالتأثير في دخول اخوتنا الجنوبيين في الإسلام ، ولكن وبعد ان أصبحت نسبة الإسلام في السودان  ( 99 % ) ماذا حدث ؟ فهل توقف الفساد في دولة السودان ؟ وهل تم تطبيق الشريعة الإسلامية في السودان ؟ وهل توقف التعامل بالربا في بنوك ومؤسسات الدولة المالية ؟ أم ماذا حدث ؟
الأستاذة سناء ان اخوتنا بالجنوب يعانون ويلات الحرب والتشرد والفقر ، وأتمنى الا نعاني ما يعانون وأتمنى الا نمر بما يمرون به من مآسي وآلام ، فقد عانوا كثيراً ، وهم جزء من دولة السودان ، وهاهم اليوم يعانون أكثر بعد الانفصال ، وعلينا الا نعفي انفسنا من المسئولية ، وان تعمل حكومة المؤتمر الوطني جاهدة ، لتعديل هذه العثرة ، بعودة الجنوب السودان الى السودان .
فتح الرحمن عبد الباقي
مكة المكرمة
29/12/2013م

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.