اصل الحكاية

 

سئل الفنان اللبناني الكبير مارسيل خليفة في حوار مع مجلة الطريق اللبنانية(إلى أيّ مدى تشاكس ذاكرتك وجمهورك اليوم؟ وإلى أيّ مدى يتقاطع ما تواجهه اليوم وما واجهه ذات يوم محمود درويش مع جمهوره؛ جمهور “سجِّل أنا عربي” الذي يشبه جمهور “يا بحريّة” و”صرخة ثائر”؟ صراعك مع جمهورك الذي تحاول أن تدلّه على الجديد يشابه صراعاً بين الحبيب وحبيبته، وبين العاشق ومعشوقته ؟

فأجاب مارسيل خليفة بقوله: إنّه صراع يومي؛ معترك أخوضه بجرأةٍ وحرّية. يهمّني تصفيق الجمهور لكنّني لا أعوّل عليه .

وجاء السؤال الثاني: أنتَ تقسو على جمهورك.

فأجاب مارسيل: عندما يصفّق الجمهور بشدّة أتراجع قليلاً، وأخفض صوت الموسيقى التي نؤدّيها، وقد أتوقّف عن العزف برهةً. لا يهمّني أن أحظى بتقدير الجميع، لا يهمّني الإجماع. الاختلاف ضروري ويشكّل حاجةً ملحّة. ثمّة مَن لا يتقبّل الجديد ويريد أن تقف مسيرتي عند “جدل” على سبيل المثال) انتهي ماقاله الفنان مارسيل خليفة ، وهو حديث واضح ومباشر يعكس فكر الفنان الحقيقي صاحب القضية والرسالة ، ويعكس ثقافته ايمانه بمايقدم وبحثه الدائم عن الافضل ، ولايفرق معه كما قال ان يجد الجديد الذي يقدم الاجماع والتقدير او لا ، فالاصل عنده ايمانه بمايغني وليس بمايرغب فيه الآخر ، والآخر هنا هو جمهور الفنان الرائع مارسيل خليفة، او الجمهور المتابع بصفة عامة  لمايغنيه الرجل وبالتالي له راي  وتقييم للاغنيات التي يتغني بها كمايفعل جمهوره ، وهو امر يحدث لكل الفنانين ان لاتجد اعمالهم الاجماع من المتلقي .

اذا نقلنا المشهد من مارسيل خليفة الي فنان اسمه طه سليمان ، صاحب التصريحات والتقليعات الغريبة او فلنقل التي يعتبرها تمييزا لشخصيته الفنية ، سنجد علي راس قائمة اهتماماته (طلبات) الجمهور ، وهو من المؤمنين والمنفذين لمقولة ( الجمهور عايز كده) ووصل به الامر مع آخرين للاجتهاد في جعل الامر قاعدة يستند عليها ( بالهبوط الي المستوي الادني من الذوق العام وليس الارتقاء بهذا الذوق من خلال الكلمة واللحن والاداء الصوتي والموسيقي) ، هذا الفنان (طه) نموذج لهذا الواقع الذي يضم مجموعة اخري من الفنانين والشعراء ، من الذين يطلون علينا بين وقت وآخر باغنيات (سمك.. لبن .. تمر هندي) ، فالجهور ومايطلبه الجمهور يمثل عندهم الهدف الاول ، و(طه) في تقديري بلاهوية فنية واضحة، بمعني آخر تجده في منبر باغنيات جادة وفي منابر اخري باغنيات تلبي طلبات الجمهور ، وفي منبر ثالث او اول يخلط بين هذا وذاك ، ويدافع عنه بطريقة تثير الاستغراب وتجعلك تتساءل هل يعني هذا الفنان مايقول ؟ فهو مثلا يقطع بان هناك مفردات موجودة يجب الا يتم تجاوزها ، افهم الا يتم تجاوزها ولكن لا افهم ان يتم الترويج لها ، وهنا يظهر وعي الفنان بمايقدم . اعلم ان المقارنة معدومة بين مارسيل والفنان طه ، ومقتطفات من حوار مارسيل مع مجلة الطريق تؤكد ذلك، واعلم ان مجرد وضع الرجلين في هذه الرؤية التحليلية لمفهومين قد يستفز البعض ، ولكن كان لابد من الوقوف عند مفهوم الجمهور هنا وهناك وهل هو الذي يقود الفنان ام ان الفنان يقود نفسه؟  ويبقي مارسيل خليفة الفنان الذي سيخلده التاريخ.
 

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.>