*أساطير صغيرة





يحكى أن في النصف الثاني من الثمانينيات كان الشباب (الديمقراطي) ينتظر بلهفة كبيرة العدد الأسبوعي للملف الثقافي بصحيفة "التلغراف"، وكان نجم ذلك الملف بلا منازع الكاتب (الشاب) حينها والصحفي الجديد، والمثقف المستنير صاحب الإشراقات في التغطية الثقافية والنقد الثقافي – الفني، رشيق المفردة، المتحمس اندفاعا بهدف زعزعة (الساكن) وتفكيك القديم وضخ الحداثي؛ المحرر القادم من "كردفان" محمد الأسباط.. ذلك زمن بعيد لم يحضره الكثيرون من أبناء هذه (الربع قرنية) من عمر السودان؛ لكن تظل دار الوثائق بكل تأكيد شاهدة على ذلك الوقت الأسباطي – الديمقراطي – الثقافي – الصحافي - النهضوي بامتياز.. وإن وصمه الآخرون بخلاف ذلك.

قال الراوي: في أواخر التسعينيات، ربما، أو بداية الألفية، والزمن طشاش، والحياة تسكع بين شوارع وسط الخرطوم وكافتيريا ميدان أبو جنزير ونخلة أتنيه، عرفني (الوقت) بالصديق والأستاذ أحمد يونس "مكنات"، وكان يعمل وقتها بصحيفة الأنباء الحكومية، وكان يحس بلا شك بدوامات الإحباط التي تحاصرني/ا.. يزورنا لماما في أبو جنزير، يقرأ نصوصنا القصيرة، ينشر بعضها في الملف الثقافي الذي كان يشرف عليه، ويطلب مني شخصيا أن أمده ببعض المواد "حوار مثلا".. حين أذكر هذا الآن الآن، أعي جيدا أن الدافع الأساسي لـ"مكنات" كان محاولات لطيفة وذكية منه لكي نظل في ذات موقع "التثاقف" والإنتاج الأدبي وألا نستسلم لذلك الواقع المتحول غير الثابت المدمر.. في مكتبه؛ استضافني مرات ولأسباب أفهمها الآن فقط كان يخرج متعللا بأي شيء ويتركني وحيدا بعد أن يشرع أمامي صفحات الإنترنت الذي كان وقتها شيئا عزيزا ونادرا لمن هم في تسكعنا وشوارع إحباطنا.. ومنه – أحمد يونس "مكنات" – تعلمت بلطف أيضا كيفية اشتغال الحوار الثقافي، الطرائق التي بها تستنطق كتب كاتب وإنتاجه الأدبي ولا تقف عند حدود التقليدي والمستعاد من أسئلة، وكل حوار أجريته بعد حواراتي المتاحة ذلك الأوان نهلت من ذلك المنبع "مكنات".. وكثير أشياء.

قال الراوي: تنقل الأسباط صحافيا داخل السودان وخارجه، وضع بصمته في أغلب الصحف السودانية المتحركة الآن، تتلمذ على يديه العشرات، تراهم حوله في كل مكان يحفونه بالمحبة ويبادلونه الاحترام بود وتقدير؛ بعيدا عن التكلف قريبا من الإخوة وبحر الصداقة. عملت معه (أنا) في ثلاث صحف ولمست بنفسي تلك الروح (المبدعة) التي يبثها هذا السبط المعلم في أوراق الصحيفة / الجريدة وفي جنباتها/ المكان وبين موظفيها وعمالها وصحفيها وفنييها.. هل طور الأسباط وجدد في أساليب الصحافة السودانية.. أسألوا "الأهرام اليوم" و"اليوم التالي" و"التلغراف" التي تعود إلى ثمانينيات القرن الماضي.

قال الراوي: هل هناك من الصحفيين الآن من له هذه القدرة التحريرية وبذات المستوى المبدع في كل الأقسام الصحفية مثل أحمد يونس؟ اشتغل في الثقافي فأبدع وأخرج للناس الناقد "مكنات" فجعلهم ينتظرون كل "أربعاء الرأي العام - الصحيفة" وهم يضربون أخماسهم في أسداسهم "أي كتاب يتناولنه مكنات اليوم، وأي نقد مؤسس وممنهج تهبنا له كتابته هذا النهار"، أسس مع صديقه (وجدي الكردي) "حكايات" فكانت فكرة مجنونة في الصحافة الاجتماعية الخفيفة التي مزجت بذكاء الفني بالثقافي في ربط لغوي بديع يأخذ من البساطة والجزالة مزيجا ويقدمه لقارئها النوعي.. تنقل بعدها أو قل عاد للسياسة فشغل المتابعين بتقاريره الناجزة في "الشرق الأوسط" وعلى صفحات الميديا.. الكلام كثير والأستاذان الصديقان "أسباط ومكنات" سيرتهما ومحبتهما أكبر من هذا المجال (المقال).

ختم الراوي؛ قال: هذا المقال في مقام المحبة، ليس أكثر.

استدرك الراوي؛ قال: وفي مقام استحقاق الحق أيضا.

*زاوية يومية بصحيفة (اليوم التالي)


منصور الصُويّم
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
/////////