*أساطير صغيرة

يحكى أنّ من ضمن الأخبار الكثيرة التي صاحبت موسم الحج هذا العام ووجدت رواجا كبيرا في الصحافة السعودية ومواقع التواصل الاجتماعي، خبر يتحدث عن ضبط نشالتين سودانيتين تقومان بسرقة ونشل الحجيج في المشاعر المقدسة، وقد ضبط بحوزتهما العديد من المسروقات التي تتمثل في المجوهرات، والهواتف النقالة والساعات، وبالطبع الريالات السعودية وبضع من العملات الأخرى التي لا أعتقد أن من بينها الجنيه السوداني الحزين.
قال الراوي: الخبر الذي قد يبدو عاديا لو جاء في سياق آخر، لطبيعة التجمع البشري الضخم الذي يلتقي أثناء أداء فريضة الحج، ما يولد بالتالي افتراض أن يضم هذا الحشد أصنافا مختلفة من البشر، قد يكون بينهم – رغم عظمة المناسبة – النشالون والسارقون ومروجو المخدرات (ألقي القبض على البعض منهم)، إضافة إلى من يأتي لأهداف ربما ليس لها أي علاقة بالنسك الديني، والقصد منها استغلال هذا التجمع لأغراض ربما تكون سياسية أو مذهبية أو خلافه.. المهم رغم ذلك وجد الخبر رواجا كبيرا على الإنترنت، وأفرد له (التويتريون) هاشتاقا كاملا بإصرار عجيب على أن جنسية النشالتين (سودانيتين).
قال الراوي: وقد يقول قائل إن الجريمة لا جنس ولا وطن لها، لكن في هذه الحادثة تم التركيز وبشكل ملفت على جنسية السارقتين، ولا نعرف إن كان الأمر مقصودا أم أنه جاء هكذا بالمصادفة نقلا عن محاضر الشرطة دون أي اجتهاد من ناقل الخبر! إلا أنه من ناحية (سودانية) يبدو ملفتا ويدعو إلى طرح عدد من الأسئلة لا تتعلق بـ"لا يشبه السودانيين وطبيعتهم وأخلاقهم ووو" من هذه السلسلة، فالنشل موجود في السودان والنشالات مثلهم مثل النشالين موجودات أيضا في السودان ومنذ أزمان قديمة، لكن الأمر يتعلق بهذه النقلة العجيبة للجريمة السودانية (النسوية)؛ وذلك بخروجها من حدود الوطن الضيقة وانحصارها داخل هذه الحدود نفسها في مساحات محصورة؛ إلى أن تصبح جريمة منظمة ودولية مهاجرة وإن تعلق الأمر بالنشل!
قال الراوي: فالحج لمن استطاع إليه سبيلا، وسبيله في السودان أصبح لدى فئات محددة من المجتمع، لاسيما بعد الانهيار الاقتصادي المريع الذي ضرب البلاد وأفقر الجميع، والحج بالنسبة للسودانيين كما لكل المسلمين رحلة توبة وخلاص ونفض للذنوب ونقطة انطلاق جديدة ترمي إلى طاعة الله واجتناب ما ينهي عنه، فإن يسافر شخص ما، ويكون امرأة، إلى الحج فهذا يعني أنها مقتدرة جدا، أما أن تذهب هذه المرأة إلى الحج بهدف النشل والسرقة بدلا عن عبادة الله، فالقضية (بالجد) تحتاج إلى وقفة متأنية للنظر من جديد في (قيمنا) ومآل أحوالنا.
استدرك الراوي؛ قال: رويدا رويدا تتلطخ السمعة السودانية خارج الوطن بما كان ينفى عنها في بورصة (السمعات).
استدرك الراوي؛ قال: الاقتصاد!

منصور الصُويّم
mansour em [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]