*أساطير صغيرة


يحكى أنّ القبائل السودانية أخذتها سنة من نوم عند غفلة زمانية سِمتها الضباب والطشاش.. القبائل السودانية حين شرعت أعينها من غفوتها الصغيرة وجدت أنها قد ازدادت قبيلة جديدة؛ مكتملة التكون والتفرع والامتداد، بـ(فخوذها) و(بطونها) و(خشوم بيوتها)، وبمشيخاتها وعمودياتها وشراتيها وقيل سلاطينها ومكوكها وملوكها.. قبيلة أفرادها لا يلقون بالاً لوطن أو لون أو لهجة أو ثقافة أو تعليم أو أي انتماءات أخرى - أياً كان مسماها - تُخرجهم من جلبابهم القبلي فولاذي التطريز.
قال الراوي: إن القبلية التي يظن البعض أنها انبثقت من العدم وأنها منبتة الأصل، تتمتع بعكس ما قيل وأشيع بأصل وفصل ونسب راسخ مكين ومبين. فالجد الكبير للقبيلة كما يقول نسابتها وشيوخها وكباراتها معروف ومشهور وله صولاته وجولاته في تاريخ البلاد؛ واسمه - يقول نسابة القبيلة – "الكرين"، لذا هم ينادون بالكريناب، أبناء الكرين الأكبر، الفولاذي الصلد.
قال الراوي: والكرين الجد حين تربع في زمن مضى على ساحة من ساحات المدينة القصية وبدأ بتفريخ أبنائه وأحفاده لم يكن يظن أنهم سينتشرون بهذه السرعة القياسية ويملأون البلاد طولاً وعرضاً، ويعيثون فيها كَرْيَنَةً وسمسمرة وتشويهاً وتسليخاً.. فبعد أن همد الكرين الجد الأكبر بفولاذه وسيخه وأدواته الساحلة والماحقة، وجه الأبناء بزعزعة أبناء القبائل الأخرى؛ فبدأوا في تلك الساحة الأولى - منبتهم ومغزّ كيعانهم - يبيعون الحديد الهامد والمتحرك والقصاصة، ويبتكرون من الأساليب ما أعجز أبناء القبائل الأخرى ودفعهم للانزواء والاندهاش ومن ثم الإفلاس والانمحاق.
قال الراوي: الكريناب؛ ولطبيعتهم الصلدة ولصلابة أفئدتهم وبرودة أحاسيسهم؛ تركوا جدهم الأكبر مرمياً ومنسياً في ساحته الأولى وهرولوا سباقاً نحو كل الساحات طولاً وعرضاً.. ابتكرواكسر الدقيق والسكر والسمن في ساحة المحصولات والمأكولات؛ ابتدعوا تغريبة الجوكية والطيران الممرحل في ساحة الشيكات والبنوك، فزجوا بالبسطاء والأرقاء إلى جوف السجون والمحابس.. أنتجواسوق العمارات الوهمية وبيوت السايفون المرمية وكيفية السمسرة في قطع أراضٍ ما زالت تقبع في أذهان مهندسي خرائط المدينة الجديدة المحلومة، زرعوا محاصيل الخيال التي تنبت وتحصد في أرض الوهم من جيب إلى جيب فبارت الأرض ومات الزراع.. اغتنوا وأثروا وتزاوجوا وتوالدوا والتفتوا قليلاً للفن والغناء والثقافة، فسادت أذواقهم الفاسدة وانتشرت أغنياتهم وأشعارهم المبتذلة.. ضحكوا كثيراً وهم يبعثرون كل شيء في فوضوية كرينابيَّة عارمة.. إنهم الكريناب.
ختم الراوي؛ قال: في خطوة مذلة ومهينة ومحبطة للقبائل الأخرى، صار بعض منتسبيها يتمسحون بقبيلة الكريناب، ويختلقون لهم نسباً ملتوياً يلصقهم بالجد الأكبر (كرين) أملاً في هَمَر طائر، أو شقة لندنية، أو برج يناطح السحاب، أو بأقل الأقل أنثى كرينابية لا تشيخ ولا تهرم ولا تفنى لذائذها أبداً.
استدرك الراوي؛ قال: يا للرداءة.. إنه زمن الكريناب.
*زاوية يومية بصحيفة (اليوم التالي)

منصور الصُويّم
mansour em [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]