*أساطير صغيرة


يحكي أنّ فنان انتيكات مرهف اللمسات، تخصص في مشغولات العاج والأبنوس ذاعت شهرته حتى صارت تأتيه (الطلبيات) من مختلف الأمكنة وتصله داخل ورشته الصغيرة بمنزله، فافتتح بعد تحسن الأحوال محل تحف وانتيكات في وسط الخرطوم وسماه تيمنا بالأفيال (سن الفيل) فصارت له شهرة واسم بعد اسم. وفي أحد أيام نجاح سن الفيل واتساع شهرته ونجم سعده، دخل إلى محله شاب طويل نحيل عريض الفكين والمنكبين، جال في المكان، اختار تمثال أبنوس، خاتم عاج، حقيبتين جلديتين، ثم توقف طويلا متأملا في وجه سن الفيل إلى أن سأله "خير في حاجة؟" فرد عريض المنفكين "برج الدلو، أنت من مواليد برج الدلو صاح؟".
قال الراوي: بحس التاجر وليس الفنان دخل سن الفيل في حوار طويل مع عريض المنفكين حول الأبراج والنجوم و(ناس الدلو) بالذات، واكتشف أن الرجل فلكي عالمي وعضو الجمعية الفلكية الأمريكية ووو. قال عريض المنفكين لسن الفيل "ممكن أوريك شغلك من شغل تلامذتك"، ودون انتظار كان يشير لتمثال أبنوسي نصفي لامرأة حالمة ويقول "ده شغلك" وإلى عصا عاج لامعة "لا"، إلى عقد مشكل من الأبنوس والعاج وله رأس رجل حكيم "العقد للتلميذ والرأس لك" وووو. الوجوم يرسم تمثال شمع على وجه سن الفيل إلى أن قال له "أنت فنان مش تاجر، ركز على إيدك شغلك بمشي".
قال الراوي: كشف عريض المنفكين أسرارا دقيقة تتعلق بخطيبة سن الفيل كان يظنها في بئر، حدثه عن طبائع غريبة تخصه كان يظنها سرية. قال له وهو يقلب آنية أبنوس على شكل سفينة "عارف أنه الترابي أشهر سوداني برج دلو؟". وأَضاف وهو يضم السفينة إلى مشترياته "برج الدلو الآن متجاذب بين كوكبي زحل وأورانوس، مرة فوق ومرة تحت، بتخجَّ خج".. استطرد وهو يخرج جواله الذي بدأ يرن "سبعة لعشرة أعوام كدا سيكون ناس الدلو ما بين الضيق والانفراج.. راقب الترابي و.. آلو نعم" كان يرد على موبايله ويبتعد قليلا.
قال الراوي: تهيأ سن الفيل لسماع متبقي الكلام لكن عريض المنفكين أغلق جواله وبدا منزعجا وهو يطالبه بالفاتورة ويقول "حدث طارئ، برجع ليك مرة تانية.. المهم تابع الشيخ، تابعه" وذهب.. دخل سن الفيل إلى معمله أخذ عصا أبنوس من أحد عماله قال له "ح أتمها" ثم أضاف "كذب المنجمون ولو صدقوا".
قال الراوي: نسي سن الفيل القصة مع النجاحات المتتالية التي بدأ يحصدها إلى أن قرأ يوما في صحيفة بالصدفة خبرا عن "اعتقال الترابي"، ثم لم تمض دقائق ليستعيد فيها هيئة عريض المنفكين حتى داهم المحل رجال مباحث واقتادوه بتهمة بيع وتهريب (ممنوعات).
قال الراوي: وهكذا صار سن الفيل (مربوطا) بشيئين: أحوال الترابي وسنوات الدلو السبع أو العشر. يتابع الصحف "الترابي في قطر" فيدرك أن صفقة عظيمة في الطريق، "الترابي حبيسا" فيدرك أن قدرا لئيما في الطريق، "الترابي صامتا" فيدرك أن ركودا في الطريق.. إلى أن أدرك عاشرة السنوات ولم يدرك أبدا متبقي كلام عريض المنفكين.
ختم الراوي؛ قال: ولد الدكتور حسن الترابي عام 1932م يوم 1 من شهر فبراير.
استدرك الراوي؛ قال: مواليد برج الـدلـو (21 يناير - 19 فبراير).
*زاوية يومية بصحيفة (اليوم التالي)

منصور الصُويّم
mansour em [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]