أثار الناقد والباحث والاقتصادي الدكتور معتصم أقرع – عبر حسابه في "فيسبوك" - موضوعا مهما ومثيرا يتعلق باتجاهات الرواية السودانية الحديثة، إذ أعاب على هذه الرواية – الإنتاج الروائي الحديث؛ ميله إلى تناول الجنس بإفراط، وأكثر الأحيان دون مسوغات سردية كافية. 

مع اختلاف الآراء، سواء باتفاقها مع ما اتجه إليه د. معتصم أو اختلافها معه بدا التركيز على أسماء بعينها من كتاب الرواية لافتا، ويستحق التوقف، لاسيما اسم الروائي المتميز عبدالعزيز بركة ساكن، واللافت أكثر والمثير للدهشة محاولة البعض اقتناص الفرصة للنيل من بركة ساكن – الشخص وليس الروائي – مبتهلين هذه الفرصة العظيمة - في رأيهم - بالرغم من أن أقرع أكد في أكثر من تعليق أنه لا يقصد اسما بعينه وإنما "عشرات الأعمال الروائية" التي قرأها، كما أشار إلى أن الروائي الواحد قد تتباين أعماله في هذه النقطة بالتحديد.
المهم، من بين هذه التعليقات – الانتهازية – للنيل من بركة ساكن، ما كتبه أحدهم من أن بركة ساكن نفسه تشادي وليس سوداني، لذا فهو ينقل ثقافة الجنس من هناك.. يا رجل!
في زمن سابق، حدث لي موقف مشابه مع أحد الأصدقاء، مع اختلاف الدوافع بالطبع، كون أن الصديق كان يرمي إلى الطرفة و"المكاواة" ليس أكثر. ففي أثناء نقاش ما – لا أذكر تفاصيله الآن – قال لي هذا الصديق: "ياخ أنت ذاتك ما سوداني، كلكم جايين من تشاد، ومفروض نرجعكم هناك"، ويرمي هنا إلى الإشارة إلى مدينتي "نيالا" حاضرة جنوب دارفور، المهم كان ردي على ذلك الصديق مفحما ومحملا بالمفارقة المضحكة، إذ قلت له: "ما مشكلة نحنا بنرجع تشاد، وأنتو ارجعو الجزيرة العربية.. مش انتو بتقولوا جايين من هناك طوااالي". وبالطبع أشير إلى أن السفر أو العودة إلى تشاد لا تمثل مشكلة للسودانيين، وأنه فعليا هناك تمازج قبلي وتبادل ثقافي اجتماعي بين السودان وتشاد؛ فالسودان مفتوح ثقافة واستيطانا ومجتمعا للتشاديين والعكس صحيح، أما بالنسبة للجزيرة العربية فالأمر مختلف تماما، إذ لا أحد يعترف بـ "أصولك" المدعاة هذه.
العنصرية والتعالي العرقي الأجوف لن يضيفان شيئا ذا بال لشخصية المتعنصر، كما لن تنقصان شيئا من شخصية المتعنصر عليه، فالحقوق الإنسانية باتت متجاوزة لكل موقف رجعي متخلف. وفي بلد مثل السودان تظل العنصرية أداة تفريق وتشتيت في الوقت الذي يحتاج فيه الجميع للتعاضد والتعاون للتقدم بهذا البلد إلى الأمام ولو قليلا.
التحية للروائي الإنسان المثابر بركة ساكن، والتحية للناقد والباحث الدكتور معتصم أقرع، وكلاهما يحفران عميقا في درب الاستنارة الطويل.

زاوية "أحوال" – صحيفة "الأخبار"

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.