سلام يا .. وطن

*لم أكن أتصور أن يد المنون ستكون أسرع ، وتختار أستاذنا وأستاذ الوطنية الأكبر علي محمود حسنين الذي كتب اسمه بحبر الموقف المنحاز لأهل السودان في صمامة لا مثيل لها وجسارة لاتعرف التراجع ورجولة تشهد على أن الراحل المقيم خُلق من طينة قلما تجد لها ضريب ، فخصوصية العلاقة معه تجعل منه مادة خصيبة ونحن نتناولها بالمعرفة اللصيقة وببنوة نفخر بها ، فالراحل زميل والدي في مدرسة أرقو الأولية التي ظلت على مدار أكثر من مائة عام ترفد السودان بحملة المشاعل وقادة التنوير ، وعندما كنا تلاميذ قانون في جامعة القاهرة فرع الخرطوم ، كان مكتب الأستاذ علي بوسط سوق أمدرمان هو المتكأ القانوني والسياسي والفكري نرتاده مع أخي الراحل متوكل مصطفى الحسين ، كانت حواراتنا على مدى ساعات ، يحتملنا بصبر عجيب وعندما يشتد الحوار يدخل علينا زميله ورفيقه الاستاذ الراحل سعد ابراهيم ياجي ، ومنذ ذلك اليوم ظلت الآصرة التي تربط بيننا تتخللها اخبار أرقو المدينة المعطاءة والواقع السياسي المستعر .

*والراحل العزيز دخل الولايات المتحدة الأمريكية منذ الستينات وظلت علاقاته مع بريطانيا وكل الدول الاوربية لكنه لم يطلب جنسية امريكية او اوربية وظل ولاؤه لهذا الوطن الذي سكنه فسكن فيه وحتى في هجرته القسرية الاخيرة كان في كل مكالمة يعبر عن شوقه للسودان وضيقه من غربته ولكنه هو هو علي محمود الراهب في محراب الوطن وتجد هذه الرهبنة في انطلاقته حين انفرد بحزب اطلق عليه اسم الوطني الاتحادي والجبهة الوطنية العريضة وهكذا في سلوكه كان شديد الحساسية تجاه السيادة الوطنية واذكر عندما دخلت لاول مرة القوات الاممية في بلادنا سألته كيف لنظام عنده ادنى احساس بالسيادة الوطنية يقبل ان تطأ بلادنا قوات اممية تحت اي مسمى اتت ؟كانت تخنقه العبرات ويردد هذا نظام بلا وطنية ولا اخلاق ولا دين .
*الاستاذ علي محمود لم يهادن لحظة واحدة الانقاذ وعندما خرج من السودان كان معارضا شرسا والسودان عنده غير قابل للبيع او التفاوض او المساومة بل انه كان من اكثر الناس مقاومة للأجندات الطامعة في بلادنا ولم يكن من اصحاب الحد الادنى كان دائما موقفه المطالبة بالحد الاعلى وكان يستمد هذه القوة في المقاومة والشجاعة في ابداء رأيه من محبته لهذا الشعب الكريم وقد شاهدناه وهو ينزل في مطار الخرطوم كان اول عمله ان سجد شكرا لله وامتثالا لهذا الشعب العصي واليوم يغادرنا حيث ترتاح روحه بعد ان ادى الرسالة وكتب تصورا للدستور وقدم العزاء لأسر الشهداء ،وتوجه صوب النائب العام ليرفع مذكرته ضد البشير وسدنته ليأخذوا جزاءهم العادل جراء ما ارتكبوه من جرائم في حق هذا الشعب العظيم ، والثورة التي افرزت مفهوم الحصة وطن واستاذي علي محمود حسنين قضى كل حياته في متقلبه ومثواه حتى جعل كل حياته وطن ،رحمك الله ايها الفارس الذي ترجل وجعل البركة في زوجك وابناءك واحفادك وكل اهل السودان الذين يعزون بعضهم البعض فانك لم تكن ملك اسرة بل كل الوطن اسرتك وسلام عليك في الخالدين ..وسلام ياااااااااا وطن
الجريدة السبت 25\5\