المقالة الثالثة عشر

وَجُرْمٌ جَرَهُ سُفَهَاءُ قَوْمٍ وَحَلَ بِغَيْرِ جَارِمِهِ العَذَابُ أبو الطيب المتنبي
تعرضنا في المقالة الثانية عشر لبعض مظاهر الحصاد المر لتجربة التأميم والمصادرة ومنها فشل نظام مايو في استلهام التجارب وبشكل خاص التجربة المصرية في العهد الناصري، وكذلك إغفاله للسيناريوهات الممكنة حيث لم يعطِ النظام أي فرصة للمختصين من خارج دائرة النظام الضيقة للنظر في البدائل الممكنة والملائمة للإصلاح الاقتصادي في ضوء ظروف البلاد الاقتصادية التي شرحناها. كما أشرنا في المقال السابق لعدم جاهزية الوزارات والأجهزة المعنية بالتأميم والمصادرة لتَحَمُلْ التبعات والمسئوليات التي ترتبت على تلك القرارات. ويرتبط بهذا عدم توفر الكوادر الإدارية والمهنية ذات التأهيل والخبرة التي كان يتوجب توفرها لتحل في الوظائف الإدارية والفنية في المؤسسات المؤممة والمصادرة، ولتتولي مراكز المسئولية لإدارة تلك المؤسسات بكفاءة واقتدار. وقد شرحنا في مقال سابق كيف تمت التكليفات الإدارية العليا للمؤسسات المؤممة والمصادرة من ضباط الجيش والمتقاعدين من رجال الخدمة المدنية وغيرهم الذين كانت تنقصهم الخبرة بنشاطات تلك المؤسسات. وقد أسهم كل ذلك، إضافة لما سنتعرض له في هذه المقالة، في خلق الكثير من الصعوبات التي عانت منها تلك المؤسسات وأدت لتدني مستوى أدائها التشغيلي والمالي وتراكم خسائرها.
إعادة التنظيم والدمج العشوائي:
كانت العجلة في قرارات تأميم البنوك دون استعداد كاف لإدارتها من العوامل التي أدت لاحقا إلى التفكير في خطوات دمجها وإعادة تنظيمها. ففي العدد الخاص لصحيفة الأيام مناسبة الذكرى الثانية للثورة، الذي ورد به تلخيص لقرارات نظام مايو لعامين، أوردت الصحيفة خبرا عن قرار سلطة مايو في نوفمبر 1970م ، أي بعد ستة أشهر فقط من قرارات تأميم البنوك مفاده ( إعادة تنظيم ودمج النظام المصرفي لخلق بنوك متخصصة في مجالات الاقتصاد والانتاج الزراعي والتعاوني والصناعي والتجارة الداخلية والخارجية والتوفير والاستثمار العقاري). وكما هو معلوم تم فعلا دمج بعض البنوك المؤممة في بعضها لاحقا. ولاشك أن عملية إعادة التنظيم والدمج قد أدت لإرباك النشاط المصرفي وتعاملات البنوك المحلية والخارجية، ومنظومة علاقاتها مع عملائها ومراسليها بالخارج. والغريب أن التفكير في الدمج جاء في وقت كانت لجان تقييم أصول البنوك ونشاطاتها ما زالت تواصل أعمالها ولم تفرغ من مهامها، إلا في فبراير 1971م، حين رفعت تقريرها للرئيس نميري بحسب ما نشرته الصحف.
من الإجراءات التي زادت الأمور تعقيدا، لاسيما بالنسبة للشركات المصادرة، ما قامت به سلطة مايو، في إطار عملية إعادة التنظيم، من دمج للشركات المؤممة، حين قضى قانون تأميم الشركات الصادر في 25 مايو 1970م بتأميم ودمج شركتي متشل كوتس وسودان مركنتايل في مؤسسة الدولة التجارية التي أنشأت بموجب قانون خاص بها منحها صلاحيات واسعة لممارسة تجارة الصادر والوارد. تم ذلك دون مراعاة للمنافسة التجارية في النشاطات المتماثلة ، أو بين الوكالات التي كانت تمثلها كل من الشركتين في السلع والمعدات المتشابهة . كما اتخذ القرار دون انتظار نتائج تقييم أصول كل من الشركتين ودمج تلك الأصول على أسس محاسبية سليمة تراعى فيها المعايير المهنية التي تحكم دمج الشركات. وتم اتخاذ القرار بالدمج كذلك دون الترتيب الإداري السليم الذي يضمن استمرار النشاط للشركة الموحدة بعد الدمج بصورة سليمة. ولاستحالة تنفيذ قرار الدمج عمليا ظلت الشركتان تعملان بشكل مستقل حتى تم إنشاء مؤسسة قطاعية هي "المؤسسة العامة للقطاع التجاري" بموجب لائحة التأسيس التي سبق لنا استعراضها كنموذج للمؤسسات القطاعية والصادرة في عام 1973م بموجب قانون مؤسسات القطاع العام لسنة 1971م.
قضت تلك اللائحة بأن تتكون هذه المؤسسة القطاعية من أربعة مؤسسات فرعية. وفي هذا الإطار تمت العديد من عمليات التنظيم وإعادة التنظيم حيث أصبحت "مؤسسة مايو للعاملين" جلاتلي هانكي سابقا والتي تم تأميمها بموجب قانون تأميم الشركات في 25 مايو 1970م وتم تشكيل مجلس إدارة مستقل لإدارتها، أصبحت تابعة للمؤسسة العامة للقطاع التجاري وشكلت النواة للمؤسسة الفرعية للتجارة والخدمات ، وأصبحت شركة متشل كوتس هي النواة للمؤسسة الفرعية للسيارات، وشركة سودان مركنتايل هي النواة للمؤسسة الفرعية للمعدات الهندسية ، ومؤسسة أكتومايو ( شركة عثمان صالح وأولاده المصادرة) هي النواة للمؤسسة الفرعية للصادر. وفي هذا الإطار التنظيمي جرت العديد من عمليات تغيير التبعية الإدارية للوحدات والنشاطات المختلفة. ولم تحكم تلك التغييرات أسس تنظيمية ومعايير مهنية تراعي ما يتطلبه العمل التجاري من مرونة وتنافس بين الشركات التي تسوِّق منتجات متشابهة أو تنافس في ذات الأسواق المحلية والعالمية . فلم يكن معقولا أن تتولى "مؤسسة السيارات" تسويق وبيع جميع موديلات السيارات بكل أنواعها والتي يفترض أن يكون بينها التنافس التجاري المعروف ، ولم يكن ذلك مقبولا كذلك للشركات الأجنبية الموردة التي تحرص على استقلالية وخصوصية وكلائها والشركات التي تتعامل معها في السوق المحلي. ونفس هذا ينطبق على التوكيلات التجارية المتشابهة ووكالات الخطوط الملاحية وغيرها من النشاطات المتشابهة التي تم تجميع وحداتها في إطار مؤسسة التجارة والخدمات، وكذلك المعدات والآليات المتنافسة التي تعمل في مجالها مؤسسة المعدات الهندسية. وحتى مؤسسة الصادر التي ضمت الشركات العاملة في مجال تصدير الحبوب الزيتية كالمؤسسة الأفريقية للتجارة والصناعة ومؤسسة الشهداء التجارية ومؤسسة أكتوبر الوطنية ومؤسسة يوليو التجارية وغيرها، لم تكن هي الجهة القادرة على إدارة تجارة الصادر من الحبوب الزيتية والأمباز والكركدي وغيره، والتعامل مع السوق المحلي والعالمي بإتاحة الفرصة لشركاتها للتنافس وإعطائها المرونة الكافية لممارسة نشاطاتها بصورة فعالة.
يضاف لهذا في الجانب التنظيمي ما قام به الجهاز المركزي للرقابة العامة من إجراءات اقتضت دمج بعض الشركات ومنشآت الأعمال المصادرة فورا ودون اعتبار كاف لطبيعة تلك الشركات، ودرجة التنافس بينها، واختلاف الأصلاء الذين تعمل بالوكالة عنهم داخل البلاد، والتباين في الأسواق المحلية والخارجية التي تمارس نشاطاتها فيها. ففي 14/6/1970م وفي الموجة الثالثة من قرارات المصادرة كما تقدم ، أعلن نميري مصادرة عدد من الشركات. وفي نفس اليوم أعلن الرقيب العام التكليفات الإدارية لمدراء المؤسسات المصادرة التي أوردنا تفاصيلها في الفصل الخامس. ولكن المدهش هو أن تلك القرارات الفورية لم تقتصر على التكليفات الإدارية وتسمية الأشخاص الذين أنيط بهم إدارة تلك الشركات المصادرة، وإنما تجاوزت ذلك لدمج فوري لبعضها دون أي أسس محاسبية أو إدارية سليمة لذلك الدمج ومن ذلك:
• الشركة الأهلية لصناعة المنسوجات وشركة حلاج أخوان دُمجتا في شركة واحدة ، تحت اسم الشركة الوطنية لصناعة وتوزيع المنسوجات.
• شركة برسميان وشركة الهندسة الأهلية ، دمجتا تحت اسم مؤسسة سوباط التجارية الهندسية.
• خدمات البص السريع أضيفت إليها أعمال باسيلي بشارة وتقرر أن تعملا تحت اسم مؤسسة النقل الوطنية.
• شركة الثقة التجارية وشركة التبريد دُمجتا تحت إسم مؤسسة التبلدي الهندسية.
• مخازن أدوية وليم فريوه أضيفت إلى شبيكة إخوان والشركة التجارية العالمية وقسم الأدوية من مؤسسة أكتوبر الوطنية (تشاكروغلو سابقا) لتعمل جميعها تحت إسم مؤسسة الأدوية الوطنية.
• شركة زيت الولد أضيفت لمؤسسة أكتوبر الوطنية التجارية لتكون تحت إدارتها.
هنا يجدر التساؤل: هل تسنى للجهاز المركزي للرقابة العامة أن يدرس أوضاع هذه الشركات من الناحية الإدارية والمالية والإنتاجية والتسويقية، وعلاقاتها التجارية المحلية والخارجية، والتزاماتها تجاه الموردين والبنوك وغيرها، حتى يتخذ قرارات الدمج والإضافة؟ والإجابة البديهية هي أن هذا الأمر وفي تلك الظروف كان عسيرا للغاية إن لم يكن مستحيلا. وحتى لو افترضنا أن جهاز الرقابة ظل منذ تاريخ الانقلاب في 25 مايو 1969م ( وليس تاريخ إنشاء الجهاز في 5 يناير 1970م) يدرس أوضاع تلك الشركات ويوصي لمجلس قيادة ثورة مايو لاتخاذ قرارات دمجها، هل كان ذلك ممكنا في تلك الفترة القصيرة؟ لاسيما وأن الجهاز لم يكن قد توفرت له الكوادر المهنية التي يمكن أن تقيّم أوضاع تلك الشركات من جميع جوانبها ليتسنى دمجها على أسس واقعية. وبفرض أن الجهاز المركزي للرقابة العامة أناط بالمدراء المكلفين القيام بعمليات الدمج حين صدرت تلك التكليفات الإدارية ، هل قاموا بتلك المهمة بالأسلوب المهني المطلوب أم ظلت تلك الشركات تمارس نشاطاتها متفرقة عن بعضها، وكان ذلك سببا رئيسا من أسباب تدني أدائها التشغيلي والمالي وتراكم خسائرها وتزايد مشكلاتها حتى أصبحت عبئا ثقيلا على الدولة؟
الشرعية الثورية وإفرازاتها القانونية:
كما أوضحنا في المقال الخاص بالترتيبات التشريعية والقانونية ذات العلاقة بقرارات التأميم والمصادرة، كان التشريع يتم بموجب " الشرعية الثورية". فكثير من تلك الترتيبات تم وضعها على عجل ولا يبدو أنها قد خضعت للنظر المهني المتأني الذي كانت تستوجبه خطورة تلك القرارات وأهميتها. ويلاحظ الارتباك والخلط في بعض تلك القوانين مما أدى إلى تعديلات أدخلت على عدد منها في وقت وجيز بعد إصدارها وبعد صدور أحكام وقرارات بموجبها. وأخطر من هذا هو حالة الارتباك الكبير الذي أحدثه التشريع للمؤسسات العامة، والغموض والإبهام في بعض مواد القوانين واللوائح وأوامر تأسيس المؤسسات العامة التي صدرت بموجبها. والتضارب في الصلاحيات وتعارضها وغموضها أحيانا فيما بين المستويات التي خلقتها تلك القوانين للإشراف على إدارة المؤسسات العامة ، على سبيل المثال فيما بين الوزراء المشرفين على القطاعات المختلفة ومجالس إداراتها. كذلك مهدت تلك التشريعات، وبخاصة قانون مؤسسات القطاع العام لسنة 1971م وقانون المؤسسات العامة لسنة 1976م، لتسرب الروتين الحكومي للمؤسسات العامة وإقحام بعض الترتيبات الإدارية والتنظيمية التي لا تلائم كل المؤسسات العامة بهدف توحيدها تسهيلا للرقابة المركزية الحكومية على المؤسسات العامة. ولقد أبدينا بعض الملاحظات على تلك القوانين والصلاحيات التي مُنِحَتْ للجهاز المركزي للرقابة العامة ولجهاز الحراسة العامة وغيرهما من الأجهزة.
إقحام الروتين الحكومي في المؤسسات العامة:
يضاف لما تقدم من صعوبات في إطار حصاد تجربة التأميم والمصادرة، بدء تسرب الروتين الحكومي والبيروقراطية في المؤسسات العامة، ومحاولة إقحام النظم واللوائح والإجراءات الحكومية، والتفكير في توحيد شروط الخدمة للعاملين بتلك المؤسسات باعتبار أنهم يعملون جميعا في مؤسسات تملكها الدولة. وساعد على تسرب الروتين الحكومي للمؤسسات العامة، السيطرة المركزية للوزارات المشرفة على المؤسسات، والنظم الرقابية التي فرضت على إعداد خططها وموازناتها التقديرية، وإعداد حساباتها الختامية وقوائمها المالية لتتماشي مع مطلوبات أجهزة الدولة الرقابية. كما ساعد في إقحام الروتين الحكومي سعي الدولة وأجهزتها المختصة لتطبيق الكادر الموحد للعاملين بجميع المؤسسات العامة. وقد أسهم إنشاء "الجهاز الإداري المركزي" تحت إشراف وزير المالية والتخطيط الاقتصادي رئيس المجلس الأعلى للمؤسسات بموجب قانون المؤسسات العامة لسنة 1976م، في تسريع وتيرة تسرب الروتين الحكومي في كثير من الجوانب الإدارية والتنظيمية والسياسات والإجراءات ذات العلاقة بالتوظيف وشروط خدمة العاملين. وكان ذلك مجافيا لطبيعة العمل في المؤسسات المؤممة والمصادرة، التي تختلف بحكم نشاطاتها المتنوعة وتنافسها عن أجهزة ومؤسسات الخدمة العامة. ولقد سعت بعض نقابات العاملين في تلك المؤسسات وساندت فكرة تطبيق كادر موحد، إما بجهل منها بتداعياته على تلك المؤسسات، أو ظنا منها بأنه سيمكنها من الحصول على مكاسب لأعضائها دون النظر للفوارق في نشاط المؤسسات وأدائها المالي والتزاماتها وقدرتها على تحمل أعباء إضافية. فعلى سبيل المثال كان منح الحافز السنوي (البونص) في مؤسسة معينة، يبرر أداؤها المالي منح العاملين بها ذلك الحافز، كان ذلك يشعل نار المطالبة بالمعاملة بالمثل في معظم المؤسسات الأخرى، والتي كانت إداراتها في الغالب تستجيب لضغوط النقابات التي تم تسيسها وارتبط معظمها لاحقا بالتنظيم السياسي لنظام مايو " الاتحاد الاشتراكي السوداني". هذا إضافة لأسباب أخرى، ساعدت في تنامي العجز في الأداء المالي لكثير من تلك المؤسسات والتي بدأت خسائرها تتراكم عاما بعد عام.
أعباء النشاطات الاقتصادية الهامشية:
من المشكلات التي خلقتها قرارات المصادرة إقحام الدولة في إدارة نشاطات صغيرة وهامشية. فحين أعلن النميري عن المؤسسات المصادرة في 14/6/1970م اشتملت القائمة كما تقدم، في المقال الخاص بقرارات المصادرة، على منشآت صغيرة تديرها عائلات أو أفراد، منها مطاعم ومحلات تجارية وفنادق ودور للسينما وممتلكات عقارية وغيرها. وكان واضحا أن الدولة قد دخلت بذلك في خضم عويص لنشاطات لا يمكن أن تفكر أي سلطة عاقلة لضمها للدولة أو لممارستها كنشاط اقتصادي. فهي لا تمثل أي أهمية من حيث نشاطها ولا تعتبر منشآت حيوية أو استراتيجية تستوجب تدخل الدولة، بل أن مثل هذه النشاطات في كل دول العالم بما فيها الاتحاد السوفيتي سابقا والدول الاشتراكية، تترك عادة للقطاع الخاص أو التعاوني. وبالرغم من أن الرقيب العام أعلن أنه ستتم تصفية بعض هذه المنشآت إلا أنها كانت عرضة لسوء الإدارة لصعوبة مراقبتها والإشراف عليها. وقد اعترف الرئيس نميري، كما سبق أن أوضحنا، حين خاطب احتفال القطاع الخاص به لتكريمه في 10 أغسطس 1972م، فقال في خطابه أمام الحشود التي حضرت ذلك الاحتفال، أنه ما كان يتعين على الدولة أن تقحم نفسها في هذه النشاطات الهامشية!
تشليع مؤسسات القطاع العام:
من أبرز الظواهر التي واجهتها المؤسسات المؤممة والمصادرة، ما تم وصفه يومها ب (عملية التشليع). فبحكم عملي وزملائي في واحد من أبرز القطاعات، القطاع التجاري، عاصرنا تلك الظاهرة، والتي تمثلت في سحب عدد من التوكيلات التجارية لمختلف السلع والمعدات، ووكالات الخدمات، والملاحة البحرية وغيرها من المؤسسات العامة للأفراد أو الشركات الخاصة التي بقيت بعد قرارات التأميم والمصادرة، أو تم تأسيسها في تلك الفترة. فمنذ قرارات التأميم والمصادرة نشطت بعض الجهات، وربما بمعونة من بعض ضعاف النفوس ممن كلفوا بإدارة المؤسسات، في تكثيف الجهود والتواصل مع الشركات الأجنبية لإقناعها بسحب توكيلاتها التجارية من المؤسسات العامة، وإسنادها للشركات الخاصة، لاسيما وقد كانت الشواهد ماثلة وملحوظة على سوء الإدارة وتدني النشاط، والصعوبات التي كانت تواجه تلك المؤسسات في السوق السوداني. وقد كان من أكثر الأسباب والمبررات التي أقنعت الشركات الأجنبية لإعادة النظر في بقاء توكيلاتها لدي مؤسسات القطاع العام أو سحبها، هو ما تمخضت عنه عمليات إعادة التنظيم ودمج الشركات، التي جمعت التوكيلات المتنافسة تحت مظلة إدارية واحدة في إطار التنظيم القطاعي، حيث تم إنشاء مؤسسات فرعية، في القطاع التجاري مثلا، تضم كل منها الشركات التي تعمل في نفس المجال، كالسيارات والمعدات الهندسية والخدمات الملاحية وتجارة الصادر وغيرها، كما سبق أن أوضحنا. وتجدر الإشارة هنا لما أكده الرقيب العام الرائد زين العابدين محمد أحمد عبدالقادر، وأشرنا له فيما تقدم، حول النتائج المحدودة التي حققها المدراء المكلفون بإدارة المؤسسات المؤممة والمصادرة، والذين قاموا بزيارات للشركات الأجنبية بالخارج لإقناعها بالتعاون مع المؤسسات العامة التي عهد لهم بإدارتها. لم يفلح أولئك المدراء في إقناع الشركات الأجنبية بالاستمرار في ممارسة نشاطاتها من خلال المؤسسات العامة، في الوقت الذي كانت تتم فيه الجهود من رجال الأعمال والقطاع الخاص لسحب التوكيلات والنشاطات منها. لقد أثار هذا الأمر انتباه المسئولين، ونوقش من قبل مجلس الشعب، وأهتم به يومها بصورة لافتة البروفسور محمد هاشم عوض المعروف عنه اهتمامه ودفاعه عن القطاع العام برؤية متميزة وفكر ثاقب. وقد كان يعمل في مجلس الشعب في الفترة 1974م - 1977م. وأعدت له التقارير عن معظم تلك التوكيلات ونشاطات المؤسسات في القطاع التجاري، كما أعدت له تقارير من القطاعات الأخرى. ولكن الجهود التي بذلها البروفسور محمد هاشم عوض، بحكم مسئوليته يومها في مجلس الشعب، وثلة من الحادبين لحماية مؤسسات القطاع العام لاسيما المؤممة والمصادرة، لم تجد أذنا صاغية واستمرت عمليات التشليع. وفي المثل الصيني: النصائح الجيدة تخترق قلب العاقل وتجتاز أذن الجاهل!
دخول الجيش معترك النشاط التجاري، المؤسسة الاقتصادية العسكرية:
اتجهت كثير من الحكومات في دول العالم المختلفة لإعطاء قواتها المسلحة دورا لممارسة بعض النشاطات الاقتصادية، لاسيما في المجالات ذات العلاقة بالتصنيع الحربي للمعدات والأجهزة والذخائر، وتجهيز الزي الرسمي لمختلف قطاعات الجيش، وتوفير المؤن وغيرها من مستلزمات القوات المسلحة. وفي بعض الدول النامية ونظرا لما تتمتع به القوات المسلحة من قدرات وإمكانيات تم الاستعانة بها في إنشاء مشاريع البنيات التحتية، من طرق وجسور ومطارات وموانئ ومباني مدنية ومستشفيات وغيرها من مشروعات التنمية والعمران.
عرف الجيش السوداني تصنيع الذخائر (مصنع الذخيرة) منذ سنوات طويلة، كما امتلك الآليات والمعدات التي أسهم بها في فترات مختلفة في تقديم الإغاثة والعون في حالات الكوارث وغيرها. إلا أن النظام المايوي هو الذي اهتم بالنشاط الاقتصادي للجيش بشكل واضح حين تم إنشاء "المؤسسة الاقتصادية العسكرية" في العام 1982م. وقد اشتملت هذه المؤسسة على عدد من المنشآت: المؤسسة العسكرية التجارية ، والمؤسسة العسكرية الزراعية ، والمؤسسة العسكرية للنقل ، والمؤسسة العسكرية للإسكان والتعمير والمؤسسة العسكرية للخدمات والمؤسسة العسكرية للتأمين والمصارف. وقد تمدد نشاط المؤسسة الاقتصادية العسكرية في عهد الانقاذ ليشمل شركات انتاجية وخدمية منها شركة الراعي للإنتاج الزراعي والحيواني ، شركة شيكان للتأمين وإعادة التأمين، شركة الأمن الغذائي، شركة كرري للطباعة والنشر، شركة عزة للنقل، بنك أمدرمان الوطني. عادل النيل – مقال – صحيفة السياسة الكويتية -21/2/2013م.
الذي يلاحظ في التجربة السودانية لدخول الجيش في المعترك الاقتصادي هو أن المؤسسة الاقتصادية العسكرية التي أنشأها نظام مايو، لم تبتدر نشاطا اقتصاديا جديدا خاصا بها بجهود ذاتية من المؤسسة العسكرية ، فقد سلبت نشاطا قائما بالفعل وقامت على أكتاف مؤسسات القطاع العام التجارية، واستفادت من البنية التحتية والنظم التي ورثتها تلك المؤسسات من الشركات الاجنبية المؤممة. فبحسب منصور خالد (أنشأ النميري مؤسسة أسماها المؤسسة الاقتصادية العسكرية، عين في إدارتها العسكريين وأسلم زمامها لواحد من أصدقائه ( الزبير رجب) والذي كان موظفا بالسكة حديد.... وكان الدافع وراء إنشاء المؤسسة - كما زعم - هو تمكين الجيش من اكتفائه الذاتي مما يلزمه من احتياجات يومية. والزعم مفضوح منذ البداية فبدلا من أن يتركز اهتمام المؤسسة الاقتصادية العسكرية في الجوانب المتعلقة بمؤن الجيش اتجهت بكليتها نحو الشئون الاقتصادية المدنية) منصور خالد – السودان والنفق المظلم : قصة الفساد والاستبداد – صفحة 351. وقد أتبع النميري إنشاء هذه المؤسسة بأمر لوزير التجارة، وهو الوزير المسئول بحكم قانون المؤسسات العامة لسنة 1976م من مؤسسات القطاع التجاري، بنقل شركتين من أكبر شركات القطاع العام التجاري، من حيث النشاط والأصول والتجربة في السوق السوداني والعلاقات التجارية الخارجية، وضمهما للمؤسسة الوليدة وهما: شركة الخرطوم (التي واصلت النشاط الاقتصادي لشركة متشل كوتس الانجليزية المؤممة) وشركة كردفان التي تولت ممارسة نشاطات شركة سودان مركنتايل الانجليزية المؤممة). وحيث أن الشركتين هما من أنجح الشركات التجارية المؤممة، فإن قرار ضمهما للمؤسسة الاقتصادية العسكرية الوليدة، ووضعهما تحت إمرة الجيش، و"عسكرة" فريق الإدارة (تم منح الزبير رجب رتبة عسكرية عليا) كان ضربة قاضية للقطاع التجاري، ويعتبر برأينا أحد أبرز عمليات تشليع المؤسسات العامة التي أشرنا لها فيما سبق كواحدة من الظواهر المدمرة التي ميزت حصاد تجربة التأميم والمصادرة.
يضاف لكل هذا أن عملية الضم نفسها قد تمت دون مراعاة للأسس المهنية التي يتعين أخذها بالاعتبار في مثل هذه الحالات. فمن غير المعلوم إن كانت قد جرت إعادة تقييم لأصول الشركتين، ولم تتضح الأسس التي اتبعت في التنظيم الإداري، وفي معالجة أوضاع الموظفين السابقين وتعيين العسكريين في مراكز المسئولية لمتابعة نشاطات الشركتين بعد عملية الضم. لم يتوقف الأمر عند شركتي القطاع التجاري المذكورتين، فقد تم أيضا ضم شركة كوبتريد للمؤسسة الاقتصادية العسكرية. ومعروف أن كوبتريد بدأت نشاطها أصلا كمؤسسة تعاونية ثم تم تحويلها لشركة. ومهما يكن من شيء فقد انطلقت المؤسسة الاقتصادية العسكرية الوليدة بعد ذلك لمجالات تجارية متنوعة وواسعة نافست بها شركات ومؤسسات القطاعين العام والخاص في مجال الاستيراد والتصدير. ولدعم نشاطاتها الخارجية أنشأت المؤسسة مكاتب خارج البلاد منحت صلاحيات واسعة للتعامل التجاري مع مختلف الشركات والأفراد. ويخبرنا الدكتور منصور خالد، بحسب ما أورد في كتابه المشار إليه فيما تقدم، أن المؤسسة الاقتصادية العسكرية حلقة واحدة من سلسلة فساد واسع، وأنها قد تعرضت لهجوم عنيف من مجموعة باريس الاستشارية بل من الإدارة الأمريكية، بسبب تعاملاتها التجارية التي تجاوزت بها حدود النشاطات المتعارف عليها لمثل هذه المؤسسات العسكرية.
مؤسسات القطاع العام – الداء العضال:
واجهت المؤسسات العامة في قطاعات الاقتصاد السوداني الانتاجي والخدمي الكثير من المشاكل فيما يتصل بأدائها وتمويلها واستثماراتها ونظمها الإدارية والسياسات التي توجه نشاطاتها، في مختلف العهود التي سبقت نظام مايو. ولكن من المؤكد أن قرارات التأميم والمصادرة والتي نشأت على إثرها العديد من المؤسسات العامة، التي تعمل في مجالات كثيرة متباينة وتمارس نشاطات متنوعة وربما كانت متنافسة ومتضاربة، قد فاقمت من تلك المشكلات وأضافت إليها وأصبحت المؤسسات العامة عبئا ثقيلا على الدولة. ومع ارتفاع تكاليف التشغيل، وتدني الإيرادات وتزايد خسائر المؤسسات العامة، أدركت الحكومة الحاجة الماسة لإعادة النظر في أدائها لتتمكن من اتخاذ الاجراءات المناسبة لتخليص الدولة من أعبائها المتزايدة. ولتحقيق هذا الهدف وكما تمت الإشارة في مقدمة هذا الكتاب، عهدت الحكومة ممثلة بوزارة المالية والاقتصاد الوطني في العام 1977م لفريق من المستشارين والأكاديميين السودانيين للقيام بدراسة شاملة مستفيضة للمؤسسات العامة في القطاعات المختلفة. وتم التعاون مع خبراء من البنك الدولي لإنجاز تلك الدراسة التي اشتملت على تقارير مفصلة للقطاعات، التجاري، والصناعي والزراعي والنقل والسياحي إضافة للفئة المتنوعة من منشآت الأعمال. وانبثقت عن الفريق لجان فرعية كلفت بدراسة القطاعات المختلفة وتقدمت بتقاريرها. وتم إعداد وتسليم التقرير النهائي لحكومة السودان في فبراير 1978م. وقد أشار التقرير إلى كثير من القضايا التي أوضحناها أعلاه وكانت في غالبها من تلك التي أفرزتها قرارات التأميم والمصادرة فيما يتصل بالبيئة السياسية والاقتصادية المحيطة بالمؤسسات العامة، وبالجانب التشريعي والقانوني، والناحية التنظيمية والإدارية، وضعف الأداء المالي والتشغيلي. وأوصت الدراسة باتخاذ التدابير لمعالجة أوضاع المؤسسات العامة ومنها المؤممة والمصادرة لتخليص الدولة من أعبائها المتزايدة. (Public Corporations In Sudan – February 1978).
ولم تسعف تلك الدراسة المتعمقة المتكاملة والتي تضمنت الكثير من التوصيات والمقترحات العملية، نظام مايو لاتخاذ خطوات جادة لمعالجة أوضاع المؤسسات العامة. ولهذا ورثت الحكومات التي أعقبته تركة مثقلة تمثلت في الأعباء المتزايدة لاستمرار المؤسسات الخاسرة تحت مظلة القطاع العام. ويلاحظ أن الحكومات الديمقراطية التي تلت نظام مايو بعد الانتفاضة في أبريل 1985م وحتى يونيو 1989م، أولت أمر المؤسسات العامة الخاسرة والتي طالها الفساد عنايتها. ففي خطاب موازنة الدولة للعام 1988/1989م الذي قدمه وزير المالية الدكتور عمر نور الدائم، قال إن الحكومة ستقوم بتصفية كافة المؤسسات والشركات التابعة للهيئة العسكرية الاقتصادية (سابقا) والتي يبدو أن قرار حلها كان قد صدر من قبل. فقد أشير في خطاب الموازنة للعام 1987/1988م إلى الفساد وأوجه القصور التي كانت سائدة في المؤسسات العامة ومنها المؤسسة الاقتصادية العسكرية. لكن الحكومات الديمقراطية، التي تعاقبت في الفترة القصيرة من الحكم الديمقراطي 1985م -1989م، لم تفلح هي الأخرى في معالجات متكاملة وفعالة لأوضاع المؤسسات العامة لاسيما المؤممة والمصادرة.
وحين تسلم نظام الانقاذ السلطة في العام 1989م، وأفصح عن توجهاته ومعالجاته الاقتصادية، وانتهج سياسة التحرير الاقتصادي والخصخصة (Liberalization and Privatization) وبدء في تنفيذها، كان القصد منها الاصلاح الاقتصادي وفي مقدمته التصدي لقضية مؤسسات القطاع العام. وكان هذا في الحقيقة إيذانا بفصل جديد مثير من فصول التجارب التي مر بها الاقتصاد السوداني منذ الاستقلال في العام 1956م. فبمثل العجلة والجرأة السياسية التي أقدم بها نظام مايو إثر الانقلاب العسكري في 25 مايو 1969م على اتخاذ قراراته المزلزلة بالتأميم والمصادرة، أقدم نظام الانقاذ إثر الانقلاب العسكري في 30 يونيو 1989م على اتخاذ قرارات التحرير الاقتصادي وخصخصة المؤسسات العامة، وأفرز تجربة في الاصلاح الاقتصادي كانت لها الكثير من الآثار السالبة على الاقتصاد السوداني. وتجربة نظام الانقاذ بسياساتها وأساليبها، مثلها مثل تجربة التأميم والمصادرة في عهد نظام مايو، أثارت وما زالت تثير جدلا واسعا بين ذوي الاختصاص والاهتمام، وتحتاج إلى كثير من التقصي والبحث والدراسة ، وتلك قصة أخرى!
وربما من المناسب أن نختم هذه الملاحظات حول حصاد تجربة التأميم والمصادرة التي زلزلت الاقتصاد السوداني، بما كتبه الصحفي الأستاذ عثمان ميرغني رئيس تحرير صحيفة التيار، الذي اعتبر تلك القرارات واحدة من "المخازي"، وقد عدد عشرةً منها، فقال (قرارات المصادرة والتأميم كانت "خامسة المخازي السودانية العشر".. ليس في زلزالها الاقتصادي ودمارها المباشر فحسب.. بل في نموذج التفكير الثوري (المراهق) الصبياني عندما يصبح هو الحاكم بأمره بلا أدنى رادع. فقد تبرجت مقالات كبار الصحفيين في الصحف تمتدح قرارات "الرئيس القائد".. وتبارت النخبة المستنيرة في تشييد أبراج الأوسمة لفكر وذكاء ووطنية حكومة الثورة. بل وخرجت المسيرات الجماهيرية الصداحة بهتافات التأييد. وغاب تماماً العقل والرشد والرأي الآخر الذي يجب أن يكبح جماح العربة المنطلقة نحو الهاوية. من يومها.. واقتصادنا العليل يزداد علة.. حتى صرنا ونحن على ضفاف عشرة أنهر تعبر السودان، جوعى وعطشى نستمطر العالم الإغاثات. إنها خامسة المخازي السودانية العشر.. قرارات المصادرة والتأميم.) عثمان ميرغني: من ضيع السودان؟ عشر مخازي سودانية – صحيفة التيار - الحلقة (6). وربما يصدق في هذا المقام أيضا قول القائل:
أُمُورٌ يَضْحَكُ السُفَهَاءُ مِنْهَا وَيَبْكِي فِي عَوَاقِبِهَا اللَبِيبُ!


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.