هذا الحديث أيضاً يجرح ويسئ إلي العم الكبير والمناضل والمفكر إبراهيم ألعبادي

الاستقطاب يأتي لعدة أسباب منها ما هو موضوعي ومنها ما هو ليس منطقي والاستفتاء بطبيعته والخيارات فيه تمثل "سونامي" وحدث شديد الحساسية وبعيد الآثار لمستقبل السودان وبعده يصبح السودان بلد فى غياه الاختلاف سواء اختار شعب الجنوب الوحدة أو الانفصال ، والسبب الثاني هو غياب الثقة بين مركز السلطة والجنوب منذ استقلال السودان وحتى الآن ، ولذلك هناك كثير من الهواجس والظنون والشكوك الحقيقية والمتوهمة والسبب الأخير في اعتقادي هو أن المؤتمر الوطني لم ينفذ اتفاقية السلام بشكل يعزز الثقة ويبين رغبته في التنفيذ ، بل أن تنفيذ الاتفاقية يتم في ظل صراع شرس بين الشريكين المؤتمر الوطني والحركة الشعبية مما اضر غاية الضرر بالعملية نفسها.
هل تعتقد أن المؤتمر الوطني وحده المسئول عن ذلك؟
نعم لأن مركز السلطة القديم لم يمسه التغيير بعد الاتفاقية وإلا لكان تم حل كثير من القضايا الموضوعية وتم مخاطبة جذور الأزمة التي أدت إلي الحرب وفي هذه الحالة كان الاستفتاء سيكون أمر إجرائي غير محتقن بكثير من القضايا الموضوعية واجبة الحل مما أدي لهذا الاستقطاب والمطبات السياسية التي يمكن أن تعصف بالسودان نفسه.
هل من الممكن لو تأخر الاستفتاء إعلان الاستقلال من البرلمان؟
الاتفاقية جوهرها التراضي وفي غياب التراضي فان الاحتمالات جميعها تظل مفتوحة حتى أكثرها شروراً ولذلك بالضرورة بذل كافة الجهود للوصول إلي حل متراضي عليه علي أساس تنفيذ الاتفاقية ولكن أسوأ ما يمكن أن يحدث هو الرجوع إلي الحرب وهذا يدعونا لأن نعمل في اتجاه الوصول إلي سلام دائم في حالتي الوحدة أو الانفصال.
ماذا تتوقع بشأن خيار الجنوبيين؟
الآن يهمنا تنفيذ الاتفاقية وتنفيذها يعني أن لا نركز علي النتائج النهائية للاستفتاء لأن هذا مضر بالاستفتاء نفسه ويجب أن لا نحتفل بالنتيجة قبل قيام الاستفتاء وقبل الوصول إلي النتيجة عبر صناديق الاقتراع لأن هناك عملية معقدة وهذا يدعوا إلى ضرورة التركيز علي العملية الاستفتاء .
ما رأيك فيما ورد من مسئولين بالمؤتمر الوطني بشأن مستقبل أبناء الجنوب بالشمال؟
أسوأ ما حدث في الفترة الماضية من خدش للوجدان الوطني وأسوأ ما يمكن أن تقود إليه اتفاقية السلام هو الولوج عبر هذا الطريق فهذا الطريق جربته يوغسلافيا وجربته رواندا ونحن بلادنا لها تاريخ طويل في العلاقات المشتركة بين الجنوبيين والشماليين وأهل الوسط والغرب والشرق والعلاقات بين المجموعات السودانية أقدم من الدولة السودانية الحديثة نفسها وللمفارقة أن الذين يتحدثون عن وجود الجنوبيين في الشمال يتناسون عمداً أن ثلث سكان السودان يقطنون منطقة حزام التمازج بين الشمال والجنوب ، وهذا يعني أن هناك 13 مليون في هذا الحزام فما مصير هؤلاء في ظل الحديث عن عدم إعطاء الجنوبيين حقنه أو الشماليين جالون بنزين وما بين الحقنة والجالون تضيع كثير من القيم التي بناها وزرعها شعبنا عبر ألاف السنين وكذلك هذا الحديث مخالف للدستور.
ماذا عن رأيك في ردهم علي فكرة ازدواج الجنسية في حالة الانفصال؟
كل ما يتعلق من تصريحات بشأن أوضاع الجنوبيين في شمال السودان مخالف للدستور والقيم فالدستور يعطي حق ازدواج الجنسية فإذا كان هناك مثل قطبي المهدي لديهم جوازات سفر أخري كندية وغيرها فما الذي يمنع الجنوبيين وهذا الحديث مخالف للإسلام الذي جمع بلال الأفريقي وصهيب الرومي وسلمان الفارسي تحت راية واحدة وهذا الحديث أيضاً يجرح ويسئ إلي العم الكبير والمناضل والمفكر إبراهيم ألعبادي الذي قال :
جعلي وشايقي ودنقلاوي ابن فايدني
يبقي النيل أبونا والجنس سوداني
وقال ألعبادي ذلك منذ أكثر من 70 عاماً فأين هؤلاء من إبراهيم ألعبادي وأين هم من خلق الشعوب والقبائل لتتعارف والإكرام بالتقوى فهذا الأحاديث أصيلة الظل وطنياً وإسلاميا ودستوراً واتفاقية سلام.
ماذا استطاعت أن تقدم الولايات المتحدة من حلول للمشاكل المعقدة بين الشريكين؟
لا أعتقد أن الولايات المتحدة الأمريكية لديها حلول نعم هي بلد مهم وموقفها مؤثر ولكن الأكثر تأثيراً هو موقف الإطراف الداخلية.
ما هو مستقبل قطاع الشمال؟
السؤال الأهم ما هو مصير ومستقبل السودان؟ هذا هو الأهم فالحركة الشعبية والمؤتمر الوطني تعبيرات سياسية عن قوي اجتماعية يمكنها أن تنمو ويمكنها أن تضمحل ولكن الأهم هو السودان وقطاع الشمال وأعضاء الحركة الشعبية من الشماليين هم قوة كبيرة مضاف إليهم ولايتين في الشمال تقعان في القطاع الجنوبي وهما جنوب كردفان وجنوب النيل الأزرق وهذه قوي لن تختفي ولم يأتي الناس من الشمال في مرحلة لمجاملة الجنوب بل لأن هناك قضايا في الشمال وقضايا الشمال تزداد حدة إذا أنفصل الجنوب وإذا غاب الجنوب سيكون هناك جنوب جديد فأهل النيل الأزرق والنيل الأبيض وشمال كردفان وجنوب دارفور هم الجنوبيين الجدد وهم الذين ذهبوا خلف راية المهدي وكتبوا نهاية غردون ، وقطاع الشمال سيبقي والحركة الشعبية وفي الشمال ستبقي وفكرة السودان الجديد ستبقي والشمال متعدد ومتنوع ولن يستقيم أمره إلا عبر رؤية السودان الجديد اذا بقي الجنوب أو انفصل وكذلك يمكن للحركة الشعبية في الشمال أن تتحالف مع كل القوي الجديدة وقوي الهامش والقوي الديمقراطية للتصدي لقضايا الشمال وهذا ما سيحدث.
هل تتوقع بعد التصعيد بين الجانبيين أن يتم انفصال سلمي؟
القضية الرئيسية بالنسبة للحركة الشعبية بالأخص كحركة تحرير وطني تدعو إلي وحدة إفريقيا وتدعو إلى التعاون العربي الأفريقي وإذا ما حدث الانفصال لن يستقيم أمر الجنوب إلا بأوضاع جيدة في الشمال ولن يستقيم أمر الشمال إل بأوضاع جيدة في الجنوب وهذا ما قاله فرانكو ويل قرنق منذ عام 1955 ولذلك لعبة كسر العظام يجب أن تتوقف لأنه لا يستقر الشمال دون الجنوب ولا يستقر الجنوب دون الشمال وفي حالة الانفصال يجب أن تكون العلاقات مثالية بين دولتين في أفريقيا هي الشمال والجنوب وأقول بشكل واضح أن الجنوب والشمال سيواجهان قضايا معقدة سياسية واقتصادية وغيرها ولا يمكن حلها إلا بالتكامل والتعاون ولا سيما في عالم اليوم.
ولكن هذا الحديث جيد ، فقط الأمر يحتاج إلي توافق وتفاعل؟
هذا ما قلته لأن السودان يجب إن لا يكون منطقة للصراع الداخلي علي حساب شعب السودان بل نحن لدينا واجبات إقليمية ودولية ونريد أن نكون فاعلين وحاضرين في الإقليم وفي العالم كله وليست قضايانا كلها ضد بعضنا ودعني أخذ موضوع القبائل الرحل فهذه القبائل من جميع الأطراف مسئوليتنا تجاهها مسئوليه مشتركة ونحن في ظل انهيار الريف والتغيرات المناخية يمكن أن نعطي نموذج للتعامل المسئول مع قبائل الرعاة والرحل شمالاً وجنوباً وهذا الدور لن يتم إلا باستقرار الشمال والجنوب.
ما هي رؤية الحركة الشعبية تجاه الشماليين في الجنوب؟
الشماليين في الجنوب والجنوبيين في الشمال ثروة قومية يجب أن لا تضيع في زحمة الغضب وجسامة مصاعب اليوم فهذه نقاط التقاء تحتاجها بلادنا في المستقبل حتى وان انفصل الجنوب فالسودان سيتوحد مجدداً ونضالنا من أجل الوحدة علي أسس جديدة لم يتوقف وبالنسبة لي سأظل اليوم وفي المستقبل والي أن أغادر هذه الحياة سأناضل من أجل وحدة علي أسس جديدة ولا نغنط من ذلك أبداً ومهما يكن فان الجنوب لن يكون جنوب البرازيل. ولا الشمال سيكون شمال أفغانستان شاء من يشاء ، وأي من الأفكار قصيرة السيقان لا تتناسب مع بلاد هي مليون ميل مربع والمباراة الحالية بين القوميين الشماليين والقوميين الجنوبيين يجب أن تبتعد ميادينها عن العلاقات بين المواطنين جنوبيين وشماليين فهم ما تبقي لبلادنا من ثروات وسيشكلون ويلعبون دوراً في مستقبل وحدتها.
هناك اتهام من المؤتمر الوطني بأن الحركة رفضت المشاركة في عملية ترسيم الحدود؟
هذا غير صحيح والسؤال هو ما مصلحة الجنوب في رفض المشاركة في ترسيم الحدود والحقيقة أن المؤتمر الوطني عمل علي عرقلة ترسيم الحدود ظنا منه أن ذلك سيؤدي حتما إلي عرقلة الاستفتاء وعرقلة الاستفتاء لن تزيد الجنوبيين إلا غضبا وتوجهاً نحو الانفصال.
أيضاً هناك اتهام بأن الحركة تقوم بتدريب قوات العدل والمساواة ؟
هم يقولون ويغالطون الحقائق دائما وهذا حديث غير صحيح والعدل والمساواة لم تقل ذلك هذه مجرد شائعات يروج لها الذين يبحثون عن ذرائع لعرقلة الاستفتاء.
أرجو أن تحدثنا عن أهمية اجتماع مجلس التحرير القادم وماذا تتوقعون منه؟
اجتماع مجلس التحرير الذي سينعقد في منتصف أكتوبر الجاري يجب أن يقدم رؤية صافية من خلال منظور شامل لقضايا السودان من استفتاء وتحول ديمقراطي وقضايا دارفور ويجب أن يستعيد ألق رؤية السودان الجديد وأن يصل إلي استراتيجية حول كيفية تحقيق الاستفتاء والوصول إلي استفتاء حر ونزيه مقبول النتائج ويجب أن يرسم رؤية واضحة لتعزيز العلاقات بين الشمال والجنوب في حالتي الوحدة أو الانفصال ويجب أن يرتفع بالحركة الشعبية إلي حيث ما ينبغي أن تكون حركة تحرير وطني ذات رؤية واسعة تتجاوز السودان إلي أفريقيا والعالم العربي وأن تضع الحركة في مقدمة القوي السياسية التي تبحث عن سلام دائم واستقرار وديمقراطية في السودان في حالتي الوحدة أو الانفصال.


هل النبرة الانفصالية العالية لدى الجنوبيين بسبب المؤتمر الوطني أم مرارة السنين بينهم والشماليين؟
الاثنين معاً فالجنوب تم التعامل معه بقسوة من جميع الحكومات وبلغت قمتها عند نظام الإنقاذ وهذا أدى إلى غضب شعب الجنوب ، ثم أن مفهوم الاستفتاء وحق تقرير المصير ليس مفاجأة بل هو نص رئيسي من فصول الاتفاقية ، والذي يزرع الريح يحصد العاصفة ، ولكن ما هو مهم أن هناك حياة بعد حق تقرير المصير وأن هناك علاقات بين الشمال والجنوب بعد الاستفتاء ويجب أن نتخذ من الاستفتاء مناسبة لرسم علاقات جديدة ووثيقة قائمة علي التعاون والتكامل في حالتي الوحدة والانفصال.
 السؤال المطروح حاليا هو من المسئول عن تقسيم السودان والذي سيكون بعد الاستفتاء أكثر إلحاحا؟
سياسات مركز السلطة في الخرطوم هو المسئول عن تقسيم البلاد في حال انفصل للجنوب وهذه السياسات تفاقمت في ظل الإنقاذ ومن أكبر الأخطاء أن نضع الدين الإسلامي كمضاد للوحدة وهذا ظلم لتاريخ الإسلام في الشمال وعلي الإسلاميين تحمل تبعاته فالإسلام وحد شمال السودان علي مدي 9 قرون من التبشير الصوفي المتسامح أي منذ عام 641 اتفاقية البقط إلي قيام دولة سنار 1505 ولذلك أن حكومات الخرطوم جميعها مسئولة عن ذلك لا سيما حكومة المؤتمر الوطني.
صدور صحيفة الأنتباهه في هذا التوقيت أثار كثير من التساؤلات أيضاً؟
الأنتباهه توقفت لأنها أساءت لأحد رؤساء دول الجوار والذي أحتج علي الإساءة ولكنها عندما تسئ إلي فتيات وأبناء الشعب السوداني فلا توقف ولا يتم محاسبتها فهذا جزء من سياسة تم اعتمادها منذ توقيع اتفاقية السلام وهي صحيفة تستثمر في الكراهية والفتن وما تقوله يحاكم عليه بالدستور السوداني والقانون الدولي وهي صحيفة تشبه صحف النازية وقد فقدت أي أهمية وأصبحت مثل الليمونه التي تم اعتصارها وقد اشمئز منها وشعر بذلك حتى الذين يمولونها ، ورجوعها في هذا التوقيت لن يخدم سواء الداعين إلي رواندا جديدة ولن تجلب إلي المسرح السياسي وإلي الذين يمولونها سوي الندم عاجلاً أو أجلاً.
ما هو المخرج من هذه الأزمة؟
سيكون دائماً بيد الشعب السوداني فهو الذي يمكن أن يصحح هذه الأوضاع الخاطئة قبل الانزلاق إلي حافة الهاوية كما يجب عدم عرقلة الاستفتاء في الجنوب وإذا أردنا الوحدة بحق وحقيقة علي القوي السياسية بما في ذلك المؤتمر الوطني أن تتفق علي عرض دستوري جديد يرفع سعر الوحدة ويعلي من قيمتها ويقدم أفكار جديدة لأهل جنوب السودان لحل تعقيدات قضية المواطن والعاصمة والترتيبات الأمنية والثروة والسلطة بتقديم عرض جديد ينافس شعبية الانفصال ، وسيجد هذا العرض قبولاً من الذين يستمعون إليه داخل الجنوب وكذلك يجب الاتفاق علي ترتيبات جديدة بين الشمال والجنوب في حالة الانفصال وتجعل من قيام دولة في الجنوب مرتبطة بعلاقات وثيقة مع الدولة التي في الشمال وتؤدي إلي رفاهية الدولتين واستخدام الموارد في التكامل والتنمية لا الحروب ، وكذلك يجب أن نستغل قضايا الاستفتاء ودارفور والتحول الديمقراطي لإعادة هيكلة مركز السلطة في الخرطوم لمصلحة جميع الأقاليم.