حاكم السودان عمر البشير يتفوق على حاكم سوريا بشار الأسد في أنه جاء إلى السلطة عبر انقلاب عسكري في سنة 1989، في حين أن الثاني ورث السلطة عن أبيه وتسلمها عبر مهزلة دستورية في سنة 2000. وما خلا فارق الـ11 سنة في الحكم، لا يختلف الاثنان كثيراً لا سيما في التبعية للخارج والتمسك بالكرسي، أو عصا المارشالية، أياً كانت الأثمان. وإذا كان البشير مطلوباً بمذكرة توقيف صادرة عن المحكمة الجنائية الدولية منذ سنة 2008 لاتهامه بارتكاب جرائم حرب في دارفور، فإن الأسد ينتظر دوره أمام محاكم دولية عديدة بسبب مسؤوليته عن جرائم حرب أشد فظاعة وبشاعة.

ولكن إلى جانب اللقاء الطبيعي الذي يمكن أن يجمع أي «متعوس» مع أي «خائب رجاء» كما يقول المثل الشعبي الشهير، هنالك أولاً محاولة البشير الهروب إلى الإمام من مشكلات السودان الداخلية المستفحلة، والتي تشمل الاقتصاد والسياسة والمجتمع، وتدفع الفئات الشعبية السودانية إلى حضيض الفقر والبؤس. وإلى جانب مشكلات البطالة والغلاء وانحطاط الخدمات العامة، يبلغ دين السودان الخارجي 56,5 مليار دولار، والتضخم يقفز بمعدلات فلكية، والعملة الوطنية تنحدر أكثر فأكثر، وهذا يفسر احتجاجات الشارع الشعبي التي انفجرت مراراً، وخاصة في 2013 و2016، وقابلتها السلطة بحملات قمع واسعة النطاق. كذلك يتخذ البشير إجراءات تطهيرية داخل مؤسسات السلطة والاستخبارات والجيش استعداداً لترشيح نفسه لدورة رئاسية جديدة في سنة 2020، فأقصى في هذا السياق وزير الخارجية، ثم مدير جهاز الأمن والمخابرات، وأتبعهما بإعفاء رئيس الأركان المشتركة ورؤساء أركان القوات البحرية والبرية والجوية.
ويسعى البشير ثانياً إلى الذهاب أبعد في تحويل السياسة الخارجية للسودان إلى لعبة مناورة بين المتناقضات والمحاور في المستوى العربي والإقليمي، وكذلك على نطاق دولي. فمن المعروف أنه يلمس التغيرات التي طرأت على مواقف المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة تجاه الملف السوري إجمالاً، ومصير بشار الأسد بصفة خاصة، ولهذا فإنه يسارع إلى استباق احتمالات التطبيع، لا سيما مع نظام شبيه بنظامه من حيث العزلة عن الشعب والدولة الفاشلة. وهو يسترضي موسكو التي زارها أواخر العام الماضي وأعرب منها عن تأييد سياسات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في سوريا، بل بلغ به الأمر درجة طلب الحماية العسكرية من الكرملين، وأبدى الاستعداد لاستضافة قاعدة عسكرية روسية على أرض السودان.
ومن المنطقي ثالثاً ربط تحرك بخيار الانفتاح على دولة الاحتلال الإسرائيلي، والتي تجسدت أولى دلائله في إعلان رئيس وزراء الكيان بنيامين نتنياهو أن السودان سوف تكون الدولة العربية التالية التي سوف يزورها بعد سلطنة عمان، ثم السماح للطائرات الإسرائيلية بالمرور في الأجواء السودانية. والمساعدات المالية التي تتلقاها سلطة البشير من الرياض وأبو ظبي تصب عملياً في خدمة «صفقة القرن»، وهو التعهد الذي قطعه محمد بن سلمان ومحمد بن زايد مع جاريد كوشنر، عرّاب الصفقة ومستشار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، طبقاً للتقارير التي افتضح أمرها قبل أشهر.
هي ساعات قليلة قضاها متعوس في ضيافة خائب رجاء، ومن المنطقي أن تكون حصيلتها مجرد مسرح استعراض بائس.