لندن: عباس حسن أحمد

دعا الناشط السياسي والباحث القانوني بجامعة لندن أحمد حسين آدم إلي تفكيك دولة ما بعد الإستعمار التي عملت علي إقصاء غالبية السودانيين و تحولت إلي دولة إبادة جماعية كمدخل حقيقي لحل الأزمة الوطنية والذي يبدأ من هذا المنطلق المحوري.

وقال آدم الذي كان يتحدث في الندوة التي نظمتها رابطة الصحافيين والإعلاميين السودانيين بالمملكة المتحدة بقاعة أبرار بلندن، لا بد من الإعتراف بفشل دولة ما بعد الإستعمار مبينا إن التوصيف الحقيقي للأزمة الوطنية يكمن في فشل دولة ما بعد الإستعمار أحادية الهوية والمواطنة التي تحولت إلي دولة إبادة جماعية، مشيرا إلي غياب مشروع و عملية بناء الأمة وعدم قيام مصالحات وطنية حقيقية لمخطابة و معالجة المشاكل و الظلامات التاريخية الكبري التي لحقت و ما زالت تستهدف غالبية السودانيين.

وأشار آدم في الندوة التي جاءت تحت عنوان السودان الخروج من المأزق كيف ؟وأمها جمهور كثيف ضاقت به القاعة إلي أن المشكلة تكمن في قيام وصناعة الدولة قبل الأمة بغية فرض هوية أحادية. وعزا فشل بناء الأمة السودانية الواحدة إلي الدور الذي قامت به ما يسمي بالدولة الوطنية في تهميش و قهر غالبية السودانيين إلي جانب إمتناعها عن العمل علي معالجة ودرء آثار ما خلفة الإستعمار و غيره من رواسب الرّق والإسترقاق الذي خلق دولة لا تعترف بكل مواطنيها، إضافة لغياب المشروع الوطني الذي يجمع و يعبر عّن تطلعات كل السودانيين . ودعا آدم إلي تغيير جذري في تركيبة الحكم بما يمكن من معالجة مشاكل دولة ما بعد الإستعمار لينهض عليها التغيير البنيوي و الديمقراطي المرجو.
ورحب آدم بجميع المبادرات الوطنية المخلصة لحل الأزمة السودانية مشددا علي ضرورة ان يكون لها فهم عميق وصادق لجذور الأزمة خاصة نقائص دولة ما بعد الأستعمار.
وأكد آدم علي أهمية إختصاص المحكمة الجنائية الدولية داعيا إلي عدم التحدث عن المادة ١٦ مضيفا أن أي تخاذل أو تراجع في هذا الامر قد يؤدي إلي عدم إتفاق القوي السياسية وعدم تحقيق العدالة الجنائية.
ولفت آدم إلي فشل جميع المفاوضات السابقة مع النظام مبينا أنها لم تسهم في حل قضايا المهمشين والنازحين واللاجيئن الذين يدفعون ثمن حروب الإبادة بقدر ما قدمت فرص للعمل والإستوزار لفئة محدودة من أصحاب المصالح الشخصية.
وأوضح آدم أن إنتخابات ٢٠٢٠ معدة تماما لتكريس البشير حال قيامها وستعيد إنتاج الأزمة السودانية وتعمقها، مؤكدا أنها لن تتيح أي مساحة سياسية أو مدنية أو ممارسة ديمقراطية حرة للشعب السوداني بل ستعيد إنتاج الإنقاذ مرة أخري . وقال:(إن أي إنتخابات في ظل عدم مشاركة غالبية السودانيين الذين هم تحت نيران الحروب و معسكرات النزوح و اللجوء لهو إستهتار بأراداتهم الحرة و آلامهم، الأمر الذي سيعمق الإنقسام في المجتمع السوداني و يزيد من أوار الحروب).

ودعا آدم لإطلاق حملة لإيقاف حروب الإبادة بدلا عّن حملة للمشاركة في إنتخابات ٢٠٢٠ ذات الأهداف المشبوهة التي تقفز علي واقع و تطلعات الملايين مِن هم تحت نيران الحروب.

و قال علينا أن نفهم حملة ما يسمي ب " القطط السمان" فهما صحيحا، مبينا إن البشير يسعي للقضاء علي مراكز القوي المنافسة له داخل المؤتمر الوطني من الذين ظن أنهم في صفه، مشيرا إلي إستعانته بمدير جهاز الأمن الجديد الفريق صلاح قوش ليلعب دور (كلب الأمن) لتصفية حساباته مع المجموعة التي سجنته وأزاحته من منصبه سابقا وهو يسعي للإنتقام منهم ويلبي كل رغبات وأهداف البشير.
ولفت إلي خطورة غياب السودان من خارطة تشكل نظام سياسي ودبلوماسي جديد في منطقة القرن الأفريقي بسبب عجز نظام الخرطوم الذي كان يلعب علي تناقضات دول المنطقة، مؤكدا علي أهمية التحولات السياسية والدبلوماسية والإقتصادية الكبيرة التي تشهدها منطقة القرن الأفريقي والدور الذي يقوم رئيس الوزراء الأثيوبي الجديد أبي أحمد والذي وجد زخما إعلاميا وسياسيا ودبلوماسيا كبيرا. لكنه إستدرك قائلا: نحن لا نستطيع الجزم بحقيقة موقف الدولة العميقة التي أنشأها رئيس الوزراء الاثيوبي السابق مليس زناوي من كل هذه المتغيرات الدراماتيكية. وقال آدم إذا إستمر نظام الإنقاذ في حكم السودان فإن منطقة الأفريقي ستتشكل والسودان سيكون بعيد جدا منها وهنا مكمن الخطر خاصة وأن السودان له موقع رائد وريادي في المنطقة، مشيرا إلي تمدد الأزمة الخليجية إلي إقليم القرن الأفريقي التي زادت من حالة الإستقطاب فيه .
في السياق إعتبر آدم زيارة الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي الأخيرة إلي الخرطوم غير عادية. وألمح إلي أن السيسي قد يكون موفدا من حلفائه في المحور السعودي الإماراتي.

ونبه إلي أن ضعف النظام و تفككه ربما يشجع بعض القوي الإقليمية و الدولية لفرض حلول خارجية قد لا تستجيب لتطلعات السودانيين و يكون الشعب السوداني آخر من يعلم.

وأكد آدم علي أهمية إيقاف حروب الإبادة و إنجاز التحول الديمقراطي الحقيقي مطالبا السودانيين بضرورة الإجابة علي السؤال لماذا إنفصل جنوب السودان؟ والعمل علي الإستفادة من دروس إنفصال الجنوب كمدخل إيجابي يساعد علي الحفاظ علي ما تبقي من السودان موحدا.كما ناشد أحمد السودانيين في بريطانيا و المهجر علي تحمل مسؤولياتهم في إحداث التغيير و البناء.
يذكر أن الندوة تخللتها هتافات ضد الإنقاذ و شهدت نقاشا حيويا وجادا حول كيفية الخروج من نفق الأزمة الحالية و تحدث فيها اللواء فضل الله برمة ناصر نائب رئيس حزب الأمة القومي والبروفيسور معز عمر بخيت رئيس حركة أثق والصحفية أمل هباني من الخرطوم عبر الهاتف والأستاذ علي محمود حسنين عضو الهيئة الرئاسية للحزب الإتحادي الديمقراطي الأصل المعارض ورئيس الجبهة الوطنية العريضة بالإضافة للأستاذ أحمد حسين آدم المحلل السياسي والباحث بكلية القانون بجامعة لندن.


//////////////////////