ياسر عرمان، نائب رئيس الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال

اسمحوا لي في البداية أن استهلَ حديثي بالتعبير عن إمتناني و تقديري للدعوة التي تلقيتها من هذه المؤسسة العريقة، لكم خالص شكري، خاصةً وأنها تأتي في هذا الوقت الدقيق الذي يمر به السودان.

يواجه السودان أزماتٍ مركبة تتمثل في قضايا البناء الوطني، التحول الديمقراطي، العدالة الإجتماعية، المساواة في النوع (الجندر)، و في الحاجة لتنمية مستدامة. تحتاج كل هذه المهام الى إحداثِ قطيعةٍ معرفية و تغييراتٍ بنيوية تشكل أسس برنامج عمل يحظى بإجماعٍ وطني كافٍ، يقود في خاتمة المطاف الى بناءِ دولةٍ حديثة على قاعدة المواطنة المتساوية. في هذه اللحظة بالذات، وصلت الطبقة السياسية الحاكمة الى حالة إفلاس بين. حيث أنها تقوم بإستغلال و تبديد و نهب موارد السودان عبر إعتماد نموذجٍ طفيلي للتنمية يتجاهل الإنتاج، و يعمل على تركيز الثرواتِ في أيدي القلةِ القليلة، و تهميش الأغلبيةِ الساحقة من المجتمع، خاصةً النساء. قاد هذا الوضعُ الى فصل جنوب السودان و الى إستمرار الإبادة الجماعية، جرائم الحرب، إنتهاكاتِ حقوق الإنسان، و التمييز على أساس الدين،.. الخ. كنتاج لذلك، فإن الإجابة على السؤال الخاص بمستقبل السودان لا يمكن أن تأتي، في الراجح الأعم، من الحكومة القائمة ففاقد الشيء لا يعطيه؛ و إنما هي مسؤولية المجموعاتِ التي تشكلُ البديلَ الذي يسعي لإحداثِ التغيير. سوف ينصب تركيزي بشكلٍ أكبر لذلك على الديناميات داخل معسكر المعارضة، و على الوضع الداخلي في الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال بإعتبارهما الفاعل السياسي الذي يعمل لإنجاز مهمة التغيير، بالإضافة الى تحليل العوامل الداخلية و الخارجية التي تؤثر على مسار التغيير و التحول السياسي.

الوضعُ الإقتصادي

يشكل الوضعُ الإقتصادي العاملَ الأكثرَ تأثيراً لأنه بات واضحاً جداً أن غالبيةَ السودانين غير قادرة على العيشِ في ظلِ الأوضاع الإقتصادية الراهنة، حيث توقفت الحكومةُ عن تقديمِ الخدماتِ في القطاعاتِ الرئيسية للصحة، التعليم .. الخ. افلست تماماً القطاعاتُ الإنتاجيةُ في الزراعةِ و الصناعة و البنية التحية. تم تركيزُ الثروةِ في أيادي قلةٍ قليلة تقوم بإنفاقِ مواردِ الموازنة العامة على مؤسساتِ القمع، الحروب، الفساد، و قمة الهرم الحكومي. و تعتمد على سياساتٍ ضريبية تعمل حرفياً على نهب المواطنين العاديين، و زيادةِ أسعار السلع الضرورية كالوقودِ، الخبز، و الكهرباء. إضافة لذلك، يعمل التهميشُ المستمر على خلقِ حروبٍ مستمرة في مناطق الهامش، و التي جرى تدميرُها بصورةٍ شاملةٍ، مما ادى لأن يتحول الملايين من سكانها الى نازحين يقيمون أما في المدنِ او معسكرات النزوح. ادى ذلك بدوره الى ترييفِ المناطقِ الحضرية و تدمير العلاقة العضوية بين الريف و المدن بالإضافة الى خلق درجةٍ عالية من العطالةِ وسط الشباب.

تنفق الحكومةُ أموالاً طائلةً على قطاعِ الأمنِ النظامي و المليشيات. تقف موازنةُ العام 2018 خير شاهدٍ على ذلك. تمثل هذه الموازنةُ في الواقع حرباً مفتوحةً على غالبيةِ السودانين الذين يعجزون عن الإستمرارِ في كسبِ قوتهم اليومي، في ظلِ هذه الظروف. حركةُ الرفض و المظاهراتُ الحالية سوف تستمر و هي توسع من نطاقِ معارضةِ النظام و تُدخِل الى حلبةِ المواجهةِ قوى إجتماعية جديدة تنهض في مواجهةٍ الحكومة، خاصةً في المناطقِ الحضريةِ في السودان. هذه أحدى المميزاتِ الهامة للوضعِ الراهن.

يجب التأكيدُ على أن الحلولَ الجزئية و التدريجية لا تشكل إجابةً لهذا الوضع. لقد باتَ من الواضح أن الأزمةَ الإقتصاية ليست سوى الوجه الآخر للأزمةِ السياسية التي لا يمكن مخاطبتُها بغير وقفِ الحربِ لمصلحةِ تحقيق السلام، توجيهِ الموارد للخدماتِ و التنمية، و توسيعِ القاعدةِ الضيقة للطبقةِ الحاكمة من خلالِ التحول السياسي و الديمقراطي. الطبقةُ السياسيةُ الحالية ضيقةٌ و مفلسة و توظف الدينَ كأداةٍ لإبقاءِ السلطة في يديها. لقد قاموا بتغييرِ طبيعةِ الدولة و المؤسساتِ العامة، بما في ذلك قطاع الأمن، السلطة القضائية و غيرها. لهذا السببِ، فإن التغييرَ المأمول لا ينحصر فقط في إبدالِ الحكومة، وإنما يمتد لتغييرِ مجملِ المشروعِ السياسي الوطني.

الوضعُ السياسي

تشكل الوضعُ السياسي القائمُ كنتاجٍ لعجزِ الحكومةِ عن إيجادِ الحلول. في ذاتِ الوقتِ، هناك غيابٌ لأجندةٍ صلبة لدى المعارضةِ؛ فالبرغم من أننا نتفق جميعاً على هدفِ إسقاطِ النظام، إلا أن ذلك ليس كافياً لوحده. نحتاج الى أجندةٍ صلبة يمكن السيرُ على هديها يومياً و تدفع الحركةَ الجماهيرية للمضي قدماً في كفاحِها المجيد من أجلِ حقها في أن يكونَ لها نظامٌ سياسي جديدٌ يرعى و يهتم بالمواطنِ العادي، يحترم حقوقَ الإنسان، يحقق السلامَ، و ينشيء علاقاتِ صداقةٍ مع شعوبِ الإقليمِ و المجتمعِ الدولي.

المعارضة

إن الطيفَ المعارض و المقاوم للحكومة لهو اوسع من التجمعاتِ الرسمية التي تمثلُ القوى السياسة و المجتمعَ المدني. لهذا السبب، هناك حاجةٌ لأن تنفتحَ المعارضةُ و تصلَ الى مجموعاتٍ عديدة ليست ممثلة في التجمعاتِ الحالية، تشمل الشبابَ، النساءَ، الطلابَ، ملاك الأراضي، المجموعاتِ المناهضة للسدود، المهنيين، النازحين داخلياً و اللاجئين، السودانين في المهجر، مجموعاتِ الكفاح المسلح ..الخ. تلك هي الطريقةُ الوحيدة لإضافةِ دينامياتٍ جديدة و لخلقِ قوة دفعٍ ضد حالةِ الركودِ التي تعيشها المعارضة. يتطلب ذلك أيضاً أن تقومَ التجمعاتُ القائمةُ بالإندماجِ او التنسيقِ فيما بينها بطريقةٍ فعالة، على أساسِ برنامجِ حدٍ أدنى مع الإتفاقِ على خطواتٍ صلبة و آلياتٍ لتوسيعِ و تعميقِ المقاومة، من خلالِ التفكيرِ خارج الصندق، و دون ترددٍ من إختبارِ وسائل جديدة للكفاحِ و مخاطبة الحقائقِ الجديدة. من المهم أن تقومَ المعارضةُ بالمراجعةِ النقدية لتجاربِها السابقة و أن تطرحَ على نفسِها السؤالَ المحوري؛ "لماذا استمر وجودُ هذا النظام القبيح بالرغم من كل التضحياتِ الجسام التي قُدمت خلال ال 28 عاماً الماضية؟" يجب أن تكون المعارضةُ على إستعدادٍ لتقبلِ النقدِ و لبدءِ عمليةِ إصلاحٍ تشحذ أدواتَها بما يمكنها من تقديمِ إجاباتٍ طازجة للأسئلةِ الجديدة المثارة اليوم.

الحركةُ الشعبية لتحريرِ السودان – شمال

ولدت الحركةُ الشعبية لتحرير السودان – شمال في ذاتِ الوقتِ الأكثر حرجاً الذي انفصل فيه جنوبُ السودان، و قد حاولت الحكومةُ أن تسحقَ الحركةَ الجديدة بشكلٍ فوري، في وقتٍ شهد تغيراتٍ عظيمة داخلَ و خارج السودان. برزت للسطحِ تساؤلاتٌ جديدة فيما يخص رؤيةِ السودان الجديد بعد إنفصالِ الجنوب، و فيما يتعلق بالقضايا الجوهرية الخاصةِ بالكفاحِ المسلح، تقريرِ المصير..الخ. تحارب الحركةُ الشعبية لتحرير السودان – شمال في المنطقتين في جبالِ النوبة/جنوب كردفان و النيل الأزرق. اثار ذلك تساؤلاتِ عما إذا كانت الحركةُ ستعتمد على أسلوبِ القطع و اللزقِ للأجندةِ و المعالجات الخاصةِ بجنوبِ السودان؛ هل ستكافح من أجلِ بناءِ سودانٍ جديد، موحدٍ و علماني، أم من أجلِ تقريرِ مصيرِ المنطقتين على منوال جنوب السودان؛ و هل ستعمل من أجلِ الوصولِ الى حلٍ شاملٍ أم إبرامِ إتفاق سلام جزئي؟ اُثيرت هذه الإسئلةُ مبكراً و منذ لحظةِ تأسيسِ الحركة، و قد استمرت تشغل الحركةَ الشعبية لتحرير السودان – شمال في ظلِ ظروفٍ متغيرة داخل السودان، على مستوى الإقليمِ، و المجتمعِ الدولي. لم يعد يتوفر للحركةِ الدعمُ الخارجي الذي كان متاحاً لها في ظلِ الظروفِ و المناخِ الذي كان سائداً في العام 1983 و ما بعده، وصولاً الى الحربِ الثانية في 2011. في ظل تدهور و تراجع عام عن أجندةِ حركاتِ التحررِ الوطني على إمتدادِ العالم. و بالرغم من أهميةِ الكفاحِ المسلح، إلا أنه لم يعد ملائماً بالقدرِ الذي كان عليه في الستيناتِ و الثمانينات من القرنِ الماضي. تتضح مجدداً محوريةُ السؤالِ الخاص بأهميةِ إستخدامِ القوة الناعمةِ لربطِ الكفاح المسلح في مناطقِ الهامش بالكفاحِ السياسي السلمي في المدنِ من أجلِ تحقيق التحولِ السياسي الشامل.

فيما يخص سؤالَ تقريرِ المصير، تختلف المنطقتان [جبال النوبة/جنوب كردفان و النيل الأزرق] بشكلٍ كبيرٍ عن الجنوبِ من حيث التكوينِ الإثني للمنطقتين و تاريخهما الخاص. يضاف الى ذلك، لن تجدَ الحركةُ الشعبية لتحرير السودان – شمال، فيما يخص المنطقتين، الدعمَ الذي تلقته من المجتمعين الإقليمي و الدولي من قبل في قضيةِ تقرير مصيرِ جنوبِ السودان. قاد هذا الوضعُ المعقد مع عواملَ أخرى الى إنقسامِ الحركةِ الشعبية لتحرير السودان – شمال. من وجهةِ نظرنا، تحتاج الحركةُ الشعبية لتحرير السودان – شمال الى عمليةِ تجديدٍ يشمل الرؤيةَ و الأهدافَ و الهياكل، بما في ذلك إرساءُ تقاليدٍ ،تحظى بالإحترامِ التام، للتبادلِ السلمى لمواقعِ المسؤوليةِ القيادية داخل الحركة، و كذلك هناك حاجةٌ لإختيارِ قيادةٍ جديدة بشكلٍ دوري بما يمنح الفرصةَ للشبابِ و النساءِ ليكون لهم صوتٌ قوي و مسموعٌ في شئوونِ الحركة.

تُعتبر رؤيةُ السودان الجديد، بشكلٍ مجمل، أهم رؤيةٍ خاطبت قضيةَ البناءِ الوطني منذ 1983. مع ذلك، تحتاج هذه الرؤيةُ الى أن يتم تفصيلُها في برامج مدروسةٍ بعناية حول كيفيةِ الحكمِ الديمقراطي للسودان. لا يكفي الإختباءُ خلف الشعاراتِ الكبيرة و ترديدها دون طرحِ برنامج تفصيلي واضح يخاطب القضايا الإجتماعيةِ و الإقتصاديةِ و الثقافية و السياسية في ظلِ نظامٍ جديد. لحسن الحظ، تمكنت الحركةُ الشعبية لتحرير السودان – شمال، بعد عملِ شاق لمدةِ أربع سنوات مع مجموعةٍ من العلماءِ و الخبراء في مختلفِ المجالات، من إعدادِ برنامج تفصيلي يمكن الإعتمادُ عليه كأجندةٍ لمرحلةِ ما بعد التغيير. تواصل الحركةُ الشعبية لتحرير السودان – شمال، أثناءَ الكفاحِ من أجلِ التغييرِ، إهتمامَها الكبير بقضيةِ الإضطهادِ القومية و المسألة القومية، و ينبغي أن يزدادَ إهتمامُها بقضايا العدالةِ الإجتماعية و الجذور الإقتصاديةِ للتهميش. بالإضافة لذلك، يجب أن تواصلَ الحركةُ سعيَها لبناءِ تحالفاتٍ إستراتيجية مع قوى السودان الجديد ومع التحالفاتِ السياسية القائمةِ حالياً مع قوى المعارضةِ بشكلٍ عام. تحتاج الحركةُ الشعبية لتحرير السودان – شمال، بإعتبارها واحدة من حركاتِ التحرر الوطني، أن تدرسَ بعنايةٍ أسبابَ فشلِ العديدِ من حركاتِ التحرر الوطني، و لماذا انتهى بعضُها الى مآلاتٍ تتناقض مع الشعاراتِ التي رفعتها؟ و يشمل ذلك الدراسةَ النقدية لتجربتنا الخاصة، و كذلك، و بشكلٍ خاص، التجارب في الدولِ النامية.

تواجه أفريقيا أسئلةً صعبة، بما في ذلك التراجعُ عن المشروعِ الوحدوي الأفريقي و وحدةُ القارة و وحدةُ دولها. كيف يمكننا مخاطبة قضيةِ تقرير المصير من دون أن يؤدي ذلك الى تقسيمِ أفريقيا و التسببِ في موضعتها في سياقٍ عالمي يعمل لغيرِ مصلحةِ القارة و الدول النامية عموماً، لكونها الحلقة الأضعف عالمياً. بإيجاز، تحتاج رؤيةُ السودان الجديد لميلادٍ جديدٍ، و وحدةُ الحركةِ الشعبية لتحرير السودان – شمال تُعتبر كذلك أمراً في غايةِ الأهمية.

الحركةُ الإسلامية

الحركةُ الإسلاميةُ السودانية مسؤولة عن أزمةِ البلادِ الحالية، خصوصاً الجناج الذي يحكم السودانَ حالياً من قيادتها. لقد ارتكبوا جرائمَ و أخطاءً غير مسبوقة شملت الإبادةَ الجماعية و فصلَ الجنوب. يجب أن يتغيروا او أن يتم تغييرهم. وضعهم مشابهٌ لحدٍ يزيد او ينقص لوضعِ الحزبِ الوطني في جنوبِ أفريقيا، خلال مرحلةِ الأبارتايد. لكن بالرغم من حسن النوايا التي ابداها السودانيون، فقد فشلوا في الإرتقاءِ للمثالِ الذي خطه دي كليرك في جنوبِ أفريقيا. سوف تستمر الحركةُ الإسلامية في لعبِ دورٍ كبير فقط إذا قبلت التغييرَ و المحاسبةَ و تبني خطابٍ يتوافق مع محدداتِ الديمقراطية و التبادلِ السلمي للسلطة. يجب أن تقبلَ الحركةُ الإسلامية حقيقةَ ان أفضلَ نظامٍ يمكن أن ينتجه الإسلامُ السياسي هو ما تم تطبيقه بالفعلِ في السودان، و يجب عليهم، بشكلٍ او بآخر، قبول صيغةٍ لفصلِ الدينِ عن الدولةِ من أجلِ ضمان مواطنة متساوية.

آلياتُ التغيير

الإنتفاضة

إحتمالاتُ نجاحِ الإنتفاضة كبيرةٌ جداً بالرغمِ من القمعِ و غيابِ الوحدةِ التامة للمعارضة، و التي تُعتبر عاملاً مفتاحياً لنجاحِها و لتحقيق أهدافها. شهد السودانُ إنتفاضتين في 1964 و 1985 اطاحتا بدكتاتوريتين. الوضعُ الراهنُ معقد من وجوهِ عديدة، لكن ذلك لا يستبعد إحتمالَ نجاحِ الإنتفاضة. تجدر الإشارةُ الى أن الإسلامويين الحاكمين قد استولوا على الثروةِ، السلاحِ، الإعلامِ و الصحافة، و هم يسيطرون كذلك على المؤسساتِ العامة بما في ذلك قطاعُ الأمن و القضاء (أي الدولة العميقة). و سوف يستمرون في لعبِ دورٍ سلبي قبل و بعد الإنتفاضة. يجب التعاملُ مع ذلك بحذرٍ و بصلابةٍ من قبلِ المعارضةِ و من قبل اولئك الساعين للإنتفاضة. اعيد التأكيدَ مجدداً على وجوبِ الإعترافِ بالدينامياتِ الجديدة في تكوينِ سكانِ المناطق الحضرية، بما في ذلك غياب الدورِ الهام للطبقةِ الوسطى في المدن. كانت الطبقةُ الوسطى إحدى العواملِ الحاسمة وراء نجاحِ الإنتفاضتين السابقتين. المناطقُ الحضريةُ حالياً منقسمة إجتماعياً و متنوعةٌ إثنياً أكثر من أي وقتٍ مضى؛ و هناك حوجةٌ لمجهواتٍ سياسية كبيرة لتوحيدِ سكانِ المدن حول أجندةٍ سياسيةٍ و منصةِ إنطلاق مشتركة.

إنتخابات 2020

يمكن بالطبع إحداثُ التحولِ السياسي عبر الإنتفاضةِ او الحل السلمي او عبر مؤتمر دستوري او الإنتخابات. آخذين في الإعتبارِ إن الفكرة الرئيسية حول دور الوساطة الإفريقية كانت هي وقفَ الحربِ و الدخولَ في عمليةٍ سياسية ذات مصداقية عبر حوارٍ دستوري قومي. مع ذلك، كانت خارطةُ الطريق الإتفاقيةَ الوحيدة التي وقعت عليها المعارضةُ و الحكومةُ و وقع عليها شاهداً الإتحادُ الإتحاد الأفريقي و المجتمعُ الدولي، بينما ذهبت الحكومةُ قدماً و انهت "حوارَها الوطني." تمثل إنتخاباتُ 2020 فرصةً أخرى لخلقِ عملية سياسية في ظل غياب أي عملية سياسية الآن، و يشترط ذلك مناخاً ديمقراطياً قبل حلول موعدِ الإنتخابات. سوف يعني ذلك قطعياً رفضَ أي تعديلاتٍ للدستور، و وجوبَ عدم السماحِ لعمر البشير بالترشحِ لإنتخاباتِ 2020، بعد 30 عاماً من الحكمِ الديكتاتوري. و سوف يعني أيضاً إنهاءَ الحروبِ عبر إتفاقياتِ سلام و خلق مناخ ديمقراطي و كفالةَ الحرياتِ بما يسمح للمعارضةِ بأن تشارك بفعالية، بالإضافة الى خطواتٍ أخرى. نحتاج الى إنتخاباتٍ تقود الى تغييرٍ و تحولٍ سياسي؛ لا يمكن على الإطلاق للأوضاعِ القائمة أن تحققَ سلاماً او ديمقراطية. تم طرحُ المبادرةِ الخاصة بالإنتخاباتِ من قبلِ الحركةِ الشعبية لتحرير السودان-شمال و هي تحظى بدعمِ قوى أخرى. و قد احدثت نقاشاتٍ واسعةً وسط صفوفِ المعارضة. و هي لا تمثل مقترحاً نهائياً، وإنما خاضعة لمزيدٍ من النقاش و لأن يتم تطويرُها، و نحن في ذلك منفتحون للحوارِ و النقاش مع زملائنا في المعارضة. و مستعدون أيضاً للإستماع الى أي رؤيةٍ تطرح بديلاً أفضل. في الأثناءِ، سوف نواصل العملَ مع أولئك الذين رحبوا بمبادرتنا.

مفاوضات السلام

مفاوضاتُ السلامِ ضروريةٌ لمخاطبةِ خصوصياتِ مناطق الحربِ من أجل تحقيقِ ترتيباتٍ أمنية جديدة، و ضمان المواطنةِ المتساوية، و العدالة الإجتماعية، ضمن سياقٍ وطني أوسع. اود ابداءَ بعض الملاحظاتِ في هذا الخصوص. الحلولُ الجزئيةُ لم تنجح مطلقاً من قبل و لن تنجح مستقبلاً. هناك حاجةٌ لتسويةٍ سلمية شاملة، بالإضافة الى الربطِ العضوي بين التحولِ الديمقراطي و التسويةِ السلمية. لقد اثبتت التجربةُ عدمَ إمكانية تحقيقِ سلامٍ مستدام من دون التحولِ الديمقراطي.

فيما يخص الإنقسامِ الحالي في الحركةِ الشعبية لتحرير السودان – شمال، يجب على الوساطةِ و على المجتمعِ الدولي أن يضعا في الإعتبارِ، بجديةٍ تامة، أن عمليةَ السلام تقتضي إنخراطَ جناحي الحركة، و أنها يجب أن تكون عمليةً شاملة للجميع و أن تقومَ على أساسِ قرارِ مجلسِ الأمن الدولي رقم 2046، و على القراراتِ اللاحقة للإتحادِ الأفريقي، و على الوثائقِ التي تم الإتفاقُ عليها بواسطةِ الطرفين و الوساطة، و على وجهِ الخصوص الوثيقةُ الإطارية و تلك المتعلقة بوقفِ العدائيات. ستؤدي محاولةُ عزل أي طرفٍ من الأطراف الى تكرار تجربةِ الماضي في أبوجا و غيرها. سوف يشجع ذلك على إستمرارِ الحربِ و سوف يخلق شكوكاً حول العملية نفسها. في جانبنا في الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال، نحن جاهزون لتقديمِ أفكارٍ جديدة حول كيفيةِ العمل سوياً مع رفاقنا في الجناح الآخر و مع الوساطة، مع الوضعِ في الإعتبار بوجه خاص ضرورة كسر الجمود فيما يتعلق بالوضع الإنساني. تجدر الأشارةُ هنا أيضاً الى أننا، في الجانبِ الخاص بنا في الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال، لا نتطلع الى قسمةٍ للسلطة و الثروة في ظلِ إستمرار الوضع القائمِ حالياً، تكون محصورةً بين النخبِ من الأجنحةِ المتحاربة، و لكننا نتطلع بدلاً عن ذلك الى وضعيةٍ تضمن صيغةً لقسمةِ السلطة و الثروة لصالح تمكينِ الناس المهمشين العاديين و ليس النخب. لم تعد لدينا رغبةٌ في قسمةِ السلطة مع الحكومةِ الحالية. لكننا نرغب في تحقيق سلامٍ دائمٍ و قابلٍ للإستدامة.

علاقاتُ السودان الخارجية و الدينامياتُ المتغيرة

منذ أن قطع السودانُ علاقاته الدبلوماسيةَ مع إيران، و شارك في حربِ اليمن، و بدء في عمليةِ تطبيع مع أروبا و الولايات المتحدة، والتي رفعت عقوباتَها التي كانت مفروضةً على السودان، سادت فكرةُ أن السودانَ يمضي في مسارٍ جديدٍ في علاقاته الخارجية. في جانب المعارضة، ظللنا على الدوام نؤكد بأن السودان لن يغير بتاتاً سياسته تجاه الخارج إذا لم يغير سياسته داخل السودان نفسه. إن الحاجةَ لتحقيقِ السلامِ و الديمقراطية و إحترامِ حقوقِ الإنسان غير قابلة للفصل عن سلوكِ النظامِ الخارجي. لم يستغرق الأمرُ وقتاً طويلاً قبل أن يدرك البشيرُ و مجموعتُه حاجتَهم للتغيرِ داخلياً، و يشمل ذلك عدداً من زملاءِ البشير و من بين صفوفِ مجموعته و الذين باتوا ينظرون اليه كعبء، و هو المطلوبُ بواسطة المحكمةِ الجنائية الدولية. يدرك هولاء بأنه لا مجالَ لقبولهم من قبلِ المجتمع الدولي بشكلٍ كامل من دون التخلصِ من البشير. خلقت عمليةُ التطبيع بين السودانِ و العالمِ الخارجي دينامياتٍ جديدة داخل السودان جعلت البشير ينهي سريعاً شهرَ عسل التطبيع، طارحاً خياراً وحيداً وهو أن يتم التطبيعُ وفق شروطِه هو، بما يعني أن يستمر في حكمِ السودان لما بعد 2020، و بعد أكثر من 30 عاماً. يحدث ذلك أيضاً في ذاتِ الوقت الذي يشهد إنقساماً داخل صفوفِ الطبقة الحاكمة بسببِ الموقف من وضعيةِ و مستقبل البشير. يجري البشير ترتيباتٍ جديدة داخل و خارج السودان. خارجياً، قام بزيارةِ روسيا، بصفتها عضواً دائماً في مجلس الأمن، بغرضِ الإعتمادِ عليها في مواجهةِ أعضاءٍ آخرين في مجلس الأمن على رأسهم الولايات المتحدة. لم يفكر الجنرالُ البشير بطريقةٍ جدية في الإختلافاتِ الجيوسياسية بين سوريا و السودان. قام مجدداً بتعزيزِ الروابطِ القوية التي تربطه مع تركيا و قطر. تم تأكيدُ ذلك من خلالِ الإجتماع الذي ضم رؤساءَ أركانِ جيوش الدولِ الثلاث [في الخرطوم]، و الذي يُعتبر مؤشراً على ان التحالفَ يشتمل على جوانب عسكرية و أمنية. قام البشيرُ أيضاً بمنحِ جزيرةِ سودانية في البحرِ الأحمر لتركيا لتقوم بإدارتها، و تلك رسالةٌ خطيرة موجهة للسعودية و لدول الأقليم الأخرى. هناك مؤشراتٌ مؤكدة تفيد بان البشير يستعيد علاقاتَه بإيران و يعمل مع تركيا، قطر، و ليبيا، كما يقوم أيضاً بدعمِ الأخوان المسلمين المصرين. يأتي التغييرُ الديناميكي الجديد خصماً على حسابِ السلم و الإستقرار داخلياً و خارجياً، و هو مرتبط عضوياً بالوضعِ الداخلي في السودان. البشير متوجسٌ و خائفٌ من المحكمةِ الجنائية الدولية، و يعتقد أن التشبث بالسلطة هو الوسيلة الوحيدة لحماية نفسه، خصوصاً انه قد ادرك عدم رغبة المجتمع الدولي [في تنفيذ أمر القبضِ الصادر ضده] منذ أن تم توجيه الإتهامِ اليه، و يعتقد ان بإمكانه البقاء في السلطة.

الهجرةُ، مكافحةُ الإرهاب، التجارة، الإستثمار و الشراكة مع السودان

لدينا قناعةٌ بأن الحكومةَ السودانية لا يمكن أن تسهمَ بفاعليةٍ في مكافحةِ الهجرة غير الشرعية من غير مخاطبةِ الأسباب الجذرية للهجرة داخل السودان، و إنهاء الحربِ و التهجير الداخلي لمواطنيها داخل و خارج السودان. تكفي الإشارةُ الى أن هناك 6 ملايين من السودانين، حسب إحصاءاتِ الأممِ المتحدة، من النازحين داخلياً و اللاجئين خارجياً بما يجعلهم مهاجرين محتملين. و طالما استمر السودان كمصدرٍ لعدمِ الإستقرار في ليبيا، جنوب السودان، و دول أخرى، فلن يساعد مطلقاً بفعاليةٍ في مكافحةِ الإرهاب. الإرهابُ جزءُ لا يتجزأ من رؤيةِ و أهدافِ الحكومية السودانية طوال العقودِ الماضية. فيما يخص التجارةِ و الإستثمار و إعفاءِ ديون السودان، سوف يتطلب ذلك مناخاً صحياً داخل السودان، و يتطلب أيضاً توقفَ حكومة السودان عن إرتكابِ جرائم الحرب و الإضطهادِ الديني، و أن تحترم حقوقَ الإنسان، تنهي الحروبَ، و تستمر في التطبيع مع العالمِ الخارجي بينما تحدث تحولاً سياسياً داخلياً، خصوصاً وأن السودان ما يزال مدرجاً في قائمةِ الدولِ الراعية للإرهاب و ما يزال الرئيس مطلوباً للمحكمةِ الجنائية الدولية.

تجدر الإشارةُ الى أن البرلمانَ البريطاني كان قد اصدر قراراتٍ مهمةِ بشأن السودان، و نحن نثمن عالياً تقريرَ المجموعةِ البرلمانية المكونةِ من جميع الأحزابِ (APPGS) عن السودان، و الذي تم إعدادُه عبر دراسةٍ دقيقة و تفصيلية. آخذين في الإعتبار جميع هذه العوامل، السودان يمكنه فقط خلقَ إستثماراتٍ مع المملكةِ المتحدة و أوروبا عموماً، من خلالِ تغييرِ المناخ السائدِ حالياً و تحقيق السلامِ و الديمقراطية. و بما أنني اتحدث في المملكة المتحدة، و واضعين في الإعتبارِ العلاقات التاريخية بين البلدين و الوجود الكبير للسودانيين في المملكة المتحدة، خاصةً المهنيين، اعتقد أن الأمرَ يتطلب أن تبذل المملكةُ المتحدة مزيداً من الجهودِ فيما يخص السودان. نثمن إنخراطَ المبعوثِ البريطاني الخاص في عمليةِ تحقيق السلام و التحولِ الديمقراطي في السودان. لكن نؤمن بذاتِ القدرِ بأن المملكة المتحدة، دول الترويكا، و أروبا تحتاج الى صياغةِ إطارٍ يُربط بتحقيقِ السلامِ و التحولِ الديمقراطي في السودان بوصفه متطلباً لعمليةِ تطبيع العلاقاتِ مع حكومةِ السودان و أيضاً عبر سياسة منسقة بين أطراف المجتمع الدولي تجاه السودان.

أخيراً، يصادف يومُ الغد، 18 يناير، ذكرى شهيدِ الفكر و بطل الحرية، الأستاذ محمود محمد طه، زعيمُ الأخوان الجمهوريين، و الذي تم التنكيلُ به بواسطةِ الدكتاتور جعفر نميري عشية إنتفاضةِ 1985، و لهذا، اسمحوا لي أن اهدي اليه هذا الخطاب.

اشكركم مجدداً