بسم الله الرحمن الرحيم

نعي أليم

رحل بالأمس وفي سكون، المفكر الدبلوماسي السياسي الأديب د. منصور خالد، وكعهد هدوئه ورزانة تفكيره، جاء رحيله هادئاً، الآجال مكتوبة، ولكن كأن القدر ينبئنا بهذا الرحيل في هذا التوقيت، بأنه يكفي هذا الوطن ما فيه من أحزان، وطن ما زالت ولعشرات السنين أوركسترا الآلام هي التي تشنّف مسامع شعبه بمقطوعاتها الأليمة. د. منصور خالد، ذلك العَلَم الذي في رأسه نار، أعطى كل شئ ولم يأخذ أي شئ. تتحدث عن الفكر فتجده أمامك، وتتحدث عن السياسة فهو دونك، وتُنقّب في الأدب فتأثرك منه الرصانة والبلاغة واللباقة. رصيده الزاخر من الإشعاع والتوعية بلا حدود، ذلك أن كل كلمة خطّها كانت كتاباً يملأ فضاء المعرفة.
ظل ومنذ بواكير مسيرته السياسية مناضلاً من أجل وطن يسع الجميع، فقد أدرك باكراً أن وطناً يتقوقع في الإستهواء بالإستفغال لن يسع الفياض الوطنية التي بدأت تختزن ما ينبغي أن تكون عليها الدولة وما يجب أن يكون عليه الوطن، وبأن الغاية أبعد أفقاً من رحاب الإنزواء في قمقم، هذه الفياض المتطلّعة للإنطلاق في فضاء أرحب. لذلك شد الرحال للعمل من أجل السودان الجديد، ولم يكن ذلك ممكناً في ظل الطوق الذي يحبس أنفاس الفكر والتفاكر، فكانت أحراش الوطن أكثر قدرة على استيعاب مراميه حينما فشلت نُخب أن تنهل مما فيه.
مضى على طريق الحرب والسلام يحمل شعلة تتوهّج، تنير ولا تحرق، ينشر حمائم السلام عندما تستعر الحرب، مدركاً أن أجيالاً من هذه الأمّة قادمة لا بد أن تتماهى مع المنطق حيث فشلت قبلها أجيال أن تستوعب ما كان به ينطق. فكان حاضراً بثقله في سلام أديس أبابا 1972، ثم في نيفاشا 2005م وإن جلس فيهما مجلسين، وبين هذه وتلك لم يتوقّف قلمه عن نشر المعرفة وتمكين الثقافة التي أزهرت أكاليلاً عجز الكثيرون عن أن يتوشّحوا بها وما أبأسهم. وهل يتواءم صقيع الجمود مع دفء الإدراك، بل هل يتفيأ النكران يوماً مجالس الحقيقة، أم تتناغم ندود الأقوال مع جلد الأفعال.
لن نفي منصوراً حقّه علينا وقد كان بيننا، فأنّى لنا أن نعدد ذلك وقد غادرنا، كان أديباً يستكمن المشاعر الدافقة ويستضمن النوايا الصادقة فلا تعلمها من الأقوال، لكنك تألفها من الأفعال، ويتوسّد الخصال السامقة، لكنه ما كان يهدأ له بال إلا بعد أن تتناثر كلّها نفحات عاطرة تتهاطل في عقول الجميع ممن يقرأون كتاباته، التي ألِفَهَا الوراق مما خط قلمه وحبره من ألق في كل مغرب ومشرق فلق. فأضحت زروعاً شتلها في العقول، وغداً حتماً ستُثمر كل تلك الحقول.
كثيرون ممن حملوا مشاعل الحرية والسلام والعدالة قد مضوا وقد كانوا وقوداً لها. في خضمّ وباء الكورونا المستجد الذي خيّم على العالم وبلادنا منها، فقدنا الأستاذ فاروق أبو عيسى، وتبعه الأستاذ إدورد لينو، وها هو د. منصور خالد يتنقّب خطاهم، بعد أن عطّر فضاءآتنا المعرفية بفكر منمّق من مآثر القول وعذبه، وبسط لنا مساحات يجول فيها الإدراك بعطاياه بلا حدود، في آفاق يمضي ساريها وزاده من كتاباته تسود، تنقله بشغوفها وتؤثره ثقافتة بنفوحها وتأسره علومه بحبالها وتروضه آدابه بلجامها. ننعي اليوم في حزب العموم السوداني، د. منصور بكلمات تتواضع وإن بانت بلاغتها عند مقامه، وتتصاغر وإن تراقت فوق بواسق الاشجار وعلى كل فِنانْ، لأنه ذلك الإنسان.
فإن افتقدنا علماً من أعلام الأمّة، ذلك من تأكيد سنة الحياة، في ترسيخ قول الله سبحانه وتعالىَ، كل نفس زائقة الموت. لكن تبقى ما اختزنته افئدة الشعب السوداني من إنسانيته وما تنسمته ذاكرته من جمائله وما سترثه الاجيال من فكره وثقافتة. فالله نسأل أن يفيض عليه من رحمته ومغفرته، وأن يتجاوز عن مزالقه ويلهم أسرته وآله وصحبه ومحبيه وأصدقائه ورفقائه في الحركة الشعبية لتحرير السودان وقرّائه وسائر الشعب السوداني جميل الصبر والسلوان، إنا لله وإنا إليه راجعون.

حزب العموم السوداني
الجمعة 24 أبريل 2020م