برحيل المدافع الحقوقي الصلب د. أمين مكي مدني اليوم الجمعة الموافق 13 أغسطس، افتقدنا إحدى عبقريات الفكر المنتج لثقافة الاستنارة والدفاع عن حقوق الإنسان ومصالحه وتطلعاته في الحياة الحرة الكريمة والديموقراطية. رحلت طاقة معطاءة وشمس فكرية ساطعة ظلت تمنح الحياة قدرات المقاومة، ورفض التداعيات السلبية، والرد على أساليب القمع والمصادرة والاستلاب في يوميات النضال في السودان منذ الستينات مرورا بالعقود التالية محمّلة بأعباء الصراعات والتناقضات التي حكمت المرحلة، فلم يمل أو يكل يوماً.
إنَّ رحيل هذا المفكر الإنساني الكبير إشارة لرحيل مدافع آخر ظل حريصا على الثبات المبدئي الأمين لإعلاء الفكر الحقوقي الوفي للحرية المسؤولة ولتطلعات أبناء الشعب ومفكريه الذين طالما وقعوا أسرى التهميش وراء جدران السجون والمعتقلات كما عاناها هو نفسه لسنين طويلة ولكنها لم تثنِ عزيمته عن ولوج مسيرة البناء ودعم كل ما هو إيجابي وصحيح.
لقد شغل الدكتور أمين مكي مدني مناصب ومسؤوليات عدة في المنظمات غير الحكومية، فهو أحد الأركان الرئيسية في نقابة المحامين السودانيين التي لعبت دوراً رائداً في تأسيس التجمع النقابي والتجمع الحزبي الذي عبأ وقاد انتفاضة أبريل 1985. كما عمل بمجلس الوزراء وزيراَ للأشغال والإسكان في الحكومة الانتقالية الديمقراطية 1985 – 1986 ويعد من المؤسسين للمنظمة السودانية لحقوق الإنسان منذ مطلع الثمانينات ورئيسها (في المنفى)، لندن 1992 وحتى مايو 1999. وهو من مؤسسي المرصد السوداني لحقوق الإنسان في السودان 2008. رئيس كونفدرالية المجتمع المدني 2012. كما ترأس مبادرة المجتمع المدني في ديسمبر 2014. فأدى فيها مهامه بعبقرية مميزة مما جرّ إليه أعداء الإنسان وحريته فزجوه في غياهب زنازينهم؛ لكن ألمعيته دائما كانت تنتصر ليصل بضيائه إلى بلدان ومؤسسات أكاديمية أعلت مكانة العلم ومنطق العقل المستنير.
وللدكتورأمين مساهمات وافرة في سوح المنظمات والدولية فقد شغل منصب رئيس المنظمة العربية لحقوق الإنسان، وعضو مجلس الأمناء منذ عام2004. كما شغل منصب ممثل المكتب الإقليمي للمفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان في المنطقة العربية بيروت، فبراير 2002- أكتوبر 2004، ثمّ المستشار القانوني للممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة في العراق، أغسطس 2003. ثم رئيساَ لبعثة مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، كرواتيا مارس 2001. فرئيساَ لمفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان في الضفة الغربية وغزة من مايو 1997 إلى مارس 2001. المستشار القانوني للصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي، الكويت 1995-1997. البنك الدولي وآشنطن 1975- 1976 مفوض الأمم المتحدة السامي لشؤون اللاجئين بجنيف وتنزانيا، 1971-1975.
ظلّ الفقيد الراحل مشدودا إلى وطنه وشعبه متقدم الصفوف بإنتاجه الفكري المثابر لينتج مؤلفاته ومقالاته الكبيرة والتي أبرزها؛ جرائم انتهاكات القانون الإنساني الدولي في السودان، انطباق اتفاقية جنيف الرابعة على الأراضي الفلسطينية المحتلة، المحكمة الجنائية الدولية، عالمية حقوق الإنسان، دور المحامين في تعزيز حقوق الإنسان.
إنَّ أمين مكي مدني يظل نموذجا يُقتدى به ويؤخذ منه، كونه المنهل المجرّب الذي ستبقى مؤلفاته وأعماله دروسا، ومواقفه عبرا، وعطاؤه منبرا وينبوعاً للأوفياء على مباديء الدفاع عن الحريات والديموقراطية والسلم وتعزيز حقوق الإنسان وبذر بذور الإستنارة في السودان.
مركز الخاتم عدلان للاستنارة ينعى فيه صلابة المواقف وحبه للوطن وتساميه على الصراعات، عزاؤنا لأسرته ومحبيه، لأقربائه وأصدقائه، وزملائه وتلامذته، ولأكاديميي السودان وتحالف المحامين الديمقراطيين و المرصد السوداني لحقوق الإنسان و كونفدرالية منظمات المجتمع المدني ومبادرة المجتمع المدني في فقده ورحيله. والبقاء لتراثه السامي؛ والخلود والذكر الطيب لاسمه الساطع سيظل ملهماً وضياء للمدافعين عن حقوق الإنسان .
مركز الخاتم عدلان للاستنارة
31 أغسطس 2018م