عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

عبد الله الطيب المَجذوب 
من المجذوب … يا ترى .. أهو أم نحنُ؟
نحن المجذوبين إلى من رفع اللُغة إلى مقامها السامِق وتحت ظلالها الوارفة نستظِل .
إن سَألته عن البلاغة… ،يأخُذ بيدك إلى بحرها :
يغطس معك فرسخاً إلى العمق السحيق ، بنفَسٍ واحد . سباحة صائدي اللؤلؤ في الزمن الغابر ، يريك :   
  "
أفراس البحر" هُنا،  "الرُبيان" و" الحّبار" هناك. يطوف بك أسماك  "الحمرا" و "الزريدي" و "الشعم " و "السردين" .يلاعبكما "الدرفيل"وأنتما تهبطان الى قواقع "المريق" و فسيفساء "المرجان" و "الصدف".
لن تستطع مع "عبد الله " صبرا .
يدخل الماء إلى رئتيك و أنت تبحِر . إنك برفقة مارد من مردة اليّم، خرج لتوه من قُمقُمه و ضمّك إلي جناحه ، وشَقَ بِك الوّجد الدّفين...هيهاتَ الفرار .
إن زرت حديقة لُغة "عبد الله " الوارفة، يريك :
  "
القسموس “ و زهره الأحمر ، "البوغنفيلية" و "اللوتس" ."الياسمين " و "السوسن" . "الغردينيا" هناك ، ولكنك تقف برهة عند "الكاميليا"و "الفوشيا". تعبُر إلى "الزنبق" و "زهر الرمان" و "العنبر" . عند "البنفسج" تستريح ثم يدخلك على "التوليب"و "الشقائق" . من "الأقحوان" إلي " القَرنفُل"… تلك تتكئ على كتفك ، و أخرى تلتف حول الخاصرة .هذه تتوجس من قدميك و أنت تطأ البُساط الأخضر قربها ، فغريب اللُغة العربية فاكهة يستعصي طعمها على النُطق . يُجّلجِل "سيدنا " من الضحك عند سماعه الأخطاء الفادحة … يسألك من أي القبائل السُودانية أرفد تَ نفسك ؟… يُخبرك عن الإمالة و الكشكشة و العنعنة … و كل ما يصيب اللُغة من رياح الأعاجم .
       
لن تَستطع مع " عبد الله " صبرا.
    
إن سألته عن الشعر ، يدخلك قصره السُلطاني المهيب .. منذ آلاف السنين ، عَبق التاريخ يفوح من نَفَسه . يعبر بك طُرقات الرّمل الرّخوة ، تستظل من هجير الشمس اللافح ، من خيمةٍ إلي خيمة.بين الشُعب و الأوتاد . يهمُس في أذنيك الندى من على صفحة جلد الماعز المنتفخة . ُيمسك "سيدنا" قبضة من الرمال في يده :
 [
هذه بقايا المحروق من عيدان الطهي . صاحبنا نظر الأطلال ،انتظر الليل يُرخي سدوله....ثم رحل. تلك أبياته الدامعة . بقايا روث الدابة لم يزل مدفوناً هُنا]
     
يفُك "سيدنا" الطلاسم ، ينقِّب تاريخ من وطئت سفائنه الرمال.
     
كان حفيد المجذوب جّنة نعبُر رياحينها عند كل غُروب ، مع "الشيخ الصديق" نتسمّع شروح الذكر الحكيم ،يغرف"سيدنا" من مائه العذب و يُسقي العامة من الناس....ألا قد نَعُم بمرقده الثرى،كل النعيم. أضاءت ثُرّياته الأرض الفسيحة ،فضَّمته إلي صدرها الأبدي عِشقاً . من يفلح الأرض ،من بعده و يزرعها ..يقطُف ثمرة "المجذوب" الدانية... نسائمه العطِرة تخرج إلينا بثيابها القشيبة . خزائنه  مفتوحة على مصاريعها للقاصي و الداني. انتظر "سيدنا" قليلاً من الزمان...ثم يتّمنا و رحل.

عبد الله الشقليني