عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.


كان أستاذ الأجيال وعميد الأدب العربي في السودان البروفيسور عبد الله الطيب، الذي رحل عن دنيانا الفانية إلى رحمة الله الواسعة بإذنه تعالى قبل بضعة أسابيع، عالما موسوعيا بكل ما تحمل هذه الكلمة من معنى. ولئن كانت شهرته في الأوساط الأكاديمية والإعلامية العربية والعالمية وحتى السودانية منها، تكاد تنحصر في كون أنه كان أستاذا جامعيا مرموقا وكاتبا فذا وشاعرا فحلا وباحثا أصيلا ومبدعا متميزا في مجالات اللغة و الشعر والأدب العربي بصفة خاصة،فإن هنالك جوانب من تركته العلمية و الثقافية الخصبة لم تجد حظها اللائق بها من الاستقصاء والتنويه بها ولفت الانتباه إليها. أعني بذلك إسهاماته الأصيلة والمتميزة في مجال الدراسات السودانية. والدراسات السودانية، في مصطلح الباحثين السودانيين وغيرهم من الباحثين الأجانب المعاصرين المهتمين بالشؤون السودانية، هي حقل معرفي ومضمار أكاديمي وبحثي يعنى بالدراسات التي تتناول المسائل المتعلقة بالسودان عبر مناهج العلوم الإنسانية الحديثة بصفة خاصة مثل: الاقتصاد واللغويات والأنثروبولوجيا والفلكلور والعلوم السياسية والتاريخ وهلمّ جرا.
وكأنما كان هنالك انطباع  لدى البعض بأنه لا ينبغي أن تكون لعبد الله الطيب علاقة بالدراسات السودانية بحسب التوصيف الذي أوردناه عنها آنفا، لأن عبد الله الطيب كان في نظرهم رجلا تقليديا و"دقة قديمة". فقط لأنه كان يؤثر الجزل القديم من الأساليب الشعرية والنثرية.
ولكن الواقع هو أن عبد الله الطيب قد كان يضرب بسهم وافر جدا في الدراسات السودانية، وهو ما نأمل  أن نلقي بعض الضوء عليه من خلال هذا المقال. وسر اهتمام عبد الله الطيب بالدراسات السودانية، يكمن في تقديرنا الخاص في كون أنه كان رجلا صادق المحبة لوطنه السودان ولشعبه ولتاريخه وتراثه. وقد بادله أهل السودان هذه المحبة بالطبع، وقدروا تميزه ونبوغه في مجال تخصصه حق التقدير.
وحب عبد الله الطيب للسودان وللحياة السودانية تنم عنه كتاباته وذكرياته عن طفولته ونشأته الأولى التي يبدو أنه كان سعيدا بها جدا. تجد أثر ذلك واضحا في كتابيه عن سيرته الذاتية " من نافذة القطار " الذي صدر في ستينيات القرن الماضي، و " من حقيبة الذكريات" الذي صدر في الثمانينيات من نفس القرن. وأسلوب هذين الكتابين يشفّ عن روح مرحة وتوازن نفسي وتفاؤل وإيمان ومحبة للوسط الذي كان محيطا بالمؤلف من بيئة طبيعية واجتماعية و  أسرة وكتّاب قرآن "خلوة" لا تجدها في كتاب "الأيام" لطه حسين على سبيل المثال.
و قد ظل عبد الله الطيب يحمل ذلك الحب الدفين لذكريات طفولته ولمظاهر الحياة في السودان بصفة عامة بين جوانحه، حتى كبر وشب عن الطوق. فهاهو يصيح متبرما من العيش في لندن التي بعث إليها لنيل درجة الدكتوراه في منتصف أربعينيات القرن الماضي، ويتذكر السودان والنيل ويحن إلى مراتع صباه بقوله:
بلندن ما لي من أنيس ولا مال         وبالنيل أمسى عاذلي وعذالي
ولما رجع إلى  السودان بعد نيله الدكتوراه في الأدب العربي من جامعة لندن في عام 1950، عمل أولا بقسم مناهج اللغة العربية بمعهد إعداد المعلمين بمعهد التربية ببخت الرضا بوسط السودان، وذلك قبل أن يتم تعيينه  أستاذا للأدب العربي بكلية الآداب بجامعة الخرطوم في عام 1955 ، أو قبل ذلك بقليل. وفي " بخت الرضا "، ألف كتاب " سمير التلميذ " للمطالعة الذي كان مقررا على تلاميذ المدارس المتوسطة. وهنالك أيضا، نظم بعض الأناشيد والمحفوظات اللطيفة – من وحي ذكريات طفولته الحبيبة إلى نفسه بلا ريب-  لتلاميذ المدارس الأولية " مرحلة الأساس" ما يزال بعضها يدرس حتى الآن مثل:
لي قطة صغيرة      سميتها سميرة
و"  جاء إسماعيل تبدو     بسمة في شفتيه"
و " شوينا السنبل النضر  على الجمر على الجمر"  وغيرها ، وغيرها.
وبالطبع لا يقتصر كتابا " من نافذة القطار" و" من حقيبة الذكريات" على تدوين السيرة الذاتية للمؤلف فحسب، ولكنهما يشتملان أيضا على لمع عظيمة الفائدة في إضاءة بعض جوانب الحياة الاجتماعية والثقافية والفكرية والسياسية في السودان، كما أنهما يقدمان صورة قلمية توثيقية رائعة لما كانت عليه الحياة داخل المؤسسات التعليمية في سودان ذلك العهد، مثل كلية غوردون التذكارية وغيرها، خلال النصف الأول من القرن العشرين. وذلك لعمري مما لا غنى عنه لأي باحث مهتم بالدراسات السودانية في هذا الجانب، وخصوصا فيما يتعلق منها بتاريخ التعليم والثقافة في البلاد وتطورهما.
ويظل كتاب " الأحاجي السودانية " وهو كتاب جمع فيه المؤلف بعض الحكايات الشعبية التي سمعها في وقت طفولته في منطقته من بلاد الجعليين بشمال السودان، ودونها بلهجتها  العامية كما سمعها، يظل أشهر أثر لعبد الله الطيب في مجال الفلكلور السوداني، وخصوصا لدى الباحثين الغربيين. وقد ترجم ذلك الكتاب إلى عدد من اللغات الأوروبية، وأحسب أن المؤلف نفسه – فيما بلغني -  قد فرغ من ترجمته هو بنفسه إلى اللغة الإنجليزية قبل سنوات قليلة، وإن كنت لا أدري إن كان قد نشر أم لا. ومن المصادر المتميزة في مجال دراسات التراث الشعبي في السودان أيضا، سلسلة مقالات باللغة الإنجليزية  نشرها عبد الله الطيب في مجلة " السودان في رسائل ومدونات" Sudan Notes & Records في خمسينيات القرن الماضي تحت عنوان: "عادات آخذة في التغير في بلاد السودان النيلي" Changing customs in riverain Sudan.
بيد أن إيمان عبد الله الطيب الراسخ بأصالة العروبة في السودان، واعتقاده في  فصاحة اللهجة العامية في السودان وقربها من اللغة الفصحى، قد شكلا الإطار الإيديولوجي- إذا جاز التعبير – لاجتهاده ودأبه الملحوظ في تأثيل الألفاظ العامية وطرائق التعبير الدارجة في السودان ومحاولة ربطها باللغة الفصحى. وهو نهج يشبهه فيه نفر من كبار الأساتذة في بعض البلاد العربية مثل إبراهيم السامرائي في العراق، وعلي فهمي خشيم في ليبيا على سبيل المثال فقط. ومن هذا المنطلق فإنه قد كان لعبد الله الطيب إسهام مقدر جدا في مجال علم اللغةLinguistics وخصوصا علم دراسة اللهجات  Dialectology في السودان.
ومن آيات فرط تعلق عبد الله الطيب باللهجة العامية في السودان ووعيه المتقدم بأهميتها كأداة توصيل إعلامي وثقافي في بلاد غلبت الأمية على أهلها إلى زمان قريب، هو حرصه على تفسير القرآن الكريم كله بها عبر أثير موجات الإذاعة السودانية ابتداء من عام 1959. وقد عمد إلى طبع تفسير جزء عمّ باللهجة العامية السودانية " لهجة وسط السودان" الذي نشرته دار جامعة الخرطوم للنشر، وهو يشكل في تقديري مصدرا غنيا بالنسبة  لدارسي اللهجات العربية العامية في السودان.
ومما يلاحظ هو أن عبد الله الطيب كان يحرص أثناء تفسيره للآيات، على اتباع رواية أبي عمر الدوري عن أبي عمرو بن العلاء البصري، وهي الرواية الأكثر شيوعا في السودان، قبل انتشار رواية حفص عن عاصم بن أبي النجود الكوفي التي أدخلها الأساتذة والمشائخ المصريون إلي البلاد في القرن التاسع عشر الميلادي، وكرستها المدارس و مؤسسات  التعليم النظامي. والغريب أن الشيخ صديق أحمد حمدون  الذي كان يتلو الآيات للدكتور/ عبد الله الطيب لكي يفسرها، والذي نرجح أن يكون قد تخرج في إحدى الكتاتيب التي تدرس برواية الدوري، كان يقرأ برواية حفص. وذلك شاهد آخر على اهتمام عبد الله الطيب بمظاهر الثقافة السودانية وهويتها المتميزة.
وكان مما سمعته عنه شخصيا في هذا الباب، أن مكتبة الكونقرس بواشنطون تحتفظ بتسجيل كامل لتفسيره للقرآن كما سجله هو بإذاعة أم درمان، بينما أضاعت إذاعة أم درمان نفسها بعض حلقات التسجيل مما اضطرها لإعادة تسجيل الحلقات المفقودة بتلاوة الشيخ/ إبراهيم كمال الدين، عوضا عن الشيخ/صديق أحمد حمدون الذي كان قد توفي قبل ذلك ببضعة أعوام.
هذا، ومن أغرب ما سمعته منه من خلال إحدى حلقات برنامجه التلفزيوني الشهير " سير وأخبار" التي أعيد بثها بعد وفاته بأيام قليلة، مما يدخل في باب الدراسات الفلكلورية واللغوية أيضا، أن البروفيسور سارجنت، أستاذ اللغة العربية بجامعة كمبريدج، والذي كان قد زامله سابقا في التدريس بجامعة لندن، قد أخبره أن سكان جزيرة " سوقطرة " التي تقع في المحيط الهندي، يسمون نجوم الدب القطبي " العنقريب". والعنقريب في لغة أهل السودان العامية، هو سرير تقليدي من خشب وحبال أو من خشب وسيور جلدية، وهو أيضا نجوم القطب الأربعة تماما كما في كلام أهل سوقطرة. وقد سميت تلك النجوم بالعنقريب تشبيها لها به. وهو مثل قول العرب فيها " بنات نعش". و بالطبع فإن  الصلة بين النعش الذي يحمل  الميت والعنقريب، تبدو واضحة جدا.
ومن آرائه الطريفة، أنه ينبغي أن يكون لتشبيه السودانيين في كلامهم العامي للشيء بأنه قديم موغل في القدم بأنه " من سنة حفروا البحر " أصلا علميا واقعيا. ويحاول التدليل على ذلك بقوله إن الجيولوجيين يقولون إن النيل كان ينتهي في الزمان القديم عند خانق " السبلوقة " أو الشلال السادس، بينما تقول الأسطورة إن بعض ملوك السودان الأقدمين قد أمر رعيته بأن ينقبوا الشلال السادس حتى ينساب الماء كي يروي الأراضي الصحراوية القاحلة شمالا، فجعل الناس من بعد يؤرخون بذكرى ذلك العمل التسخيري القاسي.
ومن سديد ما سمعته منه من تأثيل  لبعض الألفاظ العامية في السودان، قوله إن لفظة " الدود" التي يطلقها السودانيون – وكذلك عرب تشاد -  في لهجتهم الدارجة على " الأسد"، هي من أرومة عربية فصيحة. وقال في ذلك إن الأسد في اللغة الحميرية كان يسمى " دودان "  حيث تقوم الألف والنون اللتان في نهاية هذه الكلمة مقام أداة التعريف  في لغة حمير. فكأنها هي " الدود " السودانية نفسها. واستشهد عبد الله الطيب  على صحة تخريجه ببيت شعر  لامرئ  القيس يهجو فيه بني أسد جاء فيه:
       
إنّ دودان عبيد العصا... الخ.
والمعروف هو أن حجر بن عمرو آكل المرار ملك كندة ووالد امرئ القيس الشاعر، كان قد أنزل على قبيلة بني أسد عقوبة الإعدام ضربا بالعصا، فسموا بذلك عبيد العصا. والمعروف أيضا هو أن بني أسد قد انتقموا لاحقا لأنفسهم من الملك حجر وقتلوه.
وفي معلقة الأعشى ميمون بن قيس – وإن شئت مطولته – أيضا:
    
من نواصي دودان إذ حضر البأ    س، وذبيان والهجان العوالي
وقد فسر شارح كتاب " جمهرة أشعار العرب " لأبي زيد القرشي الذي وردت فيه هذه القصيدة، كلمة دودان بأنها تعني: " قبيلة من بني أسد ".
والشاهد هو أن الرأي الذي قال به عبد الله الطيب في معنى لفظة " الدود " السودانية هذه، رأي أصيل وغير مسبوق حسب علمي.
وفي تخريج كلمة " القعونجة" أو " القعوية " التي يطلقها السودانيون في عاميتهم على " الضفدعة "، زعم عبد الله الطيب أنها مشتقة من الاقعاء وهي هيئة معينة للجلوس تشبه جلسة الضفدعة وتشبه جلسة الكلب أيضا. بينما يرى عون الشريف قاسم في كتابه " قاموس اللهجة العامية في السودان " أن هذه اللفظة مجهولة الأصل.
أما لفظة " الصفاح " السودانية بضم الصاد وفتح الفاء المخففة، بمعنى " عقد القران" ، فقد قال في معناها مرجحا في مقال له نشر في بعض الصحف السودانية قبل عدة سنوات: " هل فر السودانيون من النكاح إلى السفاح وقلبوا سينها صادا وضموها؟! ". هل نقول إن تلك كانت هفوة من عالم؟ وهل ياترى قد أبعد النجعة بتخريجه ذاك؟. إذ أن ما يتبادر إلى ذهن أي شخص سوداني، فيما أظن، أن كلمة " الصفاح " مشتقة من فعل المصافحة. إذ أن وكيل الزوج ووكيل الزوجة يتصافحان في أثناء ترديدهما لصيغة عقد القران التقليدية التي يتلوها المأذون.
هذا، وقد كادت هذه اللفظة العامية " الصفاح " وما اشتق منها من صيغ مثل قولهم : " فلانة صافحوها " بمعنى " تم عقد قرانها " أو " اتكتب كتابها " كما يقال في مصر، كادت تختفي وجعل الناس يميلون أكثر فاكثر إلى استخدام كلمة " العقد " ومشتقاتها، مثل قولهم : " فلانة عقدوا عليها " و " فلان عقدو يوم الجعة" الخ . وخصوصا في المدن.
وفي مرة أخذته الحمية الوطنية، وقد كنا معه جماعة في مكتبه بمجمع اللغة العربية بالخرطوم، فكان مما حدثنا به هو أن عالم النبات الأوروبي الذي صنف شجرة " الهشاب " التي تنتج الصمغ العربي قد أعطاها الاسم العلمي Accacia Senegalis. وكان ينبغي – حسب رأيه – أن يقرن أسمها باسم السودان. لأن السودان ينتج اكثر من 80%  من محصول الصمغ العربي في العالم. ولكن " الخواجة الحسود " كما قال، قصد أن يخمل ذكر السودان. هذا، والحسد والخوف من غوائله " ثيمة " أساسية ودائمة الحضور في فهم شخصية عبد الله الطيب وتراثه.
ومما يحسن ذكره في هذا الجانب أيضا، هو أن عبد الله الطيب كان قد أخذ على الدكتورة عائشة بنت الشاطئ عدم اجتهادها في تفسير كلمة " علوة " التي وردت في أحد أبيات القصيدة السينية الطويلة التي نظمها أبو العلاء المعري في رسالة الغفران على لسان الجني " أبي هدرش " إحدى شخصيات المعري الخيالية. وذلك حين يقول:
        
نركب م الجن خيلا لها        أجنحة ليست كخيل الأنيس
       
تقطع من "علوة" في ليلها   إلى قرى شاس بسير هميس
فكان مما أخذه تحديدا على الدكتورة ابنة الشاطئ – رحمها الله – وهي التي كانت قد حققت رسالة الغفران للمعري  أنها قالت ما معناه إنها لم تعثر على تفسير لكلمة "علوة"  فيما كان بين يديها من المصادر. وعند عبد الله الطيب أن "علوة" في هذا البيت، هي مملكة "علوة" السودانية. وهي ثالثة الممالك النوبية المسيحية التي كانت تقع إلى الجنوب من مصر على التوالي وهي: ممالك "نوباتيا" و"المقرة و "علوة". أما نوباتيا فقد كانت عاصمتها تسمى "فرس" وموضعها الآن مغمور تحت مياه بحيرة ناصر على الحدود السودانية المصرية، وأما "المقرة" فقد كانت عاصمتها مدينة دنقلا العجوز التي ورثتها مدينة دنقلا الحالية، وأما مملكة "علوة"، فقد كانت عاصمتها مدينة "سوبا" التي تقع على بعد حوالي عشرين كيلومترا جنوب الخرطوم، وهي تمثل الآن إحدى ضواحي العاصمة السودانية. ولما كانت طائفة من الرحالة والجغرافيين العرب الذين سبقوا المعري والذين عاصروه مثل ابن خرداذبه واليعقوبي والبلاذري وابن حوقل والمسعودي، قد ذكروا "علوة" و "سوبا" في مؤلفاتهم، فلا بد أن يكون المعري، بما عرف عنه من سعة الاطلاع والتبحر، قد وقع على خبر "علوة" في بعض تلك المؤلفات.
ولا غرو في ذلك. فهو قد ذكر "غانة" التي كانت أبعد بكثير من "علوة" بالنسبة إليه، وذلك حين يقول في بعض لزومياته:
    
لي القوت فليهنأ سرنديب حظها    من الدّر وليكثر بغانة تبرها
فأنت تراه هاهنا كان يعرف حتى اشتهار غانة بإنتاج الذهب منذ ذلك التاريخ.
أما في مجال التاريخ، فإنّ لعبد الله الطيب فرضية مشهورة قال بها على سبيل الحدس والترجيح مفادها أن هجرة المسلمين الأوائل إلى الحبشة التي أشارت إليها كتب السيرة النبوية، إنما تمت إلى  بلاد السودان النيلي " نواحي نهر عطبرة كما رجح "، وليس لبلاد الحبشة التي تعرف الآن باسم إثيوبيا. وقد ساق في تأييد  تلك الفرضية، جملة من القرائن والحجج اللغوية والجغرافية والتاريخية والبينات الظرفية التي لا يتسع المجال لبسطها.
وكان عبد الله الطيب قد أطلق فرضيته تلك، في معرض بحث له بعنوان: "هجرة الحبشة وما وراءها من نبأ" قدمه ضمن ندوة حول السيرة النبوية الشريفة، عقدت بالمملكة العربية السعودية في عام 1982.
وقد أضحت هذه الفرضية بمثابة مصدر فخر "وطني" بالنسبة لمن سمع بها من المسلمين في السودان، لأنها ترهص بأن تكون أرض بلادهم أول أرض تطأها أقدام الصحابة الكرام قبل المدينة المنورة نفسها. كما صارت هذه الفرضية مصدر إلهام لكثير من الباحثين السودانيين الذين نسجوا على منوالها، وأشهرهم هو الأستاذ الدكتور الشيخ / حسن الفاتح قريب الله ، شيخ سجادة الطريقة " السمّانية " في السودان، الذي أصدر في أواخر التسعينيات كتابا بعنوان : " السودان: أرض الهجرتين الأولى  والثانية ".
هذا، ومن أواخر فرضيات عبد الله الطيب المدوية في مجال الدراسات السودانية، قوله إن اللغة العربية قد كانت دوما لسان الأقوام الذين كانوا يعيشون في وسط السودان منذ أقدم العصور، ولم يرتبط وجودها بدخول العرب للسودان بعد الفتح الإسلامي كما قد يتبادر للكثيرين. ومما قوى حدسه على ذلك من دون أن يقدم أدلة علمية تؤكد صحة ما ذهب إليه، أن اللغة العربية توجد فقط في وسط السودان وتحيط بها لغات أخرى كثيرة غير عربية من جميع أطراف البلاد التي من المفترض بل من المؤكد أن العرب قد مروا من خلالها بعد عهد الدعوة الإسلامية.
فإذا كان من الثابت تاريخيا أن قبائل ذات أرومة عربية صحيحة مثل البشاريين الذين ينتمون إلى قبيلة ربيعة قد تركوا لسانهم العربي واتخذوا لسان البجة بشرق السودان عوضا عنه، وأن بني الكنز الذين ينتمون هم الآخرون إلى ربيعة قد تخلوا عن لغتهم العربية لمصلحة اللغة النوبية في شمال السودان وأقصى صعيد مصر، فلماذا لم يتم استيعاب القبائل العربية التي هاجرت إلى  وسط السودان وبعض مناطق غرب السودان لغويا وثقافيا؟ وهل كان وسط السودان أرضا خالية من أهل البلاد "الأصليين"؟
ومهما تكن الآراء التي يمكن أن تقال حول هذه الفرضية الجريئة، إلا أنه من الواضح أنها قمينة بان تثير جملة من التساؤلات والاجتهادات العلمية، وتفتح الباب على مصراعيه أمام كم هائل من الافتراضات ومواضع البحث والاستقصاء أمام مختلف طوائف الباحثين من مؤرخين ولغويين وأنثروبولوجيين وسوى هؤلاء.
رحم الله أستاذ الأجيال، البروفيسور عبد الله الطيب، فقد كان من أكثر رواد الدراسات السودانية علما موسوعيا وابتكارا وعمقا وأصالة.