"لله ما أخذ وله ما أعطى وكل شيء عنده بحساب وأجل مسمى". لقد اختطفت المنية من الشعب السُّوداني عامة وشعوب جبال النُّوبة خاصة الرفيق نيرون فيليب أجو يوم الثلاثاء الثامن والعشرين من فبراير 2017م بمدينة نيروبي، كينيا، بعد صراع طويل مع المرض. لذا ننعيهم في هذا الفقد الجلل. إنَّه لحقٌ فقدُ عظيم ولزلزلت لأه الأرض من تحت أقدامنا. لقد ترك الرفيق آثاراً واضحة ودائمة على أرض جبال النُّوبة طيلة سنوات نضاله بلا كلل ولا ملل. لم يتردد الرفيق أبداً في الالتحاق بالحركة الشعبيَّة لتحرير السُّودان بعد تخرجه من جامعة الجزيرة بود مدني العام 1989م لإيمانه بقضية أهله العادلة. لقد شارك نيرون ببسالة وفعالية وكفاءة عالية في ميادين القتال في جبال النُّوبة، وأدى تميزه العسكري أن التحق بالعمليات العسكريَّة في غرب الإستوائيَّة بجنوب السُّودان وفي دارفور رغم صغر سنه ورتبته العسكريَّة. 

فالذين لا يعرفون نيرون، لقد كان قياديَّاً عظيماً، فالعظماء يتفردون ويتميزون عن غيرهم بإنجازاتهم الإنسانيَّة. ففي المجال الخدمي الإنساني شغل نيرون منصب مدير منظمة النُّوبة للإغاثة وإعادة التعمير والتنمية لسنوات طويلة أظهر مقدرة فائقة في الإدارة والتعامل مع موظفيه والتواصل مع المنظمات العالمية والإقليمية لتحقيق الأهداف السامية للمنظمة. وفي المجال المدني الرسمي، عملا وزيراً للتنمية الريفيَّة بولاية جنوب كردفان/جبال النوبة بعد اتفاقية السلام الشامل 2005م؛ وكذلك في إدارة بنك جبال النُّوبة للتجارة والتنميَّة الذي كان من ضمن المؤسسين له.
لقد جمعت بيننا لقاءات مع الرفيق نيرون فكان مثالاً رائعاً للنبل: فالهدوء طباعه، فكان لا ينطق إلا بحكمة وبكلمات رصينة فيها الإتزان والإلتزام المقرونين بالانضباط . أما سياسيَّاً فقد أثري لرفيق نيرون نضالات النُّوبة والحركة الشعبيَّة بمساهاماته الكثيرة خاصة في جولات المفاوضات التي جرت بين الحركة الشعبية والحكومة السُودانيَّة بعد إنداع الحرب الدائرة الآن في جبال اانُّوبة والنيل الأزرق، حيث وقع نيابة عن الحركة الشعبية على مذكرتين للتفاهم لنقل المساعدات الإنسانيَّة في فبراير ٢٠١٢م وأغسطس ٢٠١٣م، مع الأمم المتحدة والإتحاد الإفريقي والجامعة العربية إلا أنَّ حكومة الخرطوم تقاعست ثم رفضت تنفيذهما.
لم يتبرم نيرون أبداً من مشاق وترهات المفاوضات بل تحملها بمسؤلية، وصبر، وشجاعة نادرة رغم صراعه ومقاومته للمرض. وربما لهذه الصفات القياديَّة أشاد به المعلم يوسف كوة قبل أن ينتقل هو إلى الدار الآخرة حيث أشار إلى قدراته السياسيَّة ونضوجه الفكري وفرص تسنمه يوماً قيادة نضال النُّوبة إذا حالما بلغ موقعه في التراتب والتسلسل في الحركة الشعبيَّة، وإذا لم تحل مشكلة السُّودان وقضية النُّوبة إلى نهاياتها المرجوة. لكن أراد الله، ولا يكون إلا ما يريد، أن يأخذ بجواره بطلاً من أبطال السُّودان عامة والحركة الشعبيَّة خاصة والنُّوبة على وجه الخصوص. وقد علمنا أنَّ أسرة الرفيق قد اختارت أن يوارى جثمانه بمقبرة المعلِّم يوسف كوة مكي ليكون بجواره. فأرقد أيها الرفيق بسلام ومطمئناً بأنَّ النضال سيستمر حتى النصر، وليرحمك الله وجميع الشهداء، وليلهم ذويهم الصبر والسلوان. "والمجد لله في الأعالي وعلى الأرض السلام وبالناس المسرة، والرب أعطى والرب أخذ فليكن إسم الرب مباركاً". "إنا لله وإنا إليه راجعون ولاحولة ولا قوة إلا بالله".


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.