عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

Notes on a Journey to Kordofan 
آرثر توود هولرويدArthur T. Holroyd
ترجمة: بدر الدين حامد الهاشمي
مقدمة: هذه ترجمة لبعض ما جاء فيمقال طويل نشر في العدد التاسع من مجلة الجمعية الملكية الجغرافية في عددها التاسع الصادر بلندن عام 1839م عن رحلة لكردفان قام بها البريطاني آرثر توود هولرويد بين عامي 1836 – 1837م.
ولد كاتب المقال بلندن في ديسمبر من عام 1806م لعائلة ثرية، وتلقى تعليمه العام في مدارس خاصة، ثم درس الطب في أدنبرا، وتخرج طبيبا في عام 1830م. ثم واصل دراسته في جامعة كمبردج وتخرج فيها عام 1832م. ومارس مهنة الطب حينا من الدهر، ونال في ذات الوقت عضوية عدد من الجمعيات الطبية والعلمية (مثل جمعية علم الحيوان بلندن والجمعية العلمية Linnean Society). ولما لم يجد في مهنة الطب ما يرضي طموحه آثر أن يهاجر لروما لتعلم اللغة الإيطالية، ثم غادرها لمصر لتعلم العربية ولاستكشاف المنطقة جنوب الشلال الثاني. وأفلح في عبور صحراء بيوضة (وكان أول أوربي يفعل لك) والوصول إلى الخرطوم ثم كردفان. وهو يعتبر أول رجل إنجليزي يطأ أرض كردفان ويسجل ملاحظاته عنها، خاصة ما شاهده فيها من أهوال تجارة الرقيق بها، وقام بلفت نظر محمد علي باشا لشناعة ممارساتها.  ثم غادر السودان متجها لسيناء وفلسطين. وعاد إلى لندن عام 1841م لممارسة مهنة القانون هذه المرة. وبعد ذلك هاجر إلى نيوزيلندا وأستراليا حيث قضى بقية حياته ممارسا مهنة المحاماة. وفي تلك السنوت نشر كتابا عن السودان بعنوانSuakim and the Country of Soudan(كتبت سواكن هكذا! المترجم).وتوفي الرجل بأستراليا عام 1887م.(يمكن قراءة المزيد عن حياة هذا الرحالة فيما سجله المؤرخ البريطاني تي هولت عنه في قاموس الشخصيات في أستراليا).
أشكر كل من ساهم في ترجمة بعض اسماء القرى التي ذكرها الكاتب (غالبا بطريقة خاطئة) وبعض تلك القرى ما زال قَائماوبعضها حَصِيدٌ. وأخص بالشكر هنا الأخ الدكتور خالد فرح. 
المترجم
******       ***********        ***************
وجدت في سوق سنار (اليومي) أماكن لبيع اللحوم والتبغ والدهون والذرة وأنواعا من الخمور مثل البلبل (Bilbil)والمريسة.  وفي قرية تقع جنوب سنار، وعلى بعد ميل ونصف منها، اسمها كاديرو، يقام أيضا سوق عامر بالناس والبضائع كل يومي أثنين وخميس يشهدهما كثير من الخلق من داخل وخارج سنار. ويوجد بالقرب من سوق سنار مسجد كان يلاصق قصر السلطان (ولم يعد ذلك القصر موجودا الآن). وبالقرب من ذات المكان يوجد مقهى يرتاده ضباط الجيش وعلية القوم.
والغالبية العظمى من سكان سنار من ذوي البشرة البنية الداكنة. والنساء أفتح ألوانا من الرجال، وأفراد الجنسين على درجة كبيرة من الوسامة. ويرتدي الرجال سراويل وقمصان (عراريق) تصل إلى الأَعْقَابِ، أو قطعة قماش يلفها الرجل حول وسطه أولا ثم يربطها، ثم يضع باقيها مفكوكة فوق كتفه.  ويضع كثير منهم سبح خشبية سوداء حول أعناقهم.  ويحمل بعضهم محفظة (جزلان) تتدلى من العنق، ويضع الواحد منهم وتمائم و"حجبات" حول عْضُده اليمين، ومدية حول اليسرى. ويدع الرجال شعر رؤوسهم ينمو ويطول، ولا يضعون على رُءوسهم الطواقي البيضاء (المعتادة في الخرطوم).
أما النساء في سنار فيرتدين قطعة قماش قطنية حول أجسادهن، ثم يلقين بباقي قطعة الثوب على الكتف. وقد يغطين رؤوسهن بذلك الثوب أيضا. ولا ترتدي الفتيات العُزْب ولا الإماء غير "الرحط".  وتقوم النساء بتمشيط شعر رؤوسهن على هيئة ضفائر في سماكة أذيال الجرذان. وتسبق عملية "المشاط" تنظيف الشعر من الطفيليات الخارجية التي تكثر في هذه المناطق. وتتم تلك المجزرة الحشرية مرة كل أسبوعين أو ثلاثة أسابيع. بعدها ينقض الشعر ويمشط وتوضع فوقه ثلاثة أو أربعة أرطال من شحم الغنم أو الإبل.  وتضع المرأة السنارية في عنقها ويديها عددا كبيرا من التمائم والسلاسل والأساور الفضية، وختما من الأبنوس أو قرون الحيوانات. وتضع بعضهن خاتما أو خرزة في فتحة يصنعنها في فتحة الأنف اليمنى. وتقص النساء أظافر أيديهن اليمنى، ولكنهن يدعن أظافر أيديهن اليسرى طويلة بصورة كبيرة، ربما تصل لأكثر من بوصة بعد طرف الأصبع. ويشابه هذا ما تفعله النساء والنبلاء في الصين.
وللرجال والنساء في منطقة سنار أسنان جيدة. ولثاتهم عادة ما تكون سوداء أو بنية داكنة، ربما نسبة لاختلاطهم بالزنوج. وكان من المعتاد أن يكون في بيوت أفراد الطبقات الفقيرة واحدا أو أثنين من الرقيق.
وأعد المنطقة حول سنار كنزا ضخما بالنسبة لعالم الأحياء والطبيعة، فهي تحوي عددا هائلا من مختلف أنواع الحيوانات الوحشية (مثل الأفيال وفرس البحر والتماسيح) والطيور (مثل الصقور واللقالق والدجاج المزركش والبط والوز)، خاصة في فصل الخريف، وعندما يحين وقت حصاد الذرة.
وفي الخامسة من صباح يوم 2/ 3 عدت عن طريق النيل الأزرق إلى واد مدني، والتي وصلتها في العاشرة من صباح يوم 5/3.  وفي عصر يوم 9/3 غادرت واد مدني متجها إلى منقرة بقرب واد شلعي على النيل الأبيض. وفي العاشر من مارس وبعد مسيرة ساعتين بلغت هجليج، وبعدها إلى أبوت (ربما كان المقصود هو "عبود" المترجم). وفي يوم 11/3 وصلت لقرية المناقل حيث تناولت وجبة مكونة من الحليب الرائب والفطائر والعسل مع قائمقام / حاكم القرية (وهو جندي تركي).  وبالمناقل سوق أسبوعي يقام كل يوم أحد، وهو أفضل من كل الأسواق المقامة في المنطقة. والماء بالمناقل به طعم حديدي ولكنه مقبول. وبعد مسيرة خمس ساعات من المناقل بلغنا قرية الفكركير؟، حيث وجدنا مياه الآبار بها جيدة الطعم. وبعد تلك القرية وصلنا إلى أم دغت، والتي وجدنا ماء الشرب فيها عكرا.
(ذكر الكاتب بعد ذلك عددا كبيرا من القرى التي مر بها، ولم يشر فيها لغير جودة أو رداءة الماء بها. المترجم).
لاحظت أن الأراضي الشاسعة بين أبوت/ عبود والمناقل غير مزروعة. وأعتقد جازما بأن هذه ستكون أرضا خصبة تصلح لإقامة مشروع زراعي كبير إن وجدت من يعمل عليها وتوفر لها الري الكافي. وأعتقد أن شق قناة من وادي مدني للمناقل سيوفر الري المطلوب، وبسهولة، لزراعة البقوليات والقطن والتبغ والسكر والحبوب. كذلك يمكن جمع مياه الأمطار في الخريف واستخدام مياه الآبار. غير أن كل ذلك قد لا يكفي لري تلك الأراضي الشاسعة الصالحة للزراعة.
وتذخر المنطقة بين المناقل وواد مدني بغطاء نباتي من أشجار الأكيشياacacia)) ذات الشوك. وتوجد بمنطقة منقرة العديد من الأشجار التي يمكن استخدامها في صنع الأخشاب. وبالفعل أقامت الحكومة بالمنطقة مركزا لصنع القوارب الخشبية. وكذلك تكثر الأخشاب بقرب الليس (وهي الاسم القديم للكوة. المترجم) وفي مناطق الشلك. وفيها يتم بناء القوارب بمعدل ثلاثين قاربا في العام الواحد. ويعمل في مناشير الخشب وبناء تلك القوارب نحو مائة من المساجين، ولاحظت أنهم كانوا من المسترقين الزنوج. 
وينبغي على الزائر لهذه المناطق عدم تعريض جلده لأشعة الشمس، وإلا فسيصاب بتورم والتهاب مؤلمين.  ولقد كنت متهورا بعض الشيء عند ترحالي في منطقة المناقل بتركي لساقي دون غطاء وأنا على ظهر دابتي. فقد أصبت بتورم وآلام فظيعة أقعدتني لعدة أيام في فراش المرض قبل بدء رحلتي لكردفان.
وفي صبيحة الخامس عشر من شهر مارس قمت من منقلة إلى كاجبي، وهي مستوطنة صغيرة للعرب الحسانية (والذين لم أر لهم مستوطنة من قبل إلا في منطقة غرب بربر)، وجدنا فيها خيام سليمان كاشف، والذي كان يجمع الضرائب والعشور في هذه الأنحاء.  وفي غضون أيامي في كاجبي بلغت حرارة الجو في داخل خيمتي 112 درجة فهرنهايت (تعادل 44.4 درجة مئوية). والحسانية قوم لطفاء وألوانهم أفتح قليلا من سكان سنار، وألوان نسائهم أفتح من رجالهم. وهم اجتماعيون ومرحون ولهم حيوية عالية.  وتجيد النسوة عندهم الرقص على أنغام الغناء والتصفيق.
وفي تلك الأيام أيضا حضرت للمنطقة جماعة من قبيلة الشلك كانوا في طريقهم للخرطوم لمقابلة الحكمدار خورشيد باشا والتفاهم معه حول شروطه للصلح، وضمان عدم تعدي جنوده على مناطقهم وأخذهم كمسترقين، واسترداد الأراضي والممتلكات التي سلبهم إياها جنود الخديوي.  وكان زعيمهم يرتدي قميصا أزرقا من النوع الذي يرتديه فلاحو مصر. وعلمت فيما بعد أن الحكمدار وقع معهم معاهدة كان من أهم بنودها ضم كامل أراضي الشلك تحت إمرة خديوي مصر.
والشلك قوم رائعون وطوال القامة (لا يقل الرجل منهم عن ستة أقدام). غير أن أجسادهم خلقت بصورة خرقاء (clumsy) يعوزها الصقل، إذ أن رجلي الواحد منهم قصيرة بالنسبة لباقي جسمه. ويحلق بعضهم شعر رأسه، ويتركه البعض الآخر طويلا. وشعر رؤوسهم مجعد ويشبه الصوف. وطلعتهم وحشية قاسية، وعظمتا وجنتي الواحد منهم عالية، وأنفه ضيق عند الجذر وواسعفَطِسَ عند فتحي المنخرين.  ويقومون (مثلهم مثل الدينكا) باقتلاع قواطع الفك السفلي. وليس عندهم من سلاح خلا العصي والحراب والدروع بدائية الشكل.  وكان بعضهم يضع حلقة من العاج حول عضده الأيمن. غير أن أميرهم كان يميز نفسه عنهم بوضع حلقتين من الفضة في معصم يده اليسرى. وهم يحبون التدخين ولكن بغير إفراط.  وقد أمتعونا ذات ليلة بغنائهم الجماعي والذي أدوه بصورة محببة، وحافظوا فيه على الزمن ونظم الايقاع بصورة ممتازة.  والشلك يجيدون أيضا بعض أنواع الرياضة وقتل التماسيح وأفراس النهر بذات الحراب التي يحملونها للدفاع عن النفس.
وفي صباح يوم 22 مارس الباكر بدأت رحلتي من كجيبي لكردفان عبر صحراء Habshabehوفي تلك الرحلة ضل دليلنا الطريق وأخذنا في اتجاه الجنوب الغربي إلى طرة، والتي وصلناها عند الساعة السادسة والنصف. ولاحظت آثار أقدام أفراس النهر. في أماكن عديدة في مسار الطريق الرملي. وربما كانت تلك الحيوانات قد أتت عبر الجداول الضحلة والتي تجف في مثل هذا الوقت من العام. وكانت طرة قرية مكونة من عدد من قطاطي القش وبها أربعة آبار جيدة الماء. وفي المساء اتجهنا غربا نحو "أبو قرض" حيث قضيت الليل.  استغرقت رحلتي اليوم ثمان ساعات ونصف.
ووصلت لأبي قرض في صبيحة اليوم التالي قافلة لأبي مدين الأخ غير الشقيق لسلطان دارفور، والذي كان في طريقه للخرطوم، ويأمل (بعد حصوله على موافقة الحكمدار خورشيد باشا) على السفر لمصر ومقابلة محمد علي باشا ومحاولة إقناعه بتزويده بجنود وعتاد للانقلاب على أخيه السلطان وجعل دارفور إحدى توابع خديوي مصر. وكان أحد معارفي من علية القوم في الخرطوم قد أعطاني رسالة تقديم لذلك الأمير الأسود، ولم أضع وقتا للقائه في ديوانه. كان شابا في نحو الخامسة والعشرين من العمر، شديد سواد البشرة، قصير القامة، ويميل إلى البدانة، وعلى وجهه سيماء الصراحة والحذق والظرف، وصفات أخرى قلما تجدها عند الرجل الزنجي.  وعلمت من الأمير أن أخيه السلطان كان يأمر بالقبض على أي أوربي يدخل لمملكته ويتهمه بالتجسس على مملكته وجمع معلومات قد يستفيد منها جيش أو جيوش غازية تطيح بحكمه. وأخبرني الأمير أيضا بأن من يأسره السلطان من الأوربيين كان يعامل معاملة طيبة فيوضع في بيت مريح فيه خدم وحشم وحريم وخيول، ولكن لا يسمح له بالخروج من الدار إلا مخفورا بحارس.
ويقيم السلطان بالفاشر، والتي تسمى أيضا تندلتي (؟! المترجم)، وله جيش مزود بالسيوف والحراب والدروع، ولكنهم لا يمتلكون أي أسلحة نارية. وكل سكان دارفور (ودار مرة التي تقع جنوبها) هم من المحمديين.
وأخبرني أبو مدين بأن المسافة من الأبيض (عاصمة كردفان) إلى الفاشر هي مسيرة ثلاثة عشر يوما بالجمال، ومن كوبي إلى كبكابية مسيرة ثلاثة أيام، ومن كوبي إلى الدبة (المقابلة تقريبا لدنقلا العجوز) خمسة وعشرين يوما.
وفي المساء واصلت في رحلتي في اتجاه الجنوب الغربي، وبلغت بعد ثلاثة ساعات قرية العدير، وكان الماء فيها عكِرَا مالحا بعض الشيء، بعكس ما كان عليه ماء الشرب في أبي قرض.
وفي صباح يوم 24/3 الباكر استأنفت رحلتي وسرت لخمس ساعات ونصف لأصل إلى شجرة منعزلة، بين العديروالهشابة. ومن تلك النقطة سرت لنحو ساعتين قبل أن أبلغ جبل الشاور(والذي يبلغ ارتفاعه 250 قدما).
وفي 26 مارس وصلت للكويمات (في الأصل El Kowermat)حيث وجدت مائها جيد النوعية. وقابلت هنا رجلين من برنو في طريقهما للحج عن طريق دارفور وكردفان، وذكرا لي أنهما بدأ رحلتهما قبل سنة كاملة. ولم يقدما لي الكثير من المعلومات عن بلدهما غير أنها تقع على نهر اسمه شاريSha’ri))وأن سلطانهما الحالي اسمه محمد.
وفي اليوم التالي (27/3) وصلنا إلى قرية الدومة، وقد نال التعب من جمالنا وبغالنا غايته، فأقمنا فيها باقي ذلك اليوم بأكمله.  ولم نجد في كل الأراضي بين الكويمات والدومة غير الرمال، وقليل جدا من الأراضي القابلة للاستزراع.  ولا يزرع السكان هنا غير الدخن، والذي يبدو أنه يمكن أن ينمو جيدا في التربة الرملية. ووجدت كل السكان في القرى التي مررت عليها من غير المتعلمين، ويحمل بعضهم أفكارا غاية في التخلف. فعلى سبيل المثال سألني أحد الصبية في الدومة: كم يوما في الساعة الواحدة؟
وبدأنا رحلتنا في صباح اليوم التالي (28/3) باكرا، وبعد مسيرة أربع ساعات بلغنا قرية ود الزاكي. ومنها اشتريت خروفا ذبحته لنطعم منه. ولاحظت أن من معنا من عرب الحسانية قاموا بالتهام كرش وأمعاء الخروف وهي نيئة.  ولما سألتهم إن كانت تلك هي عادة العرب أجابوا بأنهم لم يأكلوا مثل تلك "المطايب" الشهية (delicacies) من قبل. ولاحظت أن الدخن يزرع بكميات كبيرة في منطقة "ود الزاكي"، وتوجد فيها أيضا كمية كبيرة من معدن الحديد، على بعد 3 – 6 أقدام تحت سطح التربة. ويعمل كثير من السكان هنا في استخراج الحديد لحسابهم الخاص، ويبعثون به للأبيض، أو حيث تبنى القوارب والبواخر في منقرة. والماء في ود الزاكي جيد النوعية.
وفي يوم 29/ 3 وصلنا لقرية خُرسي وهي أكبر قرية تقع بين النيل الأبيض ومدينة الأبيض، ويبلغ عدد سكانها نحو 500 نسمة، وبها كاشف (مسئول حكومي) وشيخ وبعض الجنود. وبالقرية سوق يقام يوميا، ولكنه لا ينشط إلا في يومي الاثنين والخميس حين يرتاده عرب وبدو المناطق المجاورة. وتنتج المنطقة بين ود الزاكي وخُرسي الكثير من الدخن، وماء آبارها جيدة النوعية. وغادرت خُرسي عند العصر وأنا محمل بالماء، فالطريق إلى الأبيض من خُرسي يخلو تماما من الآبار.
والأبيض هي عاصمة كردفان، وعدد سكانها يبلغ نحو 30000 نسمة (بعد أن زاد عددهم بنحو 18000 فردا منذ عام 1828م).  وتمددت المدينة لنحو ميلين من الشمال للجنوب، ولميل واحد من الرق للغرب. وبيوت الأبيض قطاطي مبنية بالقش أو قصب الدخن. والبيوت الوحيدة التي بنيت في المدينة بالطوب المحروق هي بيوت الحاكم محمد بيه، وسليم الكاشف، والقائد العسكري، وبعض الأوربيين الذين يعملون في خدمة الباشا.
وينتمي سكان الأبيض لعدد من القبائل. فأغلبهم من الكنجارةمن أتباع السلطان فضل، وبعضهم من المسيرباتMeserbat (المقصود هو المسبعات. المترجم) التابعين لسلطان كردفان السابق هاشم، ومن الفونج أتباع السلطان إدريس بن أدهم (المعروف بالفنجراوي، من جبل فنجي)،وأتى بعضهم من قبائل في دنقلا.
ولا يلزم للرجل في كردفان أن يتزوج امرأة من كردفان (والعكس صحيح أيضا). وجرت العادة عند كثير من القبائل العربية ألا يسمح للرجل بالزواج من نساء قبيلته إن كان قد تزوج من قبل من غير قبيلته وماتت تلك الزوجة "الغريبة" أو طلقها. ولكن لا تمارس كثير من القبائل في كردفان تلك العادة.
خضعت كردفان لحكم محمد علي باشا قبل نحو ستة عشر عاما، وكانت قبل ذلك تحت سيادة سلطان دارفور إلى أن استولى عليها الدفتردار بيه من حاكمها الطواشي مسلم (دخلالدفتردار مدينة الأبيض في شهر إبريل من عام 1821م دون مقاومة بعد أن خرج حاكمها لبارا، وفيها جرت معركة يوم 16 أبريل 1821م انتهت بانتصار الدفتردار، واستيلائه على كردفان قبل سنار. المترجم).
ويقام في الأبيض سوق في الرابعة من عصر كل يوم تباع فيه البضائع من كل صنف مثل الدهن والماء (والذي يباع بسعر مرتفع خاصة في شهري أبريل ومايو، أي قبل هطول الأمطار). وتستخدم في ذلك السوق عدد من العملات الأجنبية مثل عملة الباشا (المصرية / التركية) والدولار الإسباني وجنيه الذهب الإنجليزي.  وبما أن البضائع كانت رخيصة نسبيا، فقد كان إيجاد عملات صغيرة (فكة) من الأمور العسيرة حقا. لذا صنع السكان المحليون عملة معدنية صغيرةمن حديد وادي الزاكي سموها hasshashah، وكانت أربعين قطعة من تلك العملة المحلية تعادل قرشا تركيا واحدا. وتتم كل المعاملات المالية على أساس عملة متخيلة، هي الريال، وهو يساوي خمسة عشر قرشا.
وكان الجنود الحكوميون في كردفان يقومون بعد انتهاء فصل الخريف بحملات سنوية في جبال النوبة (يسمونها "غزوات") لاصطياد الرقيق. وصادف وجودي في الأبيض عودة الجنود من إحدى تلك "الغزوات". وكانت المليحات من المسترقات يبعن للأتراك أو العرب لضمهن لحريمهم، ويجند للخدمة العسكرية من يصلح الرجال.  أما من كانوا لا يصلحون للخدمة – من الجنسين- مثل  النساء الحمل وصغار الأطفال  فقد كانوا يعطون للجنود عوضا عن متأخرات مرتباتهم الرسمية.  وشهدت في إحدى المرات عملية توزيع هؤلاء على الجنود، ورأيت ما أنفطر له قلبي من بشاعة بعض المواقف تلك.  فلم يكف هؤلاء السود ما تعرضوا له من اختطاف وسلب للحرية لشهرين أو ثلاثة أشهر، بل كان عليهم تحمل ألم الفراق الأبدي والعزلة الدائمةعن عائلاتهم وأصدقائهم ومعارفهم. ولما كانت متأخرات هؤلاء الجنود كبيرة نسبيا، فقد كان المسترقون (والمسترقات) الممنوحين لهؤلاء الجنود يباعون لاحقا بأسعار تقل كثيرا عن الأسعار التي وضعتها الحكومة لهم.  فعلى سبيل المثال فقد تعطي الحكومة لجندين من جنودها مسترقا واحدا، عوضا عن إعطائهم 300 قرشا من متأخرات راتبهما. وللحصول على نقد يقوم الجنديان ببيع ذلك المسترق في السوق بمبلغ قد لا يصل لنصف المبلغ الذي قررته الحكومة. ويمتلئ سوق الأبيض بالمزادات المفتوحة لبيع المسترقين.
وكانت أثمان المسترقين في سوق الأبيض كما يلي: يباع الطفل في عمر 3 – 5 سنوات بنحو خمسين أو ستين قرشا. ويباع البالغ من المسترقين بنحو أربعة إلى ستة ريالات. وكان الطلب على الفتيات المليحات (خاصة الحبشيات) كبيرا جدا، لذا كان ثمن الواحدة منهن ثلاثة أو أربعة أضعاف ثمن الرجل المسترق. غير أن المشترين كانوا يفضلون المسترقات المحليات لأغراض الخدمة المنزلية.  (ذكر الكاتب في حاشية مقاله أنه سعى للحصول على وعد من محمد علي باشا بإيقاف "غزوات" جلب الرقيق في بلاد السودان، وبمعاقبة من يقوم بها من الجنود. وزعم أنه سمع لاحقا بأن "أوامر الباشا قد تم تنفيذها. المترجم).
وفي غضون أيامي في كردفان كانت جثث المسترقين الزنوج والمجرمين ترمى خارج المدينة لتأكلها الجوارح والحيوانات الوحشية، ولا تدفن في المقابر أبدا. غير أن محمد بيه (والذي خلف مصطفى بيه في حكم كردفان) أمر بحرق كل العظام البشرية المتناثرة حول الأبيض، وأمر كذلك بدفن كل المسترقين المسلمين المتوفين في مقابر المسلمين بعد إقامة صلاة الجنازة عليهم.
غير أنه من بين كل أهوال ومخازي تجارة الرقيق التي شهدتها في كردفان، لم أر في مثل فظاعة عملية الإخصاء التي تتم في الأبيض، والتي كان يحتكر اجرائها الملك تامار (Melik Tamar) شقيق سلطان دارفور السابق، وهو من الجنجارة. وكانت عملية الإخصاء تلك تضاعف مرات عديدة من القيمة المادية للمسترق. ونسبة لشهرة ذلك الرجل قررت أن أزوره في بيته فوجدته رجلا سبعينيا واهنا، أسود اللون وله لحية بيضاء مصبوغة بالحناء. وكان يغطي فمه بيده عندما يتحدث، ربما لإخفاء فكه الخالي من الأسنان. وذكر لي الرجل أنه أتى لكردفان من دارفور قبل 36 عاما، وبقي بها حتى غزاها الدفتردار (في 1821م)، وبعدها غادر إلى سنار حين أحس بأنه "شخص غير مرغوب في وجوده"، وأنه ربما يقتل غِيلةً. ولكنه عاد للأبيض بعد أن استقرت الأوضاع بها، وصار يتلقى مرتبا شهريا من حكومة محمد علي باشا قدره 600 قرشا. وأخبرني الرجل بأنه كان يجري 100 – 150 عملية إخصاء بالأبيض في العام (وهو ذات الرقم الذي كان يقوم به كافة الذين كانوا يقومون بإجراء تلك العملية في سائر أرجاء كردفان).  غير أننا يجب أن نذكر هنا أن الملك تامر هذا كان رجلا جَوَّاداٌ بَيْنَ أَهْلِهِ، وله بيت مفتوح يطعم فيه كل من يزوره، وقيل إنهكان يجلب لبيته 500 أردبا من الدخن (أو الذرة) سنويالإطعام ضيوفه الذين كان يقوم على خدمتهم 200 من مسترقيه. وكان جل من تجرى عليهم عملية الإخصاء في سن تتراوح بين 7 إلى 11 عاما، وفيها تزال كل الأعضاء التناسلية (للمزيد عن مثل تلك العمليات يمكن الرجوع للمقال المترجم بعنوان: تجارة الرقيق في السودان في القرن التاسع عشر ومنعها بين عامي 1877 – 1880م،للدكتورة اليس موور – هاريل. المترجم). ويموت نحو 5% ممن تجرى عليهم تلك العملية (غير أن الكاتب أشار في الحاشية إلى أن "الطريقة العربية " في إزالة كامل الأعضاء التناسلية عادة ما تصاحبها نسبة وفيات أعلى بكثير. المترجم).
وبالأبيض قلعة عسكرية (بنيت بالطين اللبن) وعلى قمتها وضع مدفعان، ومستشفى عسكري ومسجد أقيم حديثا. وبني حاكمها روستان بيه مخزن ماء كبير وأقام بجانبه بيتهالصيفي، والذي كان يقضي فيه جل وقته بين حريمه.
ورجال الأبيض يتميزون بالنحافة والطول ولون البشرة البني الداكن، وبهم وسامة لا تخطئها العين. ويترك غالبهم شعر رؤوسهم ينمو ثم يقومون بتضفيره، بينما تضع قلة منهم طواقي على الرؤوس. ويرتدي رجال الأبيض في الغالب القمصان (العراريق) أو قطعة واحدة من قماش قطني (ثوب) مع السراويل الطويلة، ويضعون "حجبات" فوق مرفق اليد اليمنى، وسكينا في اليد اليسرى.
أما نساء الأبيض فهن على قدر كبير من الجمال، وألوانهن أفتح قليلا من الرجال. وهن يمشطن شعورهن ويضمخنه بالدهن الغزير، ويتحلين بأساور وعقود وحلق فضية حول العنق واليد والكاحل وفي الأذن. وقليل جدا منهن يتحلين بالذهب. وتكتفي الإماء والفتيات غير المتزوجات بارتداء "الرحط".  ويسير الأطفال من الجنسين بين 6 إلى 8 سنوات من العمر عراة تماما.
ولاحظت في كل بلاد السودان التي زرتها – وخاصة في كردفان-  مختلف أنواع الشلوخ (العامودية) على خدود الرجال والنساء.  وهم يعدون هذا التشويه (disfigurement) بابا من أبواب الجمال الفائق.
ويقوم الرجال والنساء بتعطير أنفسهم (أنفسهن) مرة أو مرتين في الشهر. والنساء مغرمات بالرقص على أنغام الطبول (الدربوكة)، بينما يعزف الرجال على الفلوت والصفارة المصنوعة من القصب. وتعزف النساء والرجال الربابة (المكونة من خمسة أوتار).
وطعام الناس في الأبيض في غاية البساطة، فهو لا يزيد عن عصيدة الدخن مع البامية واللبن الرائب وثمار الحسكنيت (والذي يسبب إسهالا شديدا لمن لم يتعود عليه). ويشرب بعضهم العرقي من التمر أو الذرة المخمرة، أو البلبل أو المريسة.
أما الأمراض الشائعة فهي تشمل الإسهالات والحمى والزحار (الدوسنطاريا) والجدري (والأخير من الأمراض الخطرة). غير أن داء الطاعون وأمراض العيون ليست معروفة هنا.
وتوجد بالأبيض أعداد كبيرة من حشرة الأرضة (النمل الأبيض)، وعددا أقل من الكلاب الضالة مقارنة بما هو موجود في سنار والخرطوم، وتشاهد الضباع أحيانا ليلا في بعض الأحياء.  وتوجد بالمدينة أعداد من مختلف أنواع المعز، والتي جلبت من جبال النوبة.
وتحتكر الحكومة كل الصادرات مثل الذهب والفضة والجلود والعاج والصمغ العربي، وتستثني تجارة الرقيق، ولكنها تفرض عليها ضريبة عالية.