عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
** تنبيه: هذا مقال مهمٌ جداً وفيه معلومات جديدة وتحليل عميق فأرجو يصبر القاريء عليه.
إن قوام حركة التاريخ تعتمد على الإنسان والمكان والزمان،فهذا الثالوث هو أساس أي دراسة تاريخية صحيحة.  ومن الخطأ والظلم الفادح أن يُنسب حدثٌ من احداث التاريخ لمكانٍ غير مكانه، أو لزمانٍ ليس بزمانه، أو لشخوصٍ غير أشخاصه. وخطورة هذا العمل أنّمن لا تاريخ له سيبني على تاريخ غيره في الوقت الذي يفقد فيه صاحب التاريخ الأصلي تاريخه وبالتالي يفقد معه شيئاً ثميناًله قيمة معنوية واقتصادية.وتاريخ الفراعنة والنوبة عامة وصراع موسى مع فرعون خاصة هو تاريخ ستتداوله الأجيال إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها طالما أنّ هذا القرآن حيٌّ يُتلى، فتلاوة القرآن هي التي ستحتفظ بهذا التاريخ حيّاً.
ومن المشهور بين المسلمين أنّ فرعون غرق في البحر الأحمر، وللأسف هذا كلام لا دليل عليه البتة ويعارض صريح القرآن وصريح اللغة ومع ذلك تجده في كتب التفسير عامة كما سنرى. ونتيجة هذا التفسير الخاطيء انتقلت أحداثٌ مهمة من منطقتها الأصلية على ضفاف النيل في شمال السودان لمنطقة سيناء لتصنع لتلك المنطقة وأهلها زخماً تاريخياً لم يشهدوه أصلاً.  في المقابل أُخمد ذكر المكان الأساسي الذي شهد تلك الأحداث العظام، وسُرق تاريخ المنطقة التي شهدت الأحداث في وضح النهار.
وفي هذه المقال سنتتبع قصة فرق فرعون وسنتفحّص اللغة والمكان والزمان وسرعة الحركة لنصل لنتيجةٍ علميةٍ صحيحة في هذ الموضوع. وسوف اقسّم البحث لأربعة محاور هي: محور كلمة "البحر" ومحور كلمة "اليّم"،  ومحور السرعة التى خرج بها موسى بقومه ومطاردة فرعون وجنوده لهم، وأخيراً محور السامري الذي صنع العجل.


المحور الأول: كلمة "البحر"
لقد ظنّ كثيرٌ من الناس أنّ فرعون قد غرق في البحر الأحمر لأنّ الله تعالى ذكر ذلك في ستة مواضع نذكر منها قوله تعالى:
1- { وَجَاوَزْنَا بِبَنِيۤ إِسْرَائِيلَ ٱلْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْياً وَعَدْواً حَتَّىٰ إِذَآ أَدْرَكَهُ ٱلْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لاۤ إِلِـٰهَ إِلاَّ ٱلَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنوۤاْ إِسْرَائِيلَ وَأَنَاْ مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ } (يونس: آية 90)
2- { وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ ٱلْبَحْرَ فَأَنجَيْنَٰكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ } (البقرة  آية 50)
3- { وَجَاوَزْنَا بِبَنِيۤ إِسْرَآئِيلَ ٱلْبَحْرَ فَأَتَوْاْ عَلَىٰ قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَىٰ أَصْنَامٍ لَّهُمْ قَالُواْ يٰمُوسَىٰ ٱجْعَلْ لَّنَآ إِلَـٰهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ } (الأعراف: آية 138)
فلأنّ الله ذكر كلمة "البحر" في الآيات السابقة وغيرها ظنّ كثيرٌ من الناس أنّ المقصود هو البحر الأحمر وللأسف جرت التفاسير على هذا الفهم.  وفي الحقيقة يطلق القرآن الكريم كلمة "البحر"على البحار والمحيطات والأنهار على السواء لأنّ كلمة "البحر" في اللغة العربية التي نزل بها القرآن تعني المكان الذي به ماءٌ كثير وعميق، وفيه حياة بحرية، وتستخرج من حلية للزينة وتجري فيه السفن، وهذا واضحٌ من قوله تعالى: 
1- { وَهُوَ ٱلَّذِي مَرَجَ ٱلْبَحْرَيْنِ هَـٰذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَـٰذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخاً وَحِجْراً مَّحْجُوراً}.
2- { وَمَا يَسْتَوِي ٱلْبَحْرَانِ هَـٰذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَآئِغٌ شَرَابُهُ وَهَـٰذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى ٱلْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } (فاطر: أية 12)
فإذن القرآن قد سمى مجاري المياه المالحة بحاراً وسمى الأنهار بحاراً أيضاً، فالبحر العذب الفرات هو النهر، والذي ماؤه ملح أُجاج هو البحر أو المحيط ولا خلاف في هذا التفسير. فإذن كلمة البحر المذكورة في الآية قد تعني البحر المالح وقد تعني نهر النيل أيضاً فبأيّهما نأخذ؟.وحتى يكون البحث علمياً فلابدّ لنا من أدلةٍ إضافيةٍ يتم بها الترجيح بصورةٍ علميةٍ مؤسسة، وهذا ينقلنا بالضرورة للمحور الثاني عسى أن نجد عنده ما نرجح به الكفة.

المحور الثاني : كلمة "اليّم "
أولاً، يجب أن نؤكّد إنّ كلمة "اليَمّ" كلمة غير عربية، قال عنها بعض المفسرين أنّها كلمة سريانية، والسريان كانوا في منطقة العراق فعربتها العرب كما ذكر الإمام الزهري، ولكن الإمام الحدادي قال: إنّ كلمة "اليَمّ" مأخوذة من اللسان العبراني وهي لغة اليهود من بني إسرائيل، وقيل هي لغة القبط، وفي رأيي الخاص قد تكون لغة من لغات دولة النوبة أيضاً لأنّ البجة مازالت تسمى الماء "يم" حسب إفادة الأستاذ محمود كرار الباحث في اللغة البجاوية وقواعدها. قال الإمام مقاتل بن سليمان (ت 150 هـ) في تفسيره إنّ اليَمّ بلسان العبرانية يُعني به البحر، وهو نهرٌ بمصر، ووافقه ابن الجوزية وكثير من المفسرين وشذّ بعضهم وقال بل هي عربية مشتقة من التيمم لأنه يُقصد للإنتفاع به، وهذا بعيدٌ جداً وفيه من التكلف ما لا يخفى على أحد. 
فإذن كلمة "اليَمّ" هي في الراجح لغة نوبية استعارتها العبرية التي هي لغة بني إسرائيل، وبالتالي تكون كلمة "اليمّ" هي اسم بجاوي نوبي سُمي به نهر النيل واستخدمته العبرية أيضاً. وبعد أن انكشفت لنا حقيقة كلمة "اليَمّ" نرجع للقرآن مرة ثانية لنـتأكد من صحة هذا التحليل لنقف عند المرة الأولى التي استخدم فيها القرآن الكريم هذه الكلمة العبرية أو النوبية.
بالنظر في القرآن الكريم ثبت لنا أنّ كلمة  "اليَمّ" ذُكرت أول مرة في قصة أم موسى حين أمرها الله تعالى قائلاً: { أنِ ٱقْذِفِيهِ فِي ٱلتَّابُوتِ فَٱقْذِفِيهِ فِي ٱلْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ ٱلْيَمُّ بِٱلسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ ....ۤ} وقد اتفق جميع المفسرين على أنّ كلمة "اليَمّ"في هذه الآية بالذات مقصود بها نهر النيل لا غيره، وقد ذُكر النيل باسمه العبراني أو النوبي الأصلي لأنّ أم موسى لم تكن تتكلم لغة أخرى أصلاً.  ثم جاءت قصة غرق فرعون فأكّد الله تعالى أنّه أغرق فرعون في "اليَمّ"-الذي هو نهر النيل- في أربعٍ من السور هي الآتي: 
1- سورة الأعراف فى قوله تعالى: { فَٱنْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي ٱلْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَكَانُواْ عَنْهَا غَافِلِينَ } (آية رقم 136)
2- سورة طه في قوله تعالى : { فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِّنَ ٱلْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ } (آية 78)
3- سورة القصص في قوله تعالى: {فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي ٱلْيَمِّ فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلظَّالِمِينَ}  (آية 40)
4- سورة الذاريات في قوله تعالى: { فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي ٱلْيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٌ } (آية 40) (لاحظ التوافق في رقم الآيات في الذاريات والقصص).
فإذن وفقاً لهذه الآيات القرآنية إنّ فرعون غرق في نهر النيل الذي أكّد القرآن أن اسمه "اليّم" سبعة مراتٍ في آياتٍ مختلفة. وكل هذا يجعلنا نجزم أنّ كلمة "البحر" التي وردت في الآيات التي تناولت قصة غرق فرعون مقصودٌ بها نهر النيل لأن القرائن قد توفرت لذلك وقد { ... قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا}  وموسى (ص) قصد بمجمع البحرين مجمع نهرين عذبين على أرض السودان عند عطبرة أو الخرطوم. وفي رأيي أنّ عطبرة أرجح لقرب مسافتها من جبل البركل حيث استقرّ موسى بقومه كما سنرى.  وخلاصة هذه الفقرة أنّه قد ثبت لنا بالدليل القاطع من القرآن نفسه أن اليّم (النهر) يُسمى بحراً ولا يسمى أيّ من البحار المالحة يَمّاً (نهراً).  وأيضاً إن المنطق يقول باستحالة غرق الإنسان في مكانين في وقتٍ واحدٍ، فوجب من هذا أن يكون للمكان الذي غرق فيه فرعون اسمين هما "اليَمّ" و "البحر".

المحور الثالث: قصة السامري: 
إن قصة السامري أيضاً حدثت على ضفاف النيل في العمق السوداني والدليل على ذلك كلمة "اليَمّ" التي وردت في معرض الحديث عن العجل. قال الله تعالى على لسان موسي : { قَالَ فَٱذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي ٱلْحَيَاةِ أَن تَقُولَ لاَ مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِداً لَّن تُخْلَفَهُ وَٱنظُرْ إِلَىٰ إِلَـٰهِكَ ٱلَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفاً لَّنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِي ٱلْيَمِّ نَسْفاً }. فإذن عجل السامري قد نُسف وقُذف به في نهر النيل وليس في البحر الأحمر كما هو شائع. وهذا يقودونا إلى استنتاج آخر هو أن القوم الذين كانوا يعبدون الأصنام في قوله تعالى: { وَجَاوَزْنَا بِبَنِى إِسْرٰءيلَ ٱلْبَحْرَ فَأَتَوْاْ عَلَىٰ قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَىٰ أَصْنَامٍ لَّهُمْ } هم قوم من سكان النيل أيضاً يسكنون جنوب مدن الفرعون لأنّ البحر هنا قطعاً هو نهر النيل كما أثبتنا.ونلاحظ أنّ كلمة الأصنام جاءت بصيغة الجمع في الآية في إشارة ضمنية لوجود مجموعات مختلفة دينياً في المنطقة وليس من الضروري أن تكون مختلفة عرقياً. والقرينة التاريخية التي تدل على صحة هذا التفسير هي أنّ منطقة شمال السودان كانت منطقةٌ تعج بالأصنام المختلفة وما زات آثار المنطقة تدل على كمٍ كبيرٍ متنوعٍ من الآلهة.

المحور الرابع : السرعة في الحركة:
وفقاً لرواية التوراة قد :{"فارتحل بنو إسرائيل من رعمسيس إلى سكّوت نحو ستمئة ألف ماشٍ من الرجال عدا الأولاد. وصعد معهم لفيف كثير أيضاً مع غنمٍ وبقرٍ مواشٍ وافرة جداً  } (سفر الخروج 12: آية 37 و38).عندما أمر الله تعالى موسى أن يخرج ببنى اسرائيل قامت نساء بني اسرائيل بعملية تمويهٍ استعرنَّ بها من نساء آل فرعون حُليهنَّ وقلنّ لنساء آل فرعون أنّهن خارجات لعيدٍ من أعياد بني اسرائيل تمويهاً لعملية الخروج.  فخرج موسى ببنى اسرائيل فى أول الليل متجها جنوباً نحو السكّوت بعد أن نام فرعون وقومه، فبلغ الخبرُ فرعونَ في الصباح الباكر فركب ومعه جنوده مشرقين- أيّحين طلعت الشمس - فأدركهم في العمق السوداني فضرب موسى النيل فانفلق فعبر موسى ومن معه، ولما أقبل فرعون ومن معه ودخلوا من حيث دخل موسى وقومه وصاروا جميعاً فى وسط النيل أمر الله تعالى النيل فالتطم عليهم بقوة السيل فأغرقهم أجمعين.
وعند تحليل هذا الحدث بمقياس السرعة سنجد أن الفارق الزمني بين بداية الخروج ليلاً وبداية تحرك جيش فرعون بعد شروق الشمس هو حوالى 8 إلى 10 ساعات. ومن المستحيل لجماعة في هذا الحجم الذي ذكرته التوراة أن تصل حدود البحر الأحمر ثم تقطع البحر الأحمر في خلال 8 أو 10 ساعات والمسافة بين النيل وأقرب نقطة على ساحل البحر الأحمر لا تقل عن 200 كيلو. فلهذا من المستحيلات العقلية والحسابية أن تقطع هذه المسافة في ليلة واحدة لأنّ جماعة ضخمة مثل هذه فيها نساء وأطفال وشيوخ ومرضى وممتلكات تكون بطيئة الحركة ولن تزيد سرعتها عن 30 كيلو في اليوم وهذا يعني أنها تحتاج ل 7 أيام للوصول لتلك النقطة، وسياق الآية يدل بوضوح أنّ فرعون تبعهم في الصباح عند شروق الشمس ولم ينتظر كثيراً وذلك في قوله تعالى: { فَأَتْبَعُوهُم مُّشْرِقِينَ}{ فَلَمَّا تَرَاءَى ٱلْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَىٰ إِنَّا لَمُدْرَكُونَ } (الشعراء 60-61). وكلمة مشرقين تعني وقت الإشراق لأن الله تعالي يقول في خبر قوم لوط " { لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ}{ فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ } (الحجر 72-73)، أي في وقت الإشراق. كما أنّ "الفاء" في قوله تعالى: { فَأَتْبَعُوهُم مُّشْرِقِينَ} تفيد الترتيب والتعقيب ويكون ما بعد الفاء كلاماً متصلاً ومستأنفاً يعمل بعضه في بعض بصورة متداخلة لا يفصل بينها زمن كبير.
فإذن من الخطأ أن نقول أن الهجرة كانت شرقاً نحو البحر الأحمر كما ذكر المفسرون من غير دليل.  وكل المؤشرات في نظري تشير إلى أنّ هجرة موسى (ص) الأولى ببنى إسرائيل إنّما كانت جنوباً في العمق السوداني حيث دولة النوبة. وأقول ذلك لأنّ موسى كان يعلم أن الوقت لن يسعفه ليصل إلى البحر الأحمر بقومه سالمين في ليلة واحدة،فكان من المنطقي أن يخرج بهم مسرعاً لمنطقة قريبة لكنها خارج حدود الفرعون السياسية، فكانت أقرب نقطة جغرافية خارج نطاق حكم الفرعون هي منطقة السكوت التي تقع في الحدود الجنوبية في إطار دولة النوبة التي تناصب فرعون مصر أشدّ العداء. فلذلك خرج موسى بقومه مسرعاً قاصداً منطقة السكوت بالقرب من حلفا كما صرحت بذلك التوراة في سفر الخروج في الإصحاح رقم 12.والهروب جنوباً هو عمل معقول حسابياً و"لوجستياً" لأنّه سيوفر لهذا العدد الضخم الماء والغذاء والحماية السياسية أيضاً إذا وصلوا الحدود ودخلوا في حماية الدولة المعادية بالفعل.وعليه، أعتقد أنّ موسى خرج بقومه جنوباً محاذياً للنيل إمّا من الناحية الغربية–إذا كان قومه يسكنون غرب النيل- حتى لا يهدر الزمن في مسألة العبور شرقاً وهو لا يمتلك المراكب والسفن التي تسهل له عملية العبور بسرعة قبل إنجلاء الليل. وإمّا أن يكون سار جنوباً محاذياً للنيل من الضفة الشرقية إذا كانت نقطة الإنطلاق تقع في شرق النيل. وفي كل الأحوال سار موسى (ص) وقومه جنوباً في محاذاة النيل وعندما أدركهم فرعون وجنوده ضرب موسى (ص) النيل وعبر هو ومن معه إمّا للناحية الشرقية أو الغربية وأُغرق فرعون وجنده في النيل. وغرقُ فرعون لم يدفع موسى (ص) للرجوع لمصر بل واصل رحلته مع قومه جنوباً على ضفاف لنيل حتى استقر بهم المقام في أرض السكوت من الناحية الغربية أولاً ثم واصلوا الرحلة حتى منحنى النيل حيث يقع جبل البركل. وجبل البركل يقع في نهاية المنحنى الغربي الذي ييدأ من المنحنى الشرق عند مدينة أبو حمد ويتجه غرباً نحو مدينة الدبة ثم ينحرف شمالاً نحو مصر. يقول الله تعالى: { وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ ٱلْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَى ٱلأَمْرَ وَمَا كنتَ مِنَ ٱلشَّاهِدِينَ }. هذا الجبل الغربي يقع أيضاً على الشاطيء الأيمن بالنسبة لحركة انسياب المياه التي تنحدر من الجنوب وتتجه شمالاً أو من الشرق في إتجاه الغرب، وهذا المكان هو أفضل مكان لعبور النيل في تلك المنطقة. { فَلَمَّآ أَتَاهَا نُودِيَ مِن شَاطِىءِ ٱلْوَادِي ٱلأَيْمَنِ فِي ٱلْبُقْعَةِ ٱلْمُبَارَكَةِ مِنَ ٱلشَّجَرَةِ أَن يٰمُوسَىٰ إِنِّيۤ أَنَا ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ}  وقوله: { يٰبَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنجَيْنَاكُمْ مِّنْ عَدُوِّكُمْ وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ ٱلطُّورِ ٱلأَيْمَنَ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْمَنَّ وَٱلسَّلْوَىٰ }وقوله:{ وَنَادَيْنَاهُ مِن جَانِبِ ٱلطُّورِ ٱلأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً وَوَهَبْنَا لَهُ مِن رَّحْمَتِنَآ أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيّاً}. وسياق الأيات يدل على أن موسى وقومه كانوا في الشاطيء الأيسر عندما نوديَ موسى من جانب الشاطيء الايمن الذي يقع فيه الجبل الغربي. ووجدهم على الشاطئ الأيسر قد يصح دليلاً على أنً العبور كان من الشرق للغرب.
وجبل البركل هو مكان مقدس لأهل الحضارة النوبية وقد أورد أحد كتاب الإنترنت معلومة مهمة عنه قال فيها: " والاسم الحقيقي للجبل هو "نوركل" كما اورد ذلك العلامة د. عكاشة في كتابه القاموس النوبي الصغير، و"نوركل" كلمة من عبارتين باللغة النوبية ف"نور" تعني الله و"كل" تعني بقعة أو قرب الله، وبالتالي يكون معني مسمى الجبل هو "بقعة الله" أو "قرب الله"، وهو بالفعل ما كان يعتقده أهل تلك الحضارة وسكان بلاد المنطقة في معتقدهم. فالمنطقة هي حيث كان يحج النوبيون اصحاب الآرض والحضارة وبالتالي هي جبل "نوركل" وليست"بركل" "(انتهى كلامه). وأنا أعتقد أنّ كلمة "نور" هذه عربية والعربية لم تكن لغة أهل تلك المنطقة في ذلك الزمان مما يدل على حداثة الاسم "نوركل"، فالإسم القديم في اعتقادي غير معروف، ولكن المهم هو أن تلك المنطقة منطقة مقدسة بحسب تواتر الأخبار وآثار المعابد فيها.ونخلص من كل ذلك أن جبل البركل هو الجبل الغربي الذي قُضي فيه إلى موسى الوصيا العشر عن طريق الوحي. أمّا تكليم الله تعالى لموسى(ص) قد حدث في جبل سيناء الواقع في مدين  وليس في صحراء سيناء.  وجبل سيناء يقع في الناحية الشرقية من اللسان الشرقي للبحر الأحمر  المسمى بخليج العقبة في الحدود الشمالية الغربية للمملكة العربية السعودية الحالية، وتلك هي المنطقة التي قابل فيها سيدنا موسى (ص) سيدنا شعيب (ص) وتزوج بنته.  في هذا الجبل تلقى موسى أمراً إلهياً أن يُخرج بني إسرايل من مصر ويأتي بهم لمدين. وقد حدث ذلك في الخروج الثاني الذي انطلق من منطقة السكوت في شمال السودان نحو  مدين. 
من باب الأمانة العلمية يجب أن أقول أنّني قد سمعت أنّ الشيخ النيّل أبوقرون قد ذكر نفس الشيء عن جبل البركل ولكنّني لم أقف على أدلته وحججه العلمية ولم أقرأ ما كتب في هذا الخصوص، وبالتالي لم أقتبس من أدلته شيئاً وإنّما تحققت من فرضيته العامة باجتهادٍ خاص منّي. 
من أين جاء بنو إسرائيل لمصر؟
ذكر أحد كتاب "النت" مشيراً إلى مراجع يهودية أنّ دولة النوبة كانت تصرف على اليهود في أورشليم الأرض المقدسة وكانت تربطها بالأرض المقدسة صلة وثيقة وأشار لرسومات الرسام الهولندي اليهودي رامبرانت الذي وثّقفيها لتلك الرابطة بين اليهود وأرض النوبة برسومات خالدة.  وهذه المعلومة في نظري معلومة مهمة جداً لأنّها ستقودنا لسؤالٍ مهمٍ جداً. من الملفت للنظر أنّ الناس يسألون ويبحثون عن هجرة اليهود من مصر للجهات المختلفة في الوقت الذي لا يتذكر أحدٌ من هؤلاء الناس أن يسأل نفسه أو يسأل علماء التاريخ، من أين وكيف ومتى جاء بنو اسرائيل للفراعنة بمحض إرادتهم؟أو من أين ومتى وكيف جاء الفراعنة ببني إسرائيل لأرضهم عُنوة وقهراً؟  وإذا كان من الواضح جداً أن بني إسرائيل ليسوا فراعنة مصريين، ولم يأتوا من فلسطين ليستقروا في مصر،فمن أين جاءوا إذن؟تذكر التوراة في الآية 40 من الإصحاح 12:أنّ{..إقامة بني إسرائيل التي أقاموها في مصر فكانت أربعمئة وثلاثين سنة} فإذن حسب التوراة أنهم ليسوا مصريين فراعنة.
الإحابة عندي هي أن أصول بني إسرائيل هي أصولٌ سودانية وذلك لعدة اسباب:
أولاً: لقد أثبتنا أنّهم فروا جنوباً والإنسان عادةً ما يفر إلى موطنه الأصل إذا لاقى عنتاً في غربته. فهو لا يخاطر بالاغتراب مرةً ثانية.
ثانياً: لقد ثبت أنّ لون بشرتهم هو لون أهل السودان الشمالي وأوصاف سيدنا موسى (ص) هي أنّه أجعد الشعر آدم اللون أي لونه يميل للسواد.
ثالثاً: إن لغة بعض قبائل البجة التي تشترك مع اللغة الأرترية قريبة جداً للّغة العبرية، وقد حكى لي أحد الإخوة الارتريين أنّه يفهم كثيراً من كلام اليهود بالعبرية بالرغم من أنّه لم يتعلم العبرية قط. وأعتقد أن هذا مجال بحثٍ للمختصين في مجال علم الألسن.
رابعاً: يذكر أنّ سيدنا موسى تزوج من بلاد كوش ولو لم يكن له صلات ومعارف ومعرفة بالمنطقة لرفض أهل المنطقة تزويجه.
خامساً: كانت رحلة سيدنا موسى مع الرجل الصالح على النيل بالقرب من عطبرة أو الخرطوم حيث مواقع الإقتران الأساسية، ونلاحظ أن موسى قال لفتاه "{ ... لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا} فمن سياق الآية أنّ موسى كان يعرف المنطقة جيدأ ولم يسأل عن مجمع البحرين. وأنبّه هنا للفرق بين "مجمع البحرين" في بحرٍ واحدٍ و"مفرق البحر" إلى بحرين. فالمجمع يجمع بين بحرين مختلفين والمفرق عكسه تماماً يقسّم البحر الواحد لأكثر من بحر.
سادساً: تقف صلة النوبة القديمة بيهود أورشليم دليلاً سادساً لعلاقة اليهود بالسودان. فإذا لم يكن للنوبة صلة بأهل أورشليم فما هو الدافع للصرف عليهم ودعمهم مادياً من خزانة دولتهم؟الحقيقة التاريخية تقول حسب هذا التحليل إنّ يهود أورشليم تحركوا من منطقة جبل البركل نحو القدس فتاهوا 40 سنة في مكانٍ ما ثم بعد ذلك دخلوا القدس وأسسوا دولتهم. وهاهو التوراة يذكر منطقة السكوت صراحة فيقول: "وارتحلوا من سكوت ونزلوا في إيثام في طرف البرية" (سفر الخروج: الإصحاح 13: آية 30). والمقصود أنّهم خرجوا من منطقة السكوت في اتجاه الشمال الشرقي فتاهوا في الصحراء والجبال.هذا هو سر العلاقة بينهم وبين دولة النوبة، فهم جزء من مكونات المنطقة وهاجروا للقدس لأسباب دينية من أرضهم الأصلية أرض السودان وقد كان فراق النيل صعباً عليهم فلذلك ترددوا وتعنتوا كثيراً قبل أن يذهبوا مع موسى، وقالوا لموسى (ص){إذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون}، وبسبب هذه الكلامات عوقبوا بالتيه في الصحراء بعد أن فارقوا النيل ونعيمه من منطقة السّكوت بالقرب من حلفا. والدليل على أنهم من أبناء النيل شعارهم الحالي المرفوع في الكنيست الإسرائيلي الذي يقول إن إسرائيل الكبرى تمتد حدودها من الفرات إلى النيل. 
سابعاً: هناك صفات نفسية مشتركة بين أهل السودان واليهود بعضها سالب وبعضها موجب. فمن السالب الشعور بالصفوية على باقي الشعوب لدرجة إحتقارهم، وعناد القادة، والتمسك الشديد بالعادات والخصوصية الثقافية، وكذلك من خصائص الفريقين ترويض الدين ليتماشى مع عاداتهم وتقالديهم. ومن أهم الصفات الموجبة المشتركة بينهم شدة الذكاء. 
إلى أيّ أرضٍ يشير الله تعالى في قوله {التي باركنا فيها} ؟
بعد أن أغرق الله تعالى فرعون قال:{ وَأَوْرَثْنَا ٱلْقَوْمَ ٱلَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ ٱلأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا ٱلَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ ٱلْحُسْنَىٰ عَلَىٰ بَنِيۤ إِسْرَآئِيلَ بِمَا صَبَرُواْ وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ}.قال الإمام السيوطي (توفى 911 هـ) في تفسيره: " أخرج أبو الشيخ عن الليث بن سعد في قوله { وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها } قال: هي مصر ، وهي مباركة في كتاب الله."  وقال الإمام أبو السعود (توفى 951 ه) في تفسير الآية: " أيّ (أُورثوا) جانبـيها الشرقيَّ والغربـيَّ حيث ملَكها بنو إسرائيلَ بعد الفراعنةِ والعمالقةِ وتصرّفوا في أكنافها الشرقيةِ والغربـية كيف شاؤوا، وقوله تعالى: { ٱلَّتِى بَارَكْنَا فِيهَا}  أي بالخِصْب وسَعةِ الأرزاقِ، صفةٌ للمشارق والمغارب".
وقال الإمام الثعالبي في  تفسيره: " { وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ } ويسكنكم مصر من بعد التسخير والاستعباد وهم بنو إسرائيل { مَشَارِقَ ٱلأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا } يعني مصر والشام { ٱلَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا } بالماء والأشجار والثمار ملكها بنو إسرائيل بعد الفراعنة والعمالقة، وتمكنوا من نواحيها { التي باركنا فيها } بالخصب وسعة العيش، وهي أرض الشام. وزاد ابن جزي: ومصر".ولكن سيد قطب في تفسير الظلال يقولإنّ استخلاف المستضعفين من قوم موسى " لم يكن في مصر، ولم يكن في مكان فرعون وآله. وإنّما كان في أرض الشام، وبعد عشرات السنوات من حادث إغراق فرعون - بعد وفاة موسى عليه السلام وبعد التيه أربعين سنة"
وأقول: إنّ الذين قالوا إن الأرض المبارك فيها هي أرض الشام مخطئين من غير شك لأنّ سياق الآية يتحدث عن عاقبة فرعون وقومه وبالتالي من المنطقي أن نفسر كلمة "الأرض"في هذا السياق بأنّها أرض الفراعنة التي تحت سيطرتهم أو أرض الهجرة.وإخراج الأرض من هذه المنطقة الجغرافية لمنطقة جغرافية أُخرى خارجة من مشهد الحدث التاريخي هو تعسف في التفسير ومنهجٌ غيرُ صحيحٍ بالمرة. والإستخلاف لا يعني بالضرورة عملية الحكم  السياسي لأن موسى وقومه لم يحكموا مصر بعد فرعون كما أشار سيّد قطب وأشارت التوراة التي تقول: { لئلا يندم الشعب إذا رأوا حرباً ويرجعوا إلي مصر فأدار الله الشعب في طريق برية بحر سوف }(سفر الخروج 13 : 17).  ولهذا قد يأتي الإستخلاف بمعنى استخلاف الحرية للإستعباد، واستخلاف الإمتلاك للسخرة، واستخلاف القبض بزمام المبادرة للتبعية. وهذا ما حدث بالفعل لبني إسرائيل في المنطقة التي هاجروا إليها على ضفاف النيل الذي كان يجري تحت عرش فرعون حيث كانوا عبيداً يفلحون له الأرض ولا يملكونها. ولكن بعد هلاك الفرعون أصبح هؤلاء العبيد أحراراً ومُلاكاً يمتلكون الزرع والضرع وصناعة المعادن في شرق النيل وغربه، ويستفيدون من النيل لأنفسهم لا لغيرهم.
فإذن الأرض التي بارك الله فيها في هذا السياق التاريخي هي أرض الهجرة في العمق السوداني وليست أرض الفرعون التاريخية مصر لأنّ التوراة تقول : { لئلا يندم الشعب إذا رأوا حرباً ويرجعوا إلي مصر}(سفر الخروج 13 : 17) ووفقاً لهذا النص التوراتي أنّهم لم يرجعوا لمصر ليحكموها وبالتالي لا يمكن أن يكون الإستخلاف حدث في مصر، وطالما أن الإستخلاف لم يحدث في مصرف الأرض التي بارك الله فيها ليست مصر.  ولا يمكن أن يكون الإستخلاف حدث في الشام أيضاً لأن الشام لم تكن من ممتلكات فرعون حتى تشملها الآية، ودخول اليهود القدس أو الشام وتأسيس ملكهم فيها كان بعد فترة طويلة جداً من حادث الإغراق، وسياق الآية يدل على أن الإستخلاف حدث بعد الإغراق بوقتٍ قصيرٍ جداً. وفي أحسن حالات المرافعة يمكن أن تشترك مصر في المعادلة بنسبةٍ ضعيفةٍ جداً ولكن لا مكان لأرض الشام في هذه المعادلة التاريخية أبداً. 
أرجو أن أكون قد وفقت في طرحي هذا وأضفت به شيئاً جديداً نافعاً. ولله الحمد من قبل ومن بعد، وقل ربي زدني علماً إنّك أنت السميع العليم.