بسم الله الرحمن الرحيم 

المـدخـل :
اولا:
منذ وقت ليس بالقصير استقرت تجربه الانسان بان العدل هو أساس الحكم وبناينه القوى المتين. والانسان كائن اجتماعي  يعيش في مجتمع يتأثر  فيه ويتأثر به سلبا وايجابا ، يبحث عن ذاته  عن التميز والكرامه . ولقد علت قيم العمل  والكسب الشخصي ماديا وعلميا ، حتى أصبحت المنافسه جزء لا يتجزأ من السلوك الحياتي اليومي ، مما جعل الانسان في حاله  من الصراع الثقافي والاجتماعي، والبقاء  والسياده فيه للقوي والاكثر مكرا ودهاء. تطورت التجربه الانسانيه عبر العصور  وفي كل مرحله  من مراحل التطور  التاريخي ، وكان الانسان يستحدث وسائل وأساليب  للحياه تتلائم مع التطورات الاجتماعيه والحياتيه ، لتحقيق اكبر قدر من التعايش. حتى أصبحت  الدوله هي اكثر  صور التعايش الانساني  تطورا . ونجد ان الدولة  كيان إجتماعي سياسي، يعتبر أهم مقومات البناء الاجتماعي والانساني، بالرغم من ذلك لم ينتهي  مشوار  البحث عن صيغ أكثر تطورا من مفهوم الدوله ككيان إجتماعي . لقد أنشئت مؤسسات أقليميه لاجل ضمان الأمن والسلم الدوليين، ولضمان حماية حقوق الإنسان وكرامته والحريات العامه والسياسيه والاقتصاديه والاجتماعيه.
يعتبر العدل أساس الحكم وبناءه المتين، وهو من المبادئ الاساسيه والتي شيدت عليها المدنيات المعاصرة وعلى أساسها قامت نهضة الشعوب . نجد إن المتفق عليه  إن مسئوليه  إقامة العدل تقع على كاهل القضاء ، منذ أقدم العصور  فالقضاء هو الفيصل في النزاعات  التي تنشأ بين الانسان وأخيه الانسان من جهة ، والحكم في النزاعات والتي تنشأ بين الافراد والدوله من جهة أخرى ، ولأجل تحقيق هذه الغايه تنشئ الدوله أجهزة عدليه ذات  سلطات شبه قضائيه تعمل من أجل تحقيق تلك الغايه . أهم تلك الاجهزة النيابه العامه والتي تتولى الادعاء الجنائي نيابه عن المجتمع حاميه له من الجرائم التي تمسه وتمس أمنه وسلامته وممتلكاته . كما نجد ان الادعاء العام من أوجب واجباته حماية المجتمع من الجرائم السلطوية  والتي تمس المجتمع في ماله وذاته وحقوقه وتهدد إستقراره.

ثـانيـا :
ولأجل تطوير وتجويد العمل القانوني تعتبر وزاره العدل من أهم المرتكزات الأساسيه لترسيخ العداله،  ووزاره العدل في السودان ذات صبغه  تنفيذيه  وعدليه، أنشئت لأجل أهداف عديده وكلها ذات ارتباط  وثيق بكل ما يهدف لأجل تحقيق العداله، فنجد وزاره العدل من حيث الانشاء ، والتعيين ، ذات ارتباط وثيق بالسلطه التنفيذيه، وذلك بموجب الدستور والقانون واللوائح. ولتؤدي واجبها العدلي بحيادية  تامه،  ولحمايه المجتمع  من كل ما يمس كرامته ويهدد أمنه. إن كثرة الفساد  وسؤ الاخلاق وعدم الأمان  والاطمئنان  في نفس المواطن، يعود لسؤ حال العدل، والذي ينسحب  على  الاجهزة العدليه، وتعتبر وزارة العدل عمودا فقريا  لهذه الأجهزه من حيث التنسيق  والتنفيذ لأجل بسط العدل وحماية المجتمع من كل معتد .
المدخل اعلاه يفرض علينا عدة اسئله في منتهي الاهميه ، هل قانون وزارة العدل لسنه1983 الحالي يمنح  وزارة العدل ، بشكلها الحالي لاداء رسالتها تجاه حمايه المجتمع ؟ حتى يكون هنالك بسط للأمن والعداله المنشودة،  والتي تغي المجتمع من كل شر،  سواء كان  متعلق بالفساد ، والذي أضحى  حديث المجتمع ؟ وهل تستطيع  وزاره العدل بقانونها وارتباطها  بالسلطه التنفيذيه ، أن تحد من الجرائم  والتي تمس المجتمع ؟ لأجل بسط العداله الجنائيه بحيادية تامة ومرجوة ؟ الاجابه قطعا بالنفي 
ولأجل حمايه  المجتمع من الفساد والجريمه ، التي تمددت ولكبح جماح هذه الافعال، لا بد من اعاده  صياغه وتعديل قانون وزاره العدل . ان النظم العالميه والمواثيق الدوليه ، ومعظم الدساتير في دول العالم، تؤسس فصل الادعاء العام عن السلطه التنفيذيه ، لأجل الاستقلال التام و الحيادية المطلوبة . وعليه لا بد من وضع هيكلية تجعل المدعى العام وهيئه الادعاء العام ممثله في وكلاء النيابات العامه بمعزل عن وزاره العدل،  والتي تعتبر جزء  أصيلا من السلطه التنفيذيه  وعلى ان يتم تعيين المدعى العام بآلية خارج إطار السلطه التنفيذية، وينص عليها بالدستور، على ان تمنح المدعى العام وهيئته إستقلال  تام فنيا وأدرايا وماليا  وصلاحيات واسعه وامتيازات واسعه،  لهم ولأسرهم لأداء رسالتهم تجاه المجتمع دونما تأثير من سلطه تنفيذيه او غيرها .
اولا : تاريخ ظهور الادعاء العام :-
الأصل في ظهور مفهوم الادعاء العام ( النيابات العامه ) المدرسه اللاتينيه وكان ذلك بفرنسا عام 1808 ثم تبع ذلك المفهوم بعضا من الدول ذات الاصل القانوني الانجلو سكسوني حيث نجد ظهور مفهوم الادعاء العام بانجلترا عام 1879م.
إن النيابه العامه والمتمثله في المدعى العام عندما عملت بها الدول من غير  ذات المدرسه اللاتيينيه ،  نجدها  قد عملت  بنظام الادعاء العام  أي النيابات  العامه . ولأجل قضايا محدده  مثل القضايا التي تمس المجتمع ، والقضايا  التي تمس أمن البلاد ، وقضايا  المال العام  والمتعلق  بفساد الموظفين التنفيذيين،  وشاغلي  المناصب  العامه القياديه،  دستوريه كانت ام غيرها. وذلك عكس ما هو منصوص عليه في القانون اللاتيني مثالا لفرنسا ومصر ، فنجد ان الإتهام  وقيد الدعوى  الجنائيه  ابتداء بما فيها التحقيق الجنائي من صميم أعمال النائب العام والنيابات العامه، دون تمييز للجرائم  المرتكبه  لتحريك الدعوى  الجنائيه ، فنجد ان التحريات  والاشراف عليها   يقوم بها الادعاء العام  والنيابه العامه .
من الملاحظ  إن تأسيس هيئه الادعاء العام والنيابات العامه ، سواء كانت  من حيث المفهوم اللاتيني أو الانجلو سكسوني ، تم تأسيسها باعتبارها سلطه  شبه قضائيه  وعرفت بالخصم الشريف،  مما إستوجب على تلك المدارس القانونيه ، ان تجعل هيئه الادعاء العام وهيكلتها الاداريه والماليه  والفنيه ذات استقلال تام عن السلطه التنفيذيه  والتشريعيه،  لتأطير صبغتها ذات الشفافيه والحياديه المطلوبه لأجل حمايه المجتمع من الجرائم التي تمسه.
ثانيا تاريخ ظهور الادعاء العام في السودان :-
عرف السودان التحقيق الجنائي من حيث القانون الجنائي قانون العقوبات عند دخول المستعمر 1899 ثم تبعه  قانون الاجراءات الجنائيه 1925م . وفي عام 1972 صدر قانون السلطه القضائيه . والذي جعل من وزير العدل  مسئولا عن القضاء ،وكان ذلك باعتباره نظاما قضائيا  لم يألفه السودان من قبل ، هذا النظام القانوني للسلطه القضائيه أخذ من النظام  المصري برمته . إلا انه ألغى في عام 1973 لإصطدامه  بعوائق جعلته لا يستمر.
ولأول مرة يرد ذكر المدعى العام والإتيان بمنصب المدعى العام كان بصلب قانون السلطه  القضائيه لسنه 1972 نجد ان هذا القانون قد منح رئيس الجمهوريه ، ان يكون له القول الفصل في جميع المسائل الهامه المتعلقه بالقضاء.  مما جعل أجهزه العدل المهمه  من قضاء ، ووزارة عدل وإدعاء  عام أسيرة للسلطه التنفيذيه. مما أفرغها من محتواها  المتمثل في الحياديه  والشفافيه  وبسط العدل ، الإ ان ذلك القانون  وجد مواحهة شرسه من القانونيين في ذلك الوقت وحررت شهاده وفاته بعد عام من تاريخ نفاذه في 3/6/1973 .
الغايه من الاشاره لقانون السلطه القضائيه لسنه 1972 لتأكيد ان مفهوم الادعاءالعام لجمهوريه السودان) كان أول ظهورا له بصلب قانون السلطه القضائيه 1972( الباب الخامس منه المواد 55 -56-57 ) تمنح وزير العدل الاشراف على المحاكم ، والقضاة كما تمنحه حق التنبيه لرؤساء المحاكم.
أيضا نجد أن قانون السلطه القضائيه لسنه 1972 أعطى وزير العدل حق الإشراف والتعيين لرجال النيابه العامه، وبموجب ذلك نجد إن مفهوم الادعاء العام والنيابات العامه ، ولأول مرة بالسودان كان من خلال قانون السلطه القضائيه 1972.( ورد بالباب الحادي عشر منه النيابه  العامه وسلطاتها. كما نصت الماده 96 على إختصاصات النيابه العامه ).
حددت بصلب قانون السلطه القضائيه لسنه 1972 تبعيه رجال النيابه العامه لوزير العدل،  وله حق الإشراف والتعيين والرقابه. كما نص القانون على جوازيه وزير العدل تعيين المستشارين القانونيين بوزارة العدل للقيام باعمال النيابه العامه،  أمام المحاكم  وبمعاونه رجال الشرطه. ولهم سلطه الضبط  والقبض والتفتيش على الوجه المبين في ذلك القانون . وبموجب قانون السلطه القضائيه لسنه 1972 .
في عام 1973 إستجابه السلطه  لإرادة القانونيين، وقامت بإلغاء قانون السلطة القضائية لسنه 1972 ولم يعد وزير العدل مسئولا عن القضاء كما ورد بصلب القانون . كما ان إلغاء قانون السلطه القضائيه لسنه 1972، افرز قانون للنائب العام لسنه 1973م ، ومنح رئيس الجمهوريه في ذلك الوقت سلطه لتعيين النائب العام وبحكم منصبه وزيرا ، يكون مستشارا  قانونيا للدوله ويتولى نيابه عنها جميع الاعمال  ذات الطبيعيه القانونيه ، بموجب هيكله تضم مجموعه من المستشارين القانونيين بإداراتها المختلفه.
في عام 1981 تم إلغاء قانون النائب العام لسنه 1973، وصدر قانون النائب العام لسنه 1981 وانشئ بموجب ذلك القانون ديوان النائب العام بموجب الماده (10) منه ، يرأسه النائب العام  ويتولى الإشراف على نظامه وإدارته، ويتكون من النائب العام والوكيل ورؤساء الإدارات وسائر المستشارين القانونيين والموظفين والعمال التابعين له . ويكون لديوان النائب العام وكيل يعينه رئيس الجمهوريه بناء على توصية النائب العام . ومن ضمن مهام النائب العام الاشراف على سير الدعاوى الجنائيه  وإجراءات التحري والظهور أمام المحاكم الجنائيه . كما يختص النائب العام بأخذ العلم باية جريمه والتحري فيها ، وتولى الإتهام وتكون له جميع السلطات المنصوص عنها في اي قانون  ينظم التحري وخاصة قانون الاجراءات الجنائيه لسنه 1974م.
في عام 1983 تم إلغاء قانون النائب العام لسنه 1981 وصدر قانون تنظيم وزاره العدل لسنه 1983 .وبموجبه ظهر مفهوم الادعاء العام ، حيث ورد بصلب القانون المواد (5 ، 6) وجعلت كل مهام وزاره العدل باسم وزير العدل ، ويكون تمثيل الادعاء العام ( الإتهام ) بأسمه وتكون النيابه العامه ممثله له . ومن الملاحظ إن قانون تنظيم وزاره العدل والذي صدر عام  1983 تبعه  صدور القانون الجنائي لسنه 1983 ، وصدور قانون الاجراءات الجنائيه 1983 . 
في عام 1991م بتاريخ 11/11/1991م تم إلغاء قانون الاجراءات الجنائيه لسنه 1983 وصدر قانون الاجراءات الجنائيه لسنه 1991 م، والذي بموجب أحكامه وأحكام قانون تنظيم وزاره العدل 1983 أنشئت وكاله النيابة العامة . حيث إستصدر السيد وزير العدل بموجب احكلم الماده 18- 2 من قانون الاجراءات الجنائيه لسنه 1991 لوائح تنظيم عمل وكالات النيابه ، وذلك بموجب السلطات والمخوله له بموجب قانون الاجراءات الجنائيه 1991 .
ومن الملاحظ نجد إن قانون  تنظيم وزارة العدل 1983 جعل من السلطه التنفيذيه العليا ممثله في رئيس الجمهوريه ، ذات ارتباط بتعيين وكيل وزاره العدل وتعيين المستشار العام وكبير المستشارين بوزاره العدل. بل قانون تنظيم وزارة العدل المشار اليه جعل رئيس الجمهوريه ذو ارتباط بتعديل حدود مرتبات ، ومخصصات ، المستشارين القانونيين ، انظر المواد (11-13-22- 23 -24 ) من قانون وزارة العدل لسنه 1983م . كما يجوز لرئيس الجمهوريه حسب القانون قانون تنظيم وزارة العدل 1983 تحديد شروط التعيين، وله حق تعيين المستشارين ، ولا يجوز الطعن في القرارات الصادره بتعيين المستشارين القانونيين بأي من طرق الطعن أمام أي جهة قضائيه ، وعليه بالركون للدستور وقانون تنظيم وزارة العدل 1983 وقانون الاجراءات الجنائيه لسنه 1991 واللوائح الصادره من السيد وزير العدل في تنظيم اعمال النيابات الجنائيه،  تنجلي القبضة المحكمة على أعمال الادعاء العام من قبل السلطه التنفيذيه بموجب الدستور والقوانين الوارد ذكرها.
من خلال السرد التاريخي لمفهوم الإدعاء العام في السودان وحسب  تواتر القوانين،  الأصل في الإدعاء العام  وزير العدل. وبالتالي يتضح ان الوكيل والمدعى العام لجمهوريه  السودان. والنيابات العامه  ممثله  له . وبهذا الفهم  تم إختزال مفهوم الادعاء العام في شخص وزير العدل، ومما لا يدع مجال للشك إن مفهوم الادعاء  العام في السودان يعتبر جزأ أصيلا من السلطه التنفيذيه . ويعتبر السيد المدعى العام لجمهوريه السودان حسب قانون تنظيم وزارة العدل لسنه 1983 احد كبار المستشارين او مستشارا عاما بوزارة العدل ، يخضع لإشراف وكيل وزارة العدل والسيد وزير العدل ، وتعتبر أعماله  ذات وثاق بالسلطه التنفيذيه. وهنا يتضح مكمن الخلل ومفهوم المخالفه للأسس القانونيه والمبادئ التوجيهيه  لميثاق الامم المتحده ، والمتعلقه بدور الإدعاء العام والنيابات العامه .
وعليه أرى ان وضعيه السيد المدعى العام  لجمهورية  السودان والنيابات العامه بموجب قانون تنظيم وزارة العدل ، تجعل اعمالهم مقيدة  ومغلولي اليدين ، مما يقعدهم عن أداء واجباتهم المهنيه حسب مفهوم الادعاء العام الصحيح والمطلوب قانونا ويخالف ما أرسته المدارس القانونيه والمبادئ التوجيهيه لميثاق الامم المتحده والمتعلق بدور الإدعاء العام.
وعليه أخلص  من خلال السرد التاريخي لقانون وزارة العدل 1972 وقانون النائب العام 1973 وقانون النائب العام 1981 وقانون تنظيم وزارة العدل 1983 . نجد ان مفهوم الادعاء العام كان متارجحا ومخالفا للمضمون والمحتوى، ولم يخرج  من عباءة السلطه التنفيذيه على مدار  أكثر من ثلاث عقود  من الزمان وحتى يومنا هذا . وإذا ما تم  إستثناء الانظمه  الشموليه خلال  تلك العقود باعتبارها انظمه ديكتاتوريه لا تسعى لبسط العدل وسياده حكم القانون، فلن نجد العذر لحقبة الديمقراطيه الثالثه 86 -89  فلا أدرى تجاهلت ذلك الأمر عن عمد ، أم عن جهل ، فإن كان عمدا فتلك مصيبه وان كان جهلا فتلك مصيبه كبرى.
من خلال ظهور الادعاء العام وعلاقته بمفهوم وظهور الادعاء العام في السودان، نجد إن النظام القانوني السوداني للادعاء العام مخلال ومختلا، لا هو متسقا مع مفهوم المدرسه اللاتينيه ولا متسقا مع مفهوم المدرسه الانجلو سكسونيه .مما جعل مفهوم المدعى العام والنيابات العامه في السودان ، اكثر تعقيدا في تحقيق العداله وفيه إهدار للحقوق الاساسيه تجاه المجتمع . وكما إن نظام الإدعاء العام في السودان ، يخالف المبادئ التوجيهيه للأمم المتحده والمتمثله في المعايير الدوليه والمتعلقه بدور النيابه العامه ( انظر المبادي التوجيهيه للأمم المتحدة المبدأ (15) المتعلق بدور النيابه العامه .
ثالثا : المعايير الدوليه المتعلقه بدور النيابه العامه : ( المبادئ التوجيهيه للأمم المتحده )
1/ يعتبر المبدأ (15) من المبادئ التوجيهيه للأمم المتحده أحد أهم المعايير الدوليه المتعلقه بدور النيابه العامه . وينص على تولى اعضاء النيابه العامه الإهتمام  الواجب للملاحقات القضائيه المتصله بالجرائم التي يرتكبها موظفون عموميون، ولا سيما ما يتعلق منها بالفساد وإساءه إستعمال السلطه والانتهاكات الجسميه لحقوق الانسان، وغير ذلك من الجرائم التي تمس المجتمع وأمنه.
كما تنص المبادئ التوجيهيه للأمم المتحده على انه ( يقتضي في البلدان التي تكون فيها وظائف أعضاء النيابه العامه متسمه وصلاحيات استثنائيه ، أن يوفر القانون او القواعد او النظم المنشوره مبادئ توجيهيه، من أجل الإنصاف في إطار مقاربة مستقرة في إتخاذ القرارات المتعلقة بالمتابعة القضائيه بما في ذلك  بدء الملاحقه أو صرف النظر عنها ).
كما آمنت المبادئ التوجيهيه  للامم المتحده وحددت واجبات الإدعاء العام والنيابات العامه أسسا منها على سبيل المثال. عدم التردد في بدء المتابعات عندما تكون التهم فيها  تطال مؤسسة ، مع الأخذ في الاعتبار موقف المتهم والمجني عليه ، العمل باعلان مبادئ العدل الاساسيه المتعلقه بقضايا  الإجرام والتعسف  في استعمال السلطه. ومن ضمن الواجبات المهنيه ، والتي نصت عليها المبادئ التوجيهيه للامم المتحده يعتبر أعضاء النيابه العامه من الفاعلين الأساسيين في النظام القضائي ويجب عليهم اداء مهامهم بطريقه محايده وموضوعيه، وإجتناب جميع أنواع التمييز السياسي والاجتماعي أو الديني، أو العنصري، أو الثقافي أو النوعي. وتأدية واجباتهم بحياد ونزاهة، وضمان المحاكمه العادله ونظام قضائي عادل وتأدية واجبهم بانصاف وسرعه، وإحترام كرامة الانسان والتأمين على سلامة الإجراءات وسلامة أعمال نظام العداله الجنائية . بأعتبار ان النيابه العامه خصما شريفا وسلطه شبه قضائيه.
2/ كما نجد ان المبادئ التوجيهيه الدوليه وفضلا عن الضمانات التي يتمتع بها أعضاء النيابه العامه  في اثناء تأدية واجباتهم، لقد نصت تلك المبادئ على الإجراءات التأديبيه ومساءلة أعضاء النيابه العامه، والتي تستحق الإجراءات التأديبيه والمحاسبه ، وتستند على قانون ولوائح . ولقد تضمنت المبادئ التوجيهيه في هذا الشان، عدد من معايير المحاسبة منها معالجه الشكاوى المرفوعة ضد ايا من اعضاء النيابة العامة بطريقه سريعة ومنصفة في اطار إجراءات ملائمة.
3/ ما ذهب اليه المبدأ الحادي عشر من المبادئ التوجيهيه للأمم المتحدة، يؤدي أعضاء النيابه دورا فعالا في الإجراءات الجنائيه ، بما في ذلك بدء الملاحقه القضائيه والإشراف على قانونيه التحقيقات، وتنفيذ قرارات المحاكم وممارسه مهام أخرى بإعتبارهم ممثلين  للمجتمع والصالح العام. طبقا للمبادئ التوجيهيه للامم المتحده فانه يتعين أن  تكون ( مناصب اعضاء النيابه العامه منفصله تماما عن الوظائف القضائيه. وبالرغم من وضوح هذا المبدأ  ، إلا انه وفي بعض الأنظمه القانونيه تتمتع النيابه العامه ببعض الصلاحيات القضائيه كالأمر بالحبس وجمع الادله . أن تكون هذه الصلاحيات القضائيه الممنوحة لأعضاء النيابه العامه مختصره دائما على المراحل السابقه لاجراءات المحاكمه، على ان تمارس هذه الصلاحيات بنزاهة وحياديه وإحترام يستوجب خضوع هذه الوظائف القضائيه لمراجع  قضائيه مستقله.
4/  وضعت المبادئ التوجيهيه للأمم المتحده ضمانات أخرى لحسن أداء مهام النيابات العامه  (مهام الادعاء العام )، فيما يتعلق بالشروط اللائقة لخدمة أعضاء النيابات العامة وحصولهم على أجر كاف ومجز ومعاشهم وسن تقاعدهم، ( على أن تحدد هذه الشروط بموجب القانون أو بموجب قواعد ولوائح منشورة ). وفيما يتعلق بموضوع ترقيه أعضاء النيابات العامه تتشابه المعايير المعتمده مع تلك المطبقه على ترقيه القضاة ، هذا ما عبرت عنه المبادئ التوجيهيه للامم المتحده 
بل ذهب اكثر من ذلك فيما يتعلق بحماية  أسرهم  وأبنائهم والتأمين على دراستهم،  وتوفير الرعاية المطلوبة والاستقرار والمعيشه ،التي تجعل لهم حياة كريمة وسياجا  منيعا من التأثير . فرجل النيابة العامه يقع عليه عبء كبير ومسئوليات جسام لحراسة وحماية مجتمع. فأبسط المقومات التي توفر له ان يكون في حياة وعيشة كريمة ،  تجعله منصرفا إنصرافا تاما تجاه القضايا التي تمس المجتمع من حيث الجريمة والفساد بكافه اشكاله.
5/ من اهم المبادئ التوجيهيه المبدأ التوجيهي التاسع من مبادئ الامم المتحده . ونجده أمن على استقلال اعضاء النيابات العامه ، استقلالا تاما عن السلطه التنفيذيه، ولأجل ضمان هذا الاستقلال وحمايته وتحصينه ان جعل هذا المبدأ التوجيهي، ان لأعضاء النيابه العامة حرية تشكيل الرابطات المهنيه أو غيرها من المنظمات، التي تمثل مصالحهم وتعزز تدريبهم المهني، وتحمي مركزهم وتصون استقلالهم من التاثير، لتنصرف إرادتهم لترسيخ مبادئ العداله بحياديه ونزاهة لحماية المجتمع.
6/ كما نصت المبادئ التوجيهيه للأمم المتحدة فيما يختص بالتعيين لوظيفة النيابه العامه على ان يكون اساسه معيار الكفاءه دون مراعاه لأي من أنواع التمييز العنصري او الجهوي او الديني او الاجتماعي او السياسي او النوعي أو المولاة.
رابعا: /عيوب نظام السودان لمفهوم الادعاء العام :
1/ إنعدام الاستقلال المؤسسي لهيئة الإدعاء العام ( المدعى العام والنيابات العامه ):
كما أسلفت ان المواثيق الدوليه تؤمن على إستقلال الادعاء العام، والغايه هي كفالة العدالة الجنائية ،  والتي تقتضي فصل منصب المدعى العام والنيابات العامه عن وزاره العدل ، بإعتبار إن وزارة العدل سلطه تنفيذيه . وبالتالي تبعيه المدعى العام والنيابات العامه. لوزاره العدل تجعل بعض أعمالهم يشوبها التاثير وعدم الاستقلال  التام المطلوب، حسب المبادئ التوجيهيه للأمم المتحدة  .
ولتأكيد عدم إستقلال الادعاء العام عن السلطه التنفيذيه في السودان نرى من حيث الدستور ، الماده 133 منه تنص على ( تتبع لوزير العدل القومي النيابات العامه والمستشارون القانونيين للدوله وذلك لتقديم النصح ، وتمثيل الدوله في الادعاء العام والتقاضي والتحكيم وإتخاذ إجراءات ما قبل المحاكمه. وتنص الفقره (2) من نفس الماده بأن وزير العدل القومي هو المستشار القانوني الأول للحكومه القوميه ويتولى الادعاء العام على المستوى القومي ). كما تنص الماده 49، 50 من دستور السودان على تكوين السلطه التنفيذيه وتتكون السلطه التنفيذيه القوميه من رئاسه الجمهوريه ومجلس الوزارء وتمارس إختصاصاتها حسبما هو وارد بصلب الماده (50 من الدستور).
ومن حيث القانون صدر قانون تنظيم وزاره العدل عام 1983 تحدث عن وزير العدل ، وجعل كل مهام وزاره العدل وفق الماده (5) .ان يكون تمثيل الاتهام باسم وزير العدل وتكون النيابات العامه ممثله له. وفي عام 1991 م بتاريخ 11/11/1991م تم إلغاء قانون الاجراءات الجنائيه لسنه 1983م، وصدر قانون الاجراءات الجنائيه لسنه 1991م والذي بموجبه أنشئيت وكالات النيابه العامه  وفقا لاحكامه وأحكام قانون تنظيم وزاره العدل لسنه 1983م.
من الملاحظ نجد ان قانون الاجراءات الجنائيه لسنه 1991م وبالرجوع للمواد (17 -18 -19 -20) من نفس القانون حدد النيابه الجنائيه وسلطاتها ، وجعل تكوين النيابه العامه الجنائيه من وزير العدل ، والمدعى العام ، ورئيس النيابه العامه بالولايه بحكم منصبه وكيل نيابه . كما نجد إن قانون الاجراءات الجنائيه 1991 منح وزير العدل إنشاء وكالات النيابه وتنظيمها واستصدار اللوائح التنظيميه، وعمل وكالات النيابه  العامه ووضع هيكلها.
وعليه نجد  ان قانون الاجراءات الجنائيه لسنه 1991 جعل سلطات النيابه الجنائيه في الاشراف على الدعوى الجنائيه ، وسيرها وتوجيه التحري،  وكما تختص بتوجيه التهمه أو شطبها أو مباشره الإدعاء امام المحاكم وفتح الدعوى الجنائيه . ويكون لوزير العدل ان يطلب في اي وقت اثناء التحري وضع المحضر أمامه وان يصدر اي توجيهات أو أوامر.
أخلص بعد الاشاره للدستور في مواده (49 ،50) وقانون تنظيم وزاره العدل لسنه 1983 والماده (5) قانون الإجراءات الجنائيه لسنه 1991 في مواده (17 -18 -19 -20) .ان الادعاء العام والمتمثل في المدعى العام والنيابات العامه فاقد لإهم المبادئ والواجب توفرها في الادعاء العام وهو مبدأ الاستقلال المؤسسي.
ومن خلال هذا السرد القانوني يتأكد تماما ان الادعاء العام في السودان ، مرتبط إرتباطا وثيقا بالسلطه التنفيذيه ، وأسيرا لها بوجب الدستور والقوانين المشار اليها في هذه الدراسه. وبإعتبار ان وزاره العدل سلطه تنفيذيه ، ويتبع وزير العدل لإشراف مجلس الوزراء بعضويته فيه ويتم وتعينه بواسطه  أعلى سلطه تنفيذيه رئاسه الجمهورية ، وبالتالي خضوع أعمال الادعاء العام والمتمثله في المدعى العام والنيابات العامه تخضع لأوامر وتعليمات السيد وزير العدل ،  حيث نص قانون تنظيم وزاره العدل لسنه 1983 الماده (5) منه جعل كل مهام وزاره العدل باسم وزير العدل ويكون تمثيل الاتهام بأسمه ، وتكون النيابه العامه ممثلة له . وبالتالي يكون كل اعمال الادعاء  العام تم إختزالها  في السيد وزير العدل، وتكون خاضعه لرقابه السلطه التنفيذيه .وهذا ما يتنافى مع المبادئ التوجيهيه للامم المتحده ،والمتعلقه بدور أعمال الادعاء العام والنيابات العامه . وتعتبر هذه مخالفه خطيره لمفهوم الادعاء العام الواجب اتباعه .وبالتالي انعدام الإستقلال المؤسسي للإدعاء العام في السودان تتأثر به  أعمال الإدعاء العام وهياكله وينسحب هذا التأثير على المبادئ الاساسيه لأعمال الادعاء العام والواجب توافرها في الحياديه والشفافيه المطلوبه، والحريه في الاعمال المطلوبه ويتأثر عندها مبدأ النيابه العامه خصم شريف وسلطه شبه قضائيه.
كما إن إنعدام الاستقلال المؤسسي للادعاء العام في السودان، وجعله أسيرا لرقابه السلطه التنفيذيه يقعده عن دوره في محاربه الفساد وملاحقه المفسدين من التنفيذيين، في أعلى المناصب الوظيفيه التنفيذيه.
وعليه أرى الضروره تقتضي الإستقلال المؤسسي لهئيه الادعاء العام والمتمثله في المدعى العام والنيابات العامه في السودان فالاستقلال المؤسسي يجعل دوره ينحصر في ادارة العداله الجنائيه وكفالتها وتحقيقها بشفافيه لأجل سياده حكم القانون، وملاحقه الفساد وحماية المال العام وملاحقة الجرائم التي تمس المجتمع، والجرائم التي يرتكبها موظفون عموميون ، ولو في اعلى الدرجات الوظيفيه . حيث النيابه العامه خصم شريف تتولى الدعوى الجنائيه نيابه عن المجتمع وبأسمه لاإنابة عن الدولة . وتاكيدا لذلك فشل المفوضيات والتي أنشئت لأجل محاربه الفساد وكشفه لانها اتت من رحم السلطه التنفيذيه ، كما هو حال هيئه الادعاء العام بموجب الدستور والقوانين واللوائح.
يعتبر إنعدام الاستقلال المؤسسي لهيئه الادعاء العام في السودان، من أهم العيوب وأخطرها لمفهوم الادعاء العام، حيث يعتبر الإستقلال المؤسسي للإدعاء العام بمثابه العمودالفقري لمفهوم الادعاء العام ، فانعدام هذا العنصر لمفهوم الادعاء العام تنهار بموجبه كل المتطلبات والواجب توافرها لهذا المفهوم .فتنعدم حريه الاداء ، والشفافيه ، وكفاله العداله الجنائيه ، والحياديه، وينعدم جوهر الكفاءه في التعيين ويكون ذلك خصما على  مفهوم النيابه العامه باعتبارها  خصما شريفا –ويضيع العدل والإنصاف ويضعف ملاحقه الفساد والمفسدين. ويضيع عندها مفهوم الإدعاء العام ويضل طريق العداله المرجوة لمحاربة الفساد والمفسدين وعندها يدفع المجتمع الثمن غاليا.
2/ حسب ما ورد  فيما يتعلق  بانعدام الاستقلال المؤسسي للنيابات العامه ( الادعاء العام )  يجعل التعيين لهذه الوظائف أسيرا للسلطه التنفيذيه، ذات الارتباط الأساسي والوثيق بالسلطه السياسيه. ولايخفى علينا  إن النظام  من ضمن اهدافه التمكينيه أشرف على عمليه التعيين والعزل لوكلاء النيابات العامه، بل نجد ان قانون تنظيم وزاره العدل أعطى السلطه التنفيذيه العليا ممثله في رئاسه  الجمهوريه اتخاذ قرارت التعيين والعزل  لهذه الوظيفه ولا يجوز الطعن فيها ومناهضتها.  مما يجعل  التعيين لهذه الوظيفيه  لا يخلو  من الانتماء السياسي أو الرضاء السياسي وبالتالي  ينعدم عنصر الكفاءه المرجوة وفقا للمبادئ التوجيهيه والصادره من الامم المتحده والمتمثله  في عنصر الكفاءه مما يجعل التعيين أو العزل يشوبه التمييز العنصري او الجهوي أو النوعي أو السياسي. وبالتالي أرى  ان التعيين  لوظيفه النيابات العامه ( الادعاء العام ) تشوبه العيوب المتمثله في عنصر الكفاءة المطلوبة  والتي تؤثر على اداء هذه الوظيفه العدليه سلبا .
3/ المرتبات والاجور من الملاحظ ايضا ان من ضمن عيوب نظام النيابات العامه ، إن اجور ومرتبات ومعاش من يتولى هذه الوظيفه  في السودان وضيعا  وضعيفا، لا يتناسب وحوجة  الاعاشه والحياة  الكريمه ، والتي يجب  توافرها لهذه الوظيفه ، من الضروري ان يجد  من يشغل  هذه الوظيفه  قدرا من الراتب  والأجر والذي يؤمن حياته وحياة اسرته في كافة  مناحي الحياة الضروريه ، من تعليم وصحة  واستقرار له ولاسرته حتى يؤدي رسالته  العدليه دون تأثير، ولينصرف نحو واجباته العدليه بكلياته الذهنيه.
4/ ان النيابات العامه ممثله في الادعاء العام من اهم واجباتها تولي الاتهام  في الجرائم التي تمس المجتمع ، ومن الملاحظ من خلال العقدين الماضييين من هذا الزمان  لقد كثرت  جرائم التطرف الديني  وجرائم الحروب غربا وجنوب كردفان وولاية النيل الازرق بل في اواسط السودان.  لقد شهدنا  جرائم  لم يعرفها  أو يألفها المجتمع  السوداني، وعصابات المخدرات وترويجها،  حتى أضحت  جرائم منظمه تعمل  على  فتك المجتمع السوداني، والذي عرف بالطهر ونقاء السريرة والتماسك الاجتماعي، ولكي يعافي هذا المجتمع من هذه الجرائم لا بد ان يكون للنيابات العامه دور فاعل  لحماية المجتمع من مثل هذه  الجرائم. وهذا لا يتأتى الا بتوفير الحماية  التأمينيه والامنيه لافراد النيابات العامه فتجدهم  يتولون  الاتهام في كثير من هذه الجرائم  وظهورهم مكشوفه . وقد يكون عرضه للاعتداء عليهم ، او على اسرهم  من تلك الخلايا الاجراميه. وعليه نجد ان أعمال النيابات العامه في مثل هذه الحالات، تستوجب  الحمايه اللازمه لاداء  واجباتهم  دون خوف او وجل  من اعتداءات تلك الخلايا.
وعليه ارى ان تطور الجريمه تجاه المجتمع لابد ان نواجهه بنيابات ذات حمايه أمنيه ، لهم ولاسرهم وتوفير الاعانات والامكانيات الفنيه وتنميه القدرات العلميه ، لمجابهة تلك الجرائم المنظمه والتي تمس المجتمع. ان ما يضعف اداء ودور النيابات العامه في السودان عدم توفير الحمايه اللازمه لاعضاء النيابات العامه ، وعدم تنميه  القدرات الفنيه والعلميه وبالتالي  يعتبر ذلك عيبا من ضمن العيوب.
5/ القوانين المقيده للحريات تؤثر سلبا على اداء ودور وظائف النيابات العامه ( الادعاء العام ) .حيث نجد إن النظم الشموليه والفئويه تعمل على حماية نفسها ، لذلك نجد ان التشريعات  تدور في فلك حماية النظام بغض النظر عن الحقوق والحريات العامه . ومن خلال هذا المنظور نجد ان نظام  الانقاذ عمل على تكريس حمايته عبر قوانين جهاز الامن والمخابرات ، وقانون الصحافة والمطبوعات والمال العام ، والضرائب والجمارك والمصارف وغيرها من النيابات الخاصه . وجعل ارتباطها بوزير  العدل،  من حيث التعيين والاختصاصات والتبعيه كما جعل  لها إمتيازات وحوافز حتى اضحت هذه النيابات عباره عن أزرع للسلطه التنفيذيه ، والشاهد نجد ان بعضا  من النيابات الخاصه  مثل  نيابه الضرائب ونيابه الجمارك  ونيابه المال العام ونيابه المصارف . تعتبر  نيابات تنفيذ وتحصيل  ولا تملك الحق في التحقيق لأجل العدالة والشفافية المطلوبة والحيادية المطلوبة وعندها  ينتفي مبدأ النيابه  خصما شريفا . وكل دورها  ينحصر  في مسأله الحبس حتى السداد والمدهش  في الأمر ان الأمر الصادر غالبا  ما يأتي  من جهة  ذات  سلطه تقديريه  اداريا ، ولم تكن هذه التقديرات خاضعه  لتقديرات  وأوامر قضائيه، حتى اضحت  بعضا من هذه النيابات  عباره عن اداة من ادوات  الجبايات لقهر المواطن وابتزازه بالحبس حتى السداد . وعليه أرى ان بعضا من هذه النيابات الخاصه رسالتها  وحسب التبعيه ذات السلطه التنفيذية تعتبر اداة تحصيل وجبايه ، وهذا  ينتفي معه مفهوم النيابات العامه ورسالتها المرجوه المتمثله في العداله والشفافيه والحياديه وباعتبارها خصما شريفا . وهكذا الحال بالنسبه لنيابه أمن الدوله والتي تعمل على تنفيذ قانون الامن والذي يخل بالمبادئ الاساسيه لأهداف النيابات العامه والادعاء العام ،والامثله كثر في هذا الشان حيث نرى كيف ضاعت الحقوق الدستوريه  والمبادئ العدليه في كثير من القضايا والتي يكون جهاز الأمن طرفا فيها، مثل أحداث سبتمبر 1913 وما صاحبها من تجاوزات أدت للقتل وغيرها من الاعمال التي يقوم بها جهاز الامن من إعتقال وحبس ، لا تخضع للمبادئ العدليه وينعدم دور النيابه العامه في أداء واجباتها بموجب القوانين المقيده للحريات والحقوق. 
وحيث نجد ان إجتماع مجلس حقوق الانسان بجنيف سبتمبر 2014 عند مناقشة تقرير الخبير المستقل لحقوق الانسان بالسودان، طالب المجلس بفتح ملف احداث سبتمبر 2013 واصدر توجيها على ان يتولى التحقيق في تلك الاحداث لجنه مستقله ، دون الركون لما قدم من تقرير في هذا الشأن من قبل وزير العدل والذي مثل السودان في هذا الاجتماع . مما يؤكد صحة ان القوانين المقيده للحريات من قانون أمن وغيرها تحد من واجبات النيابه العامه،  مما يؤثر على سير العداله سلبا. ايضا التضييق على حريه الصحافه والنشر  والتي تعمل على كشف المستور من جرائم الفساد ، والتي يرتكبها تنفيذين وموظفيين عموميين  ودستوريين، والكثير  من الجرائم والتي ترتكب في حق المجتمع وتكون السلطه طرفا، فيها حيث شاهدنا بام  أعيننا كيف تم إستغلال المادة 130 من قانون الاجراءات الجنائيه 1991،  في اغلاق ومصادرة  العديد من الصحف وإعتقال  العديد من الصحفيين بموجب تلك الماده ، وأيضا نجد إن قانون الأمن قد استخدم وتم إستغلاله إستغلالا سيئا في إغلاقه ومصادره العديد من الصحف ومصادرة مطابعها وعلى سبيل المثال صحيفة ألوان والتيار والصحافه وغيرها من الصحف والصيحه التي مازالت مقطوعه الانفاس. واضعين في الاعتبار ان الماده 130 من قانون الاجراءات الجنائيه تختص بالسلامه والصحة العامه والبيئه ولا علاقه لها بجرائم النشر والمطبوعات. إن تلك الاجراءات تؤكد ان نيابه الصحافه والمطبوعات ، كانت تعمل لأجل حماية السلطه التنفيذيه ، مما يؤكد استغلال مفهوم النيابات استغلالا لا يليق بمبادئ واسس وقيم العداله ، والتي تؤديها النيابات العامه  عبر دورها المنشود ومبادئها الساميه.
وعليه اخلص ان النيابات العامه تعترض رسالتها ووجباتها كثيرا من القوانين المقيده للحريات والحقوق والواجبات. وهذا يعتبر احد العيوب والتي تعتري مفهوم النيابات  العامه ( الادعاء العام)  مما جعلها اداة من ادوات النظام الشمولي  والسلطه التنفيذيه . مما أقعدها عن محاربه الفساد ورفع الظلم وحماية المجتمع من الجرم والذي يرتكب في حقه. وإمتدادا لتكريس هذا المفهوم التشريعي البغيض والذي يعمل على غل يد العداله والمتمثله في الادعاء العام حيث أعلن البرلمان على موافقته بتعديلات بقانون الشرطه يمنح الشرطه صلاحيات أكبر لتولي مسئوليه كافه البلاغات بالولايات في الصراعات القبليه ، تتضمنها اعتقالات وحبس وقبض واشراف على تلك الاجراءات، وفي ذلك إقصاء لدور الادعاء العام والنيابات العامه، وهذا يعتبر من صميم أعمالها. مما يكرس قانون السلطه لا سلطه القانون.
6/ تدخل السلطه التنفيذيه ممثله رئاسه الجمهوريه، في كل ما يثار في شأن فساد المال العام والاعتداء عليه . حيث ترى  السلطه إن اثارة مثل هذه الإتهامات فيها مساس بالسلطه واستهداف لها . فسرعان ما تغل  يد النيابات العامه ، عبر قيود تحد من واجبات الادعاء العام . مما جعل النيابات العامه ممثله في الادعاء العام ، تعمل على حماية السلطه لا حماية المجتمع. فإنعدام الصلاحيات الاإتثنائيه والواسعه ، لأجل أن تباشر النيابات العامه مهامها الضروريه لحماية المجتمع مقيده بقيود السلطه التنفيذيه صاحبة الحق في التعيين والاختصاصات والتبعيه والامتيازات والتحفيز والعزل.
خامسا:  ولأجل كبح جماح الفساد والجريمه تجاه المجتمع ، والتي عجزت عنها المفوضيات  وغيرها من لجان الحسبه والمظالم، وغيرها من المسميات ذات المساحيق ، أرى من الواجب علينا ان نؤسس ونؤطرعلى تكوين هيئة الادعاء العام  بموجب نصوص دستوريه  وقانون يتضمنها الاتي :-
اولا : سلطة الادعاء العام
1/ تنشأ هيئة عامة للاتهام برئاسة المدعى العام يسمى المدعى العام  لجمهورية السودان ، وتسند اليه ولاية الادعاء  العام  في المسائل الجنائيه.
2/ تكون سلطة المدعى العام مستقلة عن الهيئة التشريعية والسلطة التنفيذية ولها الاستقلال التام في توجيه الادعاء   والاتهام.
3/ يكون المدعى العام لجمهورية السودان رئيسا للنيابات العامة، ويتولى إدارتها وكلاء نيابة عامة  4/ هيئة الادعاء العام تتمثل في المدعى العام ووكلاء النيابات وهي هيئة مستقلة تماما  ماليا وادريا وفنيا .
5/ على اجهزة الدولة  ومؤسساتها تنفيذ أوامر المدعى العام  واجهزته  المتمثلة  في النيابات العامة.
6/ تحديد مهام وحصانات ومخصصات وشروط خدمة  المدعى العام ووكلاء النيابات العامة وفقا للقانون واللوائح المنظمة  لواجباتهم وحقوقهم.


ثانيا : استقلال المدعى العام
1/ المدعى العام لجمهورية السودان ووكلاء النيابات العامة  مستقلون في اداء واجباتهم ولهم  الولاية  الكاملة في الادعاء العام، فيما يلي إختصاصاتهم ولا يجوز التاثير عليهم في اعمالهم واستصدار أوامرهم .
2/ يصون المدعى العام لجمهورية السودان ووكلاء النيابات العامة  الدستور وسيادة حكم القانون ويقيمون العدل  بجد وتجرد وحيادية  دون خشية أو محاباة .
3/ لا تتاثر ولاية  المدعى العام والنيابات العامة  بالأوامر التي يصدرونها .
4/ خضوع النيابات العامة للمدعى العام في التعيين وادراة العدالة الجنائية عن طريق القوانين واللوائح وعن طريق نيابات متخصصة للقضايا النوعية.
ثالثا: - تعيين المدعى العام ووكلاء النيابات العامة:
1/  يتم تعيين المدعى العام لجمهورية السودان بواسطه جهة عدليه  مستقله تماما ( مجلس قضاء عالي ) او مفوضيه عدليه  ويكون مسئولا عن ادارة الادعاء العام  امام الجهة التي قامت بتعيينه. 
2/ يحدد القانون شروط الخدمه للمدعى العام  ووكلاء النيابات العامة ومحاسبتهم وحصاناتهم.
3/ تضمن الدولة  تمكين أعضاء النيابات  العامة من أداء وظائفهم دون ترهيب أو إعاقة  أو تدخل  غير لائق .
4/ تؤمن السلطات الحماية الجسدية لاعضاء النيابات العامة واسرهم بسبب اطلاعهم  بوظائف النيابة العامة .
5/  الأشخاص الذين يقع عليهم الاختيار لشغل وظائف النيابة  العامة  من ذوي النزاهة ومؤهلات ملائمة  وان معايير الاختيار لا تقوم على اساس التمييز العنصري او اللون او الجنس او الدين او الرأى السياسي.
رابعا :- محاسبة المدعى العام ووكلاء النيابات العامة:
1/ يكون المدعى العام لجمهورية السودان مسئولا عن اعماله واعمال هيئة الادعاء العام امام الجهة التي قامت بتعيينه.
2/ يحدد القانون واللوائح نظم التعيين والمحاسبه والعزل.
خامسا :- الواجبات  المهنية  لهيئة الادعاء العام
1/ احترام  كرامة الإنسان وحمايتها، ومساندة  حقوق الإنسان التأمين على سلامه الاجراءات  وسير العداله .
2/ يتولى اعضاء الادعاء العام الإهتمام الواجب للملاحقه القضائيه ، المتصله بالجرائم التي يرتكبها موظفون عموميون، ولا سيما مما يتعلق بالفساد واساءه إستعمال السلطه والانتهاكات الجسميه. وان تقوم النيابه العامه بدور اساسي في دعم سياده حكم القانون ، وتطبيقه بالتساوي والحياديه  والشفافيه على جميع  المواطنين،  و الذين يشغلون المناصب الرسميه .
3/ حماية المجتمع من الجرائم التي تمسه وحماية ومنح الحقوق الدستوريه للكافه.
4/ التعاون والتنسيق مع الشرطه والمحاكم، وممارسي المهن القانونيه ،وهيئات الدفاع العامه  وسائرالوكالات او المؤسسات الحكوميه .
خـاتـمـة:
كما اسلفت ان المواثيق الدوليه تؤمن على إستقلال الادعاء العام ، والغايه هي كفاله العداله الجنائيه  والتي تقتضي  فصل منصب المدعى العام  والنيابات ، عن وزاره العدل باعتبار ان وزاره العدل سلطه تنفيذيه ، وذات رباط وثيق بالسلطه التنفيذيه. وبالتالي  تبعيه  المدعى العام  والنيابات العامه يجعلها فاقده  للحياديه  المطلوبه ، ولا يخرجها  من دائره التأثير  من ذوي السلطه التنفيذيه ، وهذا يتنافى  مع المبادئ الاساسيه  والتوجيهية للأمم المتحده .
كان النظام المتبع سابقا هو وجود  نائب عام يتولى الاشراف الفعلي  على ديوان النائب العام وجميع المهام الفنيه. في حين  يكون دور وزير العدل قاصرا على الرئاسه  الاداريه  فقط . وعليه يستوجب فصل المهام الاداريه والفنيه ، حتى لا يؤثر على إستقلاليه النيابه وحيدتها واعمالها شبه القضائيه .
إن ضرورة الاستقلال المؤسسي للنيابه العامه ( هيئه الادعاء العام ) يجعل دورها ينحصر في ادارة  العداله  الجنائيه ، وكفالتها وتحقيقها بشفافيه لأجل سياده حكم القانون ، وملاحقه الفساد .وحمايه المال العام ، وملاحقه الجرائم ، والتي تمس المجتمع ، والجرائم التي يرتكبها  موظفون عموميون ، ولو في أعلى درجات الوظيفه . حيث  إن النيابه العامه  خصم شريف  تتولى الدعوى الجنائيه  نيابه عن المجتمع  وباسمه ، وهي الساعي  للحقيقه بتجرد ، ليست  النيابه خصم  للمتهم تسعى لادانته بكل الطرق والوسائل ، ولكنها تتصرف كحارس للشرعيه،  واجبها  معرفه كل الملابسات والظروف  بغض النظر عن اذا كانت  في مصلحه  المتهم او ضده.
وعليه  أرى ان الضروره  تقتضي  فصل منصب المدعى العام  والنيابات ، من وزاره العدل،  على ان يكون هنالك  هيئه الادعاء وعلى راسها  المدعى العام  لجمهوريه  السودان ووكلاء النيابات العامه، لهم إختصاصات وامتيازات وأجهزة محاسبه ، حتى يتمكنوا من اداء رسالتهم تجاه المجتمع وحمايته . وأختم واقول اذا كان هنالك  إدعاء عام مستقل وله  إمكانيات وله معينات فنيه ويتحلى باستقلال تام ، لما إستشرى الفساد ، وتأكيدا لذلك فشل المفوضيات التي أنشئت  لأجل محاربه الفساد. أخلص وأقول قانون وزاره العدل يستوجب تعديله، والعمل على قيام هيئه إدعاء عام  يرأسها  المدعى العام لجمهوريه  السودان ، وفق هيكله  ينص عليها القانون مستمده من  دستور  فيه منح وإستقلال كامل لقيام هيئه  إدعاء،  على رأسها المدعى العام  لجمهوريه السودان ، دون تبعيه لسلطه تنفيذيه حسبما ذكر آنفا حينها  ينقطع دابر الفساد والمفسدين وعندها  تكبح جماح الجرائم والتي تمس المجتمع  وعندها يكون لنا مجتمع معافي وطاهر. وهذا يستوجب تعديل قانون تنظيم وزارة العدل لسنه 1983 وايضا تعديل لقانون الاجراءات الجنائيه لسنه 1991 دور النيابات العامه والغاء تبعيتها لوزير العدل ، على ان تكون من صميم اعمال الادعاء العام، والمتمثل  في المدعى العام لجمهوريه السودان ووفقا للمعايير الدوليه والمبادئ التوجيهيه لدور الادعاء العام . والواردة بصلب هذه الدراسة. والتي أرى انها خاضعة للنقاش من حيث النقد والتقويم وأبداء الرأى والملاحظات على كافة المستويات القانونية.
الطيـب  العبـاس
المحـامـي
المرصد السوداني لحقوق الانسان
20/سبتمبر /2014م
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.