في معرض التعليق على الهبات الشعبية التي تعصف بالعالم العربي هذه الايام قال معلق غربي ان المنطقة موعودة بمزيد من الاضطرابات إذ ان كلابا كثيرة لم تنبح بعد وقد أراد بذلك  أن العدوى الثورية ستصيب بقية المنطقة وأن شعوبها ستهب لتدخل في صراع الموت او الحياة مع الجالسين على سدة الحكم فيها وبطبيعة الحال فان السودان وشعبه وشخصي من بين الكلاب التي لم تنبح بعد .ومع ان السوط لحقني الا ان  التعبير لم يغضبني بل انني في الواقع استملحته كثيرا وفهمته كما فهمها بن على فالكلب في الثقافة الغربية صديق الانسان الاول وونيسه وحاميه في حين انه في ثقافتنا حيوان دنيء نجس لا يساوي ثمن الحبر الذي انكتب به ولا يستحق منا سوى الزجر والضرب والاهانة مثله في ذلك مثل المواطن العادي . ومن جهة اخرى فان وجه الشبه قوي جدا بيننا وبين الكلاب فنحن مثلها مستبعدون من منابر الرأي وموائد القرار بل حتى من وظائف الدولة الدنيا"ترقي الزعانف الادنياء* واذا حدث وتطفل الواحد منا على تلك المجاعص فانه يعرض نفسه للتكدير الشديد فهو عندئذ ليس مفكرا ولا ناصحا مشفقا ولاخبيرا يتحدث في مجال اختصاصه ولا ابن بلد يهمه شأن بلاده وانما هو متآمر وشريك للقوى الاجنبية ليس فقط في معاداة النظام المعني وانما- وذلك أشد وطأة- في معاداة الاسلام نفسه. وفي" دليل المسلم الحزين" يروي السفير حسين احمد امين ان بعض الصحابة ذكروا حديثا للرسول الكريم يحض على قتل الكلاب الا كلاب الصيد فأضاف ابوهريرة :اوكلاب الزرع وكان رضي الله عنه قد تمول وصارت له حوائط وبساتين فضحك احد الصحابة الحاضرين وألمح الى ان نقله غير دقيق.ويضيف السفير العالم ابن العالم** ان وباء السعر كان قد انتشر في المدينة المنورة فأمر الرسول الكريم بقتل الكلاب الا كلاب الصيد.
وفي الكتابة العربية القديمة تعبير عن المسافة اسمه مزجر الكلب فتقول  "جلست من القوم مزجر الكلب"   أي جلست خارج حلقتهم ولكن على مسافة قريبة تسمح بالاستماع وهي المسافة التي يسمح للكلب ان يكون فيها دون ان يتعرض للزجر والطرد اما اذا تجاوزها فانه يصبح غير مرغوب فيه (بيرسونا نون قراتا)   ويتعرض عندئذ للصفع والركل .وهي مسافة تقديرية لايمكن قياسها بالامتار او الاشبار لكونها تختلف من حالة الى حالة فاذا كنتم تتسامرون (على الحاف) فلابأس ان يكون مزجر كلبكم مترين او اقل قليلا .اما اذا جاء الطعام فان مزجر الكلب يتمدد الى اربعة او خمسة امتار وذلك خوفا من ان يهجم الكلب على طعامكم متشمما او خاطفا  او ما بين ذلك بلغة (طه حسين.)*** والواقع ان الكلب اذا ولغ في طعام فان ذلك يستوجب غسله (غسل الاناء) سبع مرات وغسل الكلب غسيلا جيدا بالحجارة  والنبابيت والخيزران****. وتفاديا لمفاجأة من ذلك العيار ينبغي ان يظل الكلب في مزجره والمغترب في منفاه والبنات الصغيرات في حجور أمهاتهن حتى لا يتعلمن الكلام الكعب الذي يبدأ بعبارات من نوع "الشعب يريد.." وبذلك لا يعرضن انفسهن للكلاب الاخري التي تجلد البنات وتغتصبهن.
ان كلابنا لم تنبح بعد، تلك هي الحقيقة ولكن الكلب النابح خير وأفضل من الكلب الصامت.فقد ذكر العدول الثقاة ان الكلب السعران لا ينبح أبدا ويهاجم من الخلف حيث لا يشعر به احد وعضته تسبب داء الكلب الذي يؤدي الى نوع من  الخلل العقلي يقود ضحيته  الى الموت عطشا لكون المسعور لايقوى على مس الماء اوشربه.وفي الاحوال العادية يمثل النباح عادة كلبية متأصلة عند الكلاب فلايكاد  الكلب يسمع نباح اخيه الكلب حتى يبادر هو الاخر الى النباح ونظرا لحدة السمع عند الكلاب فانها أحيانا تشرع في النباح لدون سبب ظاهر إذ تكون قد سمعت هوهوة اخوتها في مدينة بعيدة وفي بلد ما كنتم بالغيه الا بشق الانفس فتجاوب اخوتها وتتجاوب معها. ومهما يكن من أمر فعزاؤنا في كلمة الشاعر الذي قال:
اذا الكلب يوما اراد الحياة   
 فلا بد أن يستجيب القدر
وارجو ان تنتبه الى كلمة "يوما" في صدر البيت التي تدلك ان الكلب حر في اختيار الوقت الذي يناسبه للنباح فقد  ينبح صباحا او مساء او ما بين ذلك على قول عميد الادب العربي  ولكنه متى نبح فان القدر ملزوم بالاستجابة لما يقول.ولعلك توافقني ان يوم نباح الكلاب هو يوم عسير على الكافرين غير يسير.
(ضحك الرجال بكاء: افلاطون)             
الهوامش
*من بيت لمحمد المهدي المجذوب يقول فيه
ارضينا وظائف الدولة الدنيا ترقي الزعانف الاغبياء/الادنياء/الكعبين
أي تعطي الترقيات لاولئك السيئين.وجدير بالذكر ان بين تلك الوظائف الدنيا ما كان يعرف باسكيل K المشهور باسم اسكيل كلب
** هو ابن عالم الاسلاميات احمد امين باشا مؤلف فجر الاسلام وظهره وضحاه ولو عاش الى زماننا هذا لكتب وداعا للسلاح.
*** ذكرنا طه حسين عميد الادب العربي بمناسبة ما كتبه في بداية الجزء الثاني من كتابه الخالد "الايام"حيث يخاطب ابنته  بهذه الكلمات:" لا تعرفين ما هو الفول يا ابنتي.لقد كنا نأكله بالزبد وكنا نأكله بالزيت وكنا ناكله بما دون ذلك  وكنا نأكله اذا طلعت الشمس وكنا نأكله اذا غربت الشمس وكنا نأكله ما بين ذلك."
عالم مرتاحة وفولها لا ينقطع ولا تقف لاجله في الطوابير.
**** من كلمة لخليل فرح يقول فيها:اسكتونا وحفظوا الامان /بالنبابيت والخيزران
 
Ibrahim ELMEKKI [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]