(9)



دكتور فيصل عبدالرحمن علي طه
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

إتفاقية أديس أبابا فبراير 1972
عند حدوث إنقلاب 25 مايو 1969 كان الجدل لا يزال محتدماً بين أنصار الدستور الإسلامي وأنصار الدستور العلماني. وكان القتال قد تصاعد في الجنوب. ولكن كان هناك شبه إجماع على قبول الحكم الذاتي الإقليمي كنظام للحكم في السودان.
في صباح يوم 25 مايو 1969 أصدر مجلس «الثورة» الأمر الجمهوري رقم (1). بموجب هذا الأمر تم إيقاف العمل بدستور السودان المؤقت المعدل لسنة 1964 وحل مجلس السيادة ومجلس الوزراء والجمعية التأسيسية ولجنة الخدمة العامة ولجنة الانتخابات. وبمقتضى نفس الأمر حُلت كل الأحزاب السياسية وحُظر قيام أي تشكيل سياسي أو أي تنظيم يحتمل أن يستغل لأغراض سياسية إلا بإذن من مجلس الثورة. كما نص الأمر على أنه لمباشرة السلطتين التنفيذية والتشريعية يعين مجلس الثورة مجلساً للوزراء يكون مسؤولاً بالتضامن أمام مجلس الثورة.
1- إعلان 9 يونيو 1969
في 9 يونيو 1969 - أي بعد حوالي اسبوعين من توليه السلطة - أعلن النميري سياسة حكومته إزاء قضية الجنوب. قال نميري إن الحكومة لا تتهيب الاعتراف بالواقع وتدرك وجود فوارق تاريخية وثقافية بين الشمال والجنوب. وحمل الاستعمار مسؤولية التطوير غير المتكافئ بين شقي البلاد في الشمال والجنوب. كما اتهم نميري معظم القادة الجنوبيين بالتحالف مع القوى الرجعية في الشمال ومع الدول الاستعمارية سعياً وراء الكسب الشخصي.
أكد نميري في بيانه على حق الجنوب في أن يبني ويطور ثقافاته وتقاليده في نطاق سودان اشتراكي موحد، وأعلن ان حكومته قررت العمل على إنشاء الحكم الذاتي الاقليمي في نطاق السودان الموحد. ومن أجل الاعداد لليوم الذي يتمكن فيه الجنوب من ممارسة حقه في الحكم الاقليمي، قررت الحكومة أيضاً الآتي:
1- استمرار ومد فترة العفو العام.
2- وضع برنامج اقتصادي اجتماعي ثقافي للجنوب.
3- تعيين وزير لشؤون الجنوب.
4- تدريب كادر متمرس لتولي المسؤولية.
ولرفع مستوى الجنوب حتى يقف على قدميه في وقت قريب أعلن نميري عن انشاء لجنة خاصة للتخطيط الاقتصادي في الجنوب وإعداد ميزانية خاصة بالجنوب.
ولما كان تنفيذ إعلان 9 يونيو يتطلب استتباب الأمن والسلام في الجنوب، فقد طالب نميري الجنوبيين بالتعاون والمحافظة على الأمن. وناشد الجنوبيين المقيمين في الخارج بالعودة الى السودان والتعاون لتحقيق غايات إعلان 9 يونيو.
لم يجد اعلان 9 يونيو استجابة فورية من القيادات الجنوبية بالخارج. كما لم تتحمس له القيادات الجنوبية الموجودة داخل السودان. وقد أرجع الباحثون ذلك إلى عدد من الأسباب نجملها في الآتي:
1- عدم اطمئنان القيادات الجنوبية لوزير شؤون الجنوب جوزيف قرنق بسبب خلفيته العقائدية وعدم ارتباطه بالتيار العام للحركة السياسية الجنوبية. هذا مع ان الحزب الذي كان ينتمي إليه جوزيف قرنق أي الحزب الشيوعي كان من أوائل الاحزاب الشمالية التي نادت بمنح الجنوب حكماً ذاتياً اقليمياً. سبق أن ذكرنا أنه عند مناقشة قرار تقرير المصير (الجلاء) في مجلس النواب في 16 أغسطس 1955 قال حسن الطاهر زروق (الجبهة المعادية للاستعمار) إن في المديريات الجنوبية تجمعات قبلية قهرها الاستعمار، وتركها في وضع متآخر بدائي ظالم. ودعا إلى تخليصهم من هذا التأخر والقهر وإلى إعطائهم حقهم في وضع نظمهم المحلية ، وتنظيم وضعهم الخاص في نطاق وحدة البلاد ومصلحتها العليا. وعند تمرد الفرقة الاستوائية في توريت في 18 أغسطس 1955 طالب إتحاد العمال الذي كانت تسيطر عليه قيادة شيوعية البرلمان بأن يعلن حق المديريات الجنوبية في الحكم الداخلي تحت إطار السودان الموحد في الدستور الجديد وذلك «كحق طبيعي للقوميات الجنوبية ولإشاعة الثقة لدى الجنوبيين واحترام إرادتهم».
2- لم تطرح الحكومة تصورها الكامل للحكم الذاتي الاقليمي بالسرعة المطلوبة. إذ لم يصدر هذا التصور إلا بعد تولي أبيل الير لوزارة شؤون الجنوب في اغسطس 1971.
3- يبدو أن القيادات الجنوبية بالخارج كانت تفكر في ما هو اكثر من الحكم الذاتي الاقليمي فخلال استعداد حركة تحرير السودان «الانيانيا الأولى» لمفاوضات اديس ابابا كلف مادينج دي قرنق ممثل الحركة في لندن احد القانونيين البريطانيين بصياعة مشروعين لتحديد العلاقة الدستورية بين الشمال والجنوب. المشروع الأول يقضي بتقسيم السودان إلى ولايتين: شمالية وجنوبية يجمع بينهما اتحاد فيدرالي. بينما يقضي المشروع الثاني بتقسيم السودان إلى أربع ولايات: شمالية وجنوبية وشرقية وغربية يضم بينها إتحاد فيدرالي.
4- الانقسام في الحركة السياسية والعسكرية الجنوبية. في الواقع انه لم يتم توحيد الحركة الا بانقلاب قاده جوزيف لاقو على قائده ايميلو تافنق في النصف الثاني من عام 1970. أسس لاقو بعد ذلك حركة تحرير السودان لتعمل تحت قيادة قوات الانيانيا المسلحة. ومن بين أهداف الحركة المعلنة توحيد قبائل الجنوب في قومية واحدة والدفاع عن التراث والقيم الافريقية للسودانيين الجنوبيين ضد محاولات تعريب الجنوب. ثم الحصول على حق تقرير المصير للجنوب: إما بالبقاء كاقليم مستقل في سودان موحد وإما بالانفصال.
5- النهج غير المتوازن لسياسة السودان الخارجية وتأخذ القيادات الجنوبية على حكومة نميري في تلك الفترة انها أهملت انتماء السودان الافريقي واتجهت إلى توثيق علاقتها مع الدول العربية وذلك بإدخال السودان في اتحاد ثلاثي مع الدولتين العربيتين المجاورتين أي مصر وليبيا.
2- مفاوضات أديس أبابا
لعب مجلس الكنائس العالمي ومجلس كنائس عموم افريقيا دوراً بارزاً في توفير قنوات الاتصال بين حكومة السودان وحركة تحرير السودان وفي الاعداد لمفاوضات اديس ابابا. وتضافرت عدة عوامل داخلية واقليمية ودولية في تهيئة مناخ سياسي ملائم ساعد في بدء المفاوضات وفي نجاحها. ومن هذه العوامل نذكر الآتي:
1- بعد محاولة الانقلاب الشيوعي في يوليو 1971 وانقضاض نميري على اليسار السوداني وتردي علاقاته مع الاتحاد السوفييتي، حظى نظام نميري بتأييد وعطف دول الحلف الغربي. وقد لعبت بعض هذه الدول دوراً مؤثراً في جذب حركة تحرير السودان إلى مائدة المفاوضات.
2- التحسن في العلاقان السودانية - الاثيوبية. سبق ان ذكرنا ان وزيرا خارجية السودان واثيوبيا اتفقا في مارس 1971 على تحريم كل انشطة المنظمات التخريبية وعلى تجريد العناصر المتمردة من أسلحتها وطرد كل المتمردين وقادة المعارضة واتخاذ الاجراءات اللازمة لمنع عودتهم. وقد تأكد هذا الاتفاق في البيان المشترك الذي صدر في أعقاب زيارة نميري لاثيوبيا في نوفمبر 1971. بموجب هذا البيان اتفق الطرفان على التنفيذ السريع لكل الاتفاقيات بين السودان واثيوبيا وأكدا على ضرورة اتخاذ كل الاجراءات اللازمة حتى لا تستخدم اراضي أي من الطرفين لأعمال موجهة ضد الوحدة الوطنية أو السلامة الاقليمية للطرف الآخر.
بدأت المفاوضات بين حكومة السودان وحركة تحرير السودان في أديس أبابا في فبراير 1972 تحت رعاية الامبراطور هيلاسلاسي، ترأس ابيل الير نائب رئيس الجمهورية ووزير شؤون الجنوب وفد الحكومة. وضم الوفد وزراء الخارجية والداخلية والحكومات المحلية والخدمة والاصلاح الاداري. وقاد وفد حركة تحرير السودان ازبوني منديري وضم الوفد أيضاً: مادينق دي قرنق، ولورنس ول، واوليفر البينو، وفريدريك ماقوت وآخرين. وحضر المفاوضات بصفة مراقب ممثل الامبراطور هيلاسلاسي وممثلون لمجلس الكنائس العالمي ومجلس كنائس عموم افريقيا ومجلس كنائس السودان. وكان في اديس ابابا اثناء  المفاوضات كمستشار قانوني لوفد حركة تحرير السودان القانوني البريطاني المعروف سير دنقل فوت.
اتفق الطرفان على أن يقوم القس الليبيري برغس كار سكرتير مجلس كنائس افريقيا بدور الوسيط اثناء المفاوضات. على كل حال تمكن الطرفان من الوصول إلى اتفاق وتوقيعه في اديس ابابا في 27 فبراير 1972. تتكون اتفاقية اديس اباب من العناصر التالية:
1- مشروع قانون أساسي لتنظيم الحكم الذاتي الاقليمي في مديريات السودان الجنوبية وألحق بالمشروع الآتي:
ملحق أ: ويشتمل على الحقوق الأساسية والحريات.
ملحق ب: ويشتمل على مشروع قانون بشأن بنود الايرادات.
2- اتفاقية بشأن وقف اطلاق النار في الاقليم الجنوبي.
3- بروتوكولات بشأن التدابير المؤقتة. وتعالج هذه البروتوكولات مسألة العفو العام والترتيبات القضائية واعادة التوطين والترتيبات الادارية وتشكيل وحدات قوات الشعب المسلحة في الاقليم الجنوبي.
3- بنود الاتفاقية
ضُمن مشروع القانون الاساسي لتنظيم الحكم الذاتي الاقليمي في مديريات السودان الجنوبية الذي اتفق عليه في اديس ابابا في قانون الحكم الذاتي الاقليمي للمديريات الجنوبية الذي بدأ العمل به في 3 مارس 1972. وبما أنني سأعرض بنود الاتفاقية على أساس القانون. فإن الإشارة للقانون تعني أيضاً الاشارة إلى الاتفاقية.
جعل القانون من المديريات الجنوبية للسودان اقليماً واحداً يتمتع بالحكم الذاتي الاقليمي في نطاق جمهورية السودان الديمقراطية ويعرف «بإقليم جنوب السودان». وحدد جوبا عاصمة للاقليم. وجاء في القانون أن «المديريات الجنوبية للسودان» تعني مديرية بحر الغزال والمديرية الاستوائية ومديرية أعالي النيل بحدودها التي كانت قائمة في اليوم الأول من يناير 1956 وأية مناطق أخرى كانت جغرافياً وثقافياً جزءاً من الكيان الجنوبي حسبما يقرر بموجب استفتاء.
نص القانون على أن اللغة الرسمية للسودان هي اللغة العربية. وتعتبر اللغة الانجليزية لغة رئيسية لاقليم جنوب السودان وذلك مع عدم المساس باستعمال أية لغة أو لغات أخرى قد تخدم ضرورة عملية أو تساعد على أداء المهام التنفيذية والادارية بطريقة فعالة وعاجلة.
كفل القانون لكافة المواطنين المقيمين بإقليم جنوب السودان الفرصة المتكافئة في التعليم والتخديم والتجارة ومباشرة أي مهنة مشروعة دون تمييز بسبب العنصر أو الأصل القبلي أو الدين أو مكان الميلاد أو الجنس. وكفل كذلك حرية التنقل في داخل وخارج اقليم جنوب السودان لكافة المواطنين ولكنه جوز تقييد أو منع التنقل بالنسبة لأي مواطن أو مجموعة من المواطنين لأسباب تتعلق بالصحة العامة أو النظام العام فحسب.
نص القانون على أن تعديله يتطلب الحصول على أغلبية ثلاثة أرباع مجلس الشعب القومي وموافقة أغلبية ثلثي مواطني اقليم جنوب السودان في استفتاء عام يجري في الاقليم.
عهد القانون بسلطة التشريع في الاقليم إلى مجلس منتخب. يمارس المجلس هذه السلطة لحفظ النظام العام والأمن الداخلي في إقليم جنوب السودان ولادارته بطريقة رشيدة ولتنميته في الميادين الثقافية والاقتصادية والاجتماعية. فبالإضافة إلى مجالات الصحة والتعليم والزراعة والغابات والمراعي واستثمار الأراضي والثروة الحيوانية وغيرها، منح القانون مجلس الشعب الإقليمي السلطات الآتية:
1- تطوير واستخدام الموارد المالية لتنمية وإدارة إقليم جنوب السودان.
2- التشريع فيما يتعلق بالعرف والعادات.
3- تطوير اللغات والثقافات المحلية.
4- التعدين والتحجير مع عدم المساس بحقوق الحكومة المركزية عند اكتشاف الغاز الطبيعي والمعادن.
5- التجنيد لخدمات الشرطة والسجون وتنظيمها وإدارتها وفقاً للسياسات والمستويات القومية.
حظر القانون على مجلس الشعب الاقليمي إصدار تشريع أو ممارسة آية سلطات بشأن المسائل ذات الطابع القومي، وحصرتها الاتفاقية في عشر مسائل من بينها الدفاع الوطني، والشؤون الخارجية، والجنسية والهجرة، والعمل والنقد، والتخطيط للتنمية الاقتصادية، والتخطيط التربوي.
أعطى القانون رئيس الجمهورية حق الاعتراض على أي مشروع قانون اقليمي يرى أنه يتعارض مع الدستور، على أنه يجوز لمجلس الشعب الإقليمي بعد اطلاعه على وجهة نظر رئيس الجمهورية ان يعيد عرض مشروع القانون مرة أخرى.
منح القانون مجلس الشعب الإقليمي حق طلب تأجيل العمل بالقوانين القومية وكذلك حق طلب سحب مشروعات القوانين القومية المعروضة أمام مجلس الشعب القومي اذا رأى مجلس الشعب الاقليمي ان هذه القوانين أو مشروعات القوانين تمس رفاهية أو حقوق المواطنين في اقليم جنوب السودان. اذ تجوز المادة 13 من القانون لمجلس الشعب الاقليمي بأغلبية ثلثي أعضائه أن يطلب إلى رئيس الجمهورية تأجيل العمل بأي قانون يمس في نظر الأعضاء رفاهية ومصالح المواطنين في إقليم جنوب السودان. ويجوز للرئيس، إذا رأى ذلك مناسباً ان يستجيب للطلب. وجوزت المادة 14 لمجلس الشعب الاقليمي بأغلبية اعضائه أن يطلب إلى رئيس الجمهورية سحب أي مشروع قانون معروض أمام مجلس الشعب القومي إذا كان في نظره أن هذا القانون يمس رفاهية أو حقوق أو مصالح المواطنين في إقليم جنوب السودان. وذلك لحين ابلاغ وجهة نظر مجلس الشعب الاقليمي. وإذا استجاب رئيس الجمهورية لهذا الطلب فيجب على مجلس الشعب الاقليمي أن يبدي وجهة نظره خلال خمسة عشر يوماً من الاستجابة للطلب. ويقوم رئيس الجمهورية بإبلاغ وجهة نظر مجلس الشعب القومي مصحوبة بملاحظاته الخاصة إذا رأى ضرورة لذلك.
منح القانون مجلس الشعب الاقليمي سلطة فرض رسوم وضرائب اقليمية بالإضافة إلى الرسوم والضرائب المركزية والمحلية. كما جوز له إصدار التشريعات والأ وامر اللازمة لتحصيل جميع الأموال العامة على مختلف المستويات ونص القانون على أن مصادر إيرادات الاقليم الجنوبي تتكون مما يأتي:
1- الضرائب الاقليمية المباشرة وغير المباشرة.
2- مساهمات مجالس الحكم الشعبي المحلي.
3- الايرادات المتحصل عليها من المشاريع التجارية والصناعية والزراعية بالاقليم وفقاً للخطة القومية.
4- الأموال التي تعتمدها الخزانة المركزية للخدمات القائمة.
5- الأموال التي يعتمدها مجلس الشعب القومي وفقاً لحاجيات جنوب السودان للتنمية وذلك في نطاق خطة التنمية الاقليمية.
6- ميزانية التنمية الخاصة بإقليم جنوب السودان حسبما يقدمها مجلس الشعب الاقليمي وذلك للأسراع بالتطوير الاقتصادي والاجتماعي للاقليم وفقاً لما نص عليه اعلان 9 يونيو 1969.
7- الايرادات التي تحدد في جدول خاص يصدر به قانون مالي. وهي الايرادات المنصوص عليها في الملحق أ من الاتفاقية وقد صدر بها قانون.
اسند القانون السلطة التنفيذية في الاقليم إلى مجلس تنفيذي عال يباشرها نيابة عن رئيس الجمهورية. يعين رئيس الجمهورية ويعفي رئيس المجلس التنفيذي العالي بناء على توصية من مجلس الشعب الاقليمي. وكذلك يعين ويعفى اعضاء المجلس التنفيذي العالي بناء على توصية من رئيس المجلس التنفيذي العالي.
4- الاتفاقية وتشكيل القوات المسلحة
عالج القانون مسألة تشكيل قوات الشعب المسلحة واستخدامها في الجنوب فنص على أن يشكل مواطنو اقليم جنوب السودان نسبة من مجموعة قوات الشعب المسلحة وذلك باعداد تتناسب والحجم السكاني لاقليم جنوب السودان. وعلى أن يخضع استعمال قوات الشعب المسلحة التي في داخل اقليم جنوب السودان في مسائل تخرج عن إطار الدفاع الوطني لاشراف رئيس الجمهورية بناء على نصيحة رئيس المجلس التنفيذي العالي.
ونص القانون أيضاً على أن يُعمل بالتدابير المؤقتة المتعلقة بتشكيل وحدات قوات الشعب المسلحة في اقليم جنوب السودان. تقضي هذه التدابير وهي مضمنة في الباب الثاني من البروتوكولات بأن تتكون قوات الشعب المسلحة في اقليم جنوب السودان من 12000 ضابط وفرد يكون 6000 منهم من اقليم جنوب السودان و6000 من خارج الاقليم. وتقضي كذلك بتشكيل لجنة عسكرية مشتركة من الجانبين للقيام بمهمة تجنيد واستيعاب ابناء اقليم جنوب السودان في قوات الشعب المسلحة. وأتفق على أن تكون هذه التدابير سارية لمدة خمسة أعوام إلا انه يجوز لرئيس الجمهورية اعادة النظر فيها بناء على طلب رئيس المجلس التنفيذي العالي وبموافقة مجلس الشعب الاقليمي.
وقبل ان انتقل إلى جزء آخر ينبغي التنويه إلى انه بعد خمسة أشهر من التوقيع على الاتفاق مع حركة تحرير السودان، تبادل وزير خارجية السودان منصور خالد ووزير خارجية اثيوبيا مناسلي هايلي في يوليو 1972 مذكرات لتسوية نزاع الحدود بين البلدين. بمقتضى هذه المذكرات اعترفت اثيوبيا بسيادة السودان على مثلثي ام بريقة والفشقة.
5- دستور السودان الدائم لسنة 1973
اجاز مجلس الشعب الأول دستور السودان الدائم في 11 ابريل 1973 ووافق عليه رئيس الجمهورية في 8 مايو 1973. وعلى ضوء ما تقدم سنحاول التعرف على الطريقة التي عالج بها الدستور الدائم لسنة 1973 قضية العلاقة بين الدولة والدين وقضية العلاقة بين المركز والاقليم ثم قضية انتماء السودان القومي.
أولاً: العلاقة بين الدين والدولة:
لم ينص الدستور على الدين في باب السيادة والدولة بل في باب المقومات الاساسية للمجتمع السوداني. نصت المادة 16 من هذا الباب على الآتي:
أ- في جمهورية السودان الديمقراطية الدين الاسلام ويهتدى المجتمع بهدي الاسلام دين الغالبية وتسعى الدولة للتعبير عن قيمه.
ب- والدين المسيحية في جمهورية السودان الديمقراطية لعدد كبير من المواطنين ويهتدون بهديها وتسعى الدولة للتعبير عن قيمها.
ج- الاديان السماوية وكذلك المعتقدات الروحية للمواطنين لا يجوز الاساءة إليها أو تحقيرها.
د- تعامل الدولة معتنقي الديانات وأصحاب كريم المعتقدات الروحية دونما تمييز بينهم فيما يخص حقوقهم وحرياتهم المكفولة لهم في هذا الدستور كمواطنين. ولا يحق للدولة فرض أية موانع على المواطنين أو على مجموعات منهم على أساس العقيدة الدينية.
هـ- يحرم الاستخدام المسيء للاديان وكريم المعتقدات الروحية بقصد الاستغلال السياسي. وكل فعل يقصد به أو يحتمل أن يؤدي إلى تنمية مشاعر الكراهية أو العداوة أو الشقاق بين المجموعات الدينية يعتبر مخالفاً لهذا الدستور ويعاقب قانوناً. وكريم المعتقدات الواردة في هذه المادة يقصد بها معتقدات غير المسلمين والمسيحيين.
وفي باب الحريات والحقوق والواجبات كفل الدستور حرية العقيدة والتعبد وأداء الشعائر. وفي باب السيادة والدولة نص الدستور على أن الشريعة الاسلامية والعرف مصدران رئيسيان للتشريع والأحوال الشخصية لغير المسلمين يحكمها القانون الخاص بهم.
وقد رفض مجلس الشعب الأول اقتراحاً بأن توصف الدولة بأنها دولة اسلامية واقتراحاً آخر يدعو إلى اعتبار الاسلام ديناً رسمياً للدولة واقتراحاً ثالثاً بأن ينص على أن الاسلام دين الدولة. وفي معرض تعليقه على هذه الاقتراحات أوضح رائد المجلس أن نظام الحكم يقوم على أساس المواطنة فالانتماء الأول للوطن السودان على اختلاف الاديان واللغات. وقال أيضاً إن أساس الدولة هو المواطنة لا الدين. لأن الدولة اذا جعلت لنفسها ديناً معيناً فإنها تكون قد انحرفت عن ارتباطها الأصلي بجديد لا يجمع كل السودانيين سواء كانوا مسلمين أو غير مسلمين.
وحري بالذكر ان نواب الجنوب احبطوا في مجلس الشعب في عام 1984 محاولة نميري تعديل مواد الدستور التي تحدد العلاقة بين الدين والدولة وغيرها من مواد الدستور لتلائم توجه النظام الاسلامي. فمثلاً اقترح نميري بأن يوصف السودان بأنه «جمهورية اسلامية موحدة ذات سيادة المسلمون والمسيحيون وغيرهم فيها أمة واحدة».
ثانياً: العلاقة بين المركز والاقاليم:
جاء في باب السيادة والدولة ان جمهورية السودان الديمقراطية جمهورية ديمقراطية اشتراكية موحدة واشتمل الدستور في نفس الباب على المواد التالية التي تتناول علاقة المركز بالاقاليم:
المادة 6 : تدار جمهورية السودان الديمقراطية على نظام اللامركزية وفقاً لما يحدده القانون.
المادة 7: تقسم جمهورية السودان الديمقراطية بقصد تحقيق المشاركة الشعبية في الحكم وتطبيق اللامركزية إلى وحدات ادارية يحدد القانون عددها وحدورها واسماءها.
المادة 8: يقوم نظام للحكم الذاتي الاقليمي في الاقليم الجنوبي على أساس السودان الموحد وفقاً لقانون الحكم الذاتي الاقليمي للمديريات الجنوبية لسنة 1972 والذي يعتبر قانوناً أساسياً لا يجوز تعديله إلا وفقاً للنصوص الواردة فيه.
ثالثاً: إنتماء السودان القومي:
نص دستور سنة 1973 في باب السيادة والدولة على أن اللغة العربية هي اللغة الرسمية لجمهورية السودان الديمقراطية. وفي قانون الحكم الذاتي الاقليمي للمديريات الجنوبية لسنة 1972 اعتبرت اللغة الانجليزية لغة رئيسية لاقليم جنوب السودان.
ونص دستور سنة 1973 في باب السيادة والدولة أيضاً على أن جمهورية السودان الديمقراطية «جزء من الكيانين العربي والافريقي». وبالمقارنة مع مشروع دستور سنة 1968 نلاحظ أن دستور سنة 1973 أسقط كلمة «إسلامي» ويكون بذلك قد تبنى الصيغة التي اقترحتها جبهة الجنوب خلال اعداد مشروع دستور سنة 1968 - مع اختلاف في الترتيب - بأن يوصف السودان بأنه «جزء من الكيانين الافريقي والعربي». وهي الصيغة التي رفضتها اللجنة القومية للدستور آنذاك.
6- الضمان الدستوري للحقوق والحريات
عدد الملحق «أ» من اتفاقية اديس أبابا الحقوق الاساسية والحريات التي ينبغي أن يضمنها دستور جمهورية السودان الديمقراطية وتشمل - ضمن حقوق وحريات أخرى - الآتي:
1- المساواة بين المواطنين في الحقوق والواجبات دون تمييز بسبب اللغة أو الدين أو العرق أو المركز الاقتصادي أو الاجتماعي.
2- حرية العقيدة والضمير وحرية ممارسة الشعائر الدينية.
3- حظر السخرة والعمل الاجباري.
4- حق الأجر المتساوي للعمل المتساوي.
5- حق استعمال الاقليات للغاتها وتطوير ثقافاتها.
وبالفعل كفل دستور سنة 1973 كل هذه الحقوق والحريات في المواد 38 و47 و52 و56. وسبق أن ذكرنا ان سلطات مجلس الشعب الاقليمي التشريعية، بمقتضى قانون الحكم الذاتي الاقليمي للمديريات الجنوبية تشمل تطوير اللغات والثقافات المحلية.