• Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size
الصفحة الرئيسية منبر الرأي الدكتور عمر مصطفى شركيان بوب مارلي.. حياة الرَّجل الشُّجاع على الحافة السياسيَّة .. بقلم: د. عمر مصطفى شركيان
بوب مارلي.. حياة الرَّجل الشُّجاع على الحافة السياسيَّة .. بقلم: د. عمر مصطفى شركيان طباعة أرسل إلى صديق
السبت, 02 حزيران/يونيو 2012 16:20



shurkiano@yahoo.co.uk


حين يتذكر النَّاس بوب مارلي العام 2012م تتسابق صورٌ كثيرة إلى الدماغ عن ذلكم الرَّجل المبتهج ذو الشعر المضفَّر، والذي ما يزال يرنو إلى الأسفل من مليون جدار في غرف الطلاب في شكل الصُّورة التي تحوَّلت إلى أسطورة، كما يحدث للصُّور النمطيَّة عادة، أو لاعب الكرة المحاور الماهر مروراً بالدفاع، أو ربما صورة مدخِّن الحشيش التي زيَّنت كعكة ميلي سايروس في عيد ميلادها التاسع عشر، وذلك بعد ما "خلاص كبرت وبلغت 19 سنة" – كما غنَّى عملاق الغناء السُّوداني الراحل محمد عثمان وردي – مما جعل أصدقاءها يتفكَّهون بعبارات الاستغراب التالية: "هل تعلمي أنَّك كنت ثملة حين صنع لك أصدقاؤك هذه الكعكة!"  إذ كان بوب مارلي أعظم نجم أنتجته الموسيقى الجامايكية، رأس الرمح في موسقى "الريقي" كان، وهو ذلك الموسيقي الذي ابتاع ملايين الألبومات، وصار أكثر شهرة بعد موته بالسرطان عن عمر ناهز 36 عاماً.
بوب مارلي هو نفسه ينبغي – بالتأكيد – تذكره بمبادئه، سياسته، أو إنسانيَّته الخيِّرة، بدلاً عن تذكره ب"التحشيش" أّو التدخين.  كان – بعد كل هذا – هو ذلكم الرَّجل الذي أعطى الكتابة ثقة، ومن ثم الجُعالة(1) لرائعته الغنائيَّة "نو وومان، نو كراي" (لا امرأة، لا صرخة) ل"فينسيت فورد"، وهو متعهِّد مطبخ الحساء الذي كان قد قدم إعانة لبوب مارلي في أيامه الأولى حين كان معوزاً.  فالرَّجل، وهو في قمة شعبيته وأوج فنه، أخذ يستقبل بترحاب أطفال الأكواخ في منزله بجامايكا.  والرَّجل – في أحد أيام العام 1976م – كان راقداً دامياً بين جدران غرفة مخترقة بالرصاص في ذلك المنزل كضحية لمحاولة اغتيال فاشلة بواسطة أولئك الذين ارتعبوا من نفوذه السياسي المتاعظم في ذلك الرَّدح من الزمان، ومن ثمَّ ارتادوا التخلص منه جسديَّاً مهما يكن من أمر.
فلا مريَّة في أنَّ انفجار العنف في 3 كانون الأول (ديسمبر) 1972م قد أحدث صدمة ساسيَّة في جامايكا، لكنه كان يغلي منذ أمد طويل.  وفي الآن عينه حاول بوب مارلي تهدئة الأوضاع باستخدام الفن والموسيقى، وكان لفرقته – "ذا ويلاز" – دوراً فعيلاً في تلك التهدئة.  ففي الواقع ليس في عالم الأوكسترا ما هو أكثر بروزاً وولوجاً في عوالم السياسة كما فعلته هذه الفرقة.  ولفرقة "ذا ويلاز" تأريخ طويل يعود إلى العام 1963م في الحين الذي فيه أسَّس بوب مارلي، بيتر توش ونيفيل (بوني) ليفينغستون "مجموعة هارموني" في العاصمة الجامايكيَّة كينغستون.  وتدريجيَّاً أخذت المجموعة تنمو خلال حقبة من الزمان لتشمل أستون (رجل العائلة) باريت وأخيه كارلتون.  وحينما غادر كلا من توش وليفينغستون العام 1974م، أُعيدت تسمية المجموعة "بوب مارلي آند ذا ويلاز"، ومن ثمَّ حقَّقت الفرقة نجاحاً عالميَّاً باهراً بألبومها مثل "إيكسودس" (الخروج)، "ناتي دريد" (الخوف الأنيق)، و"أبرايزينغ" (الانتفاضة).(2)  فبعد عودة بوب مارلي وفرقته الموسيقيَّة – "ذا ويلاز" – من جولة عالميَّة للدعاية لألبومه "راستمان فايبريشن" (ذبذبة رجل الراستا)، وجدوا الجزيرة ممزَّقة بالتوتُّر، ومحاصرة بقطوعات الكهرباء، وتعاني من نقص حاد في المواد الغذائيَّة، وأمست الصراعات العنيفة بين العصابات المتنافسة شيئاً عاديَّاً في الحين الذي فيه كان التنافس بين حزب الشعب القومي (اليساري) تحت قيادة رئيس الوزراء مايكل مانلي من جهة، وبين حزب العمال الجامايكي المعارض بزعامة إدوارد سيقا المدعوم من الولايات المتحدة الأمريكيَّة من جهة أخرى شديداً حول السلطة.  والجدير بالذكر أنَّ بوب مارلي كان من أنصار حزب الشعب القومي العام 1972م، ولكن حينما اقترب موعد الانتخابات العامة العام 1976م فضَّل أن يكون محايداً، وقرَّر أن يعزف في المهرجان الشعبي "سمايل جامايكا" (أبسمي يا جامايكا)، وهي معزوفة غير موالية – أي بلا انتماء أو لون سياسي – كمحاولة منه للتخفيف من وطأة التوتُّر السياسي السائد يومذاك.


تصاعد وتيرة التوتُّر

مهما تكن من نوايا معزوفة "سمايل جامايكا" (أبسمي يا جامايكا)، فقد كان هناك أناس في الجزيرة عقدوا العزم بأن يجعلوها مناورة سياسيَّة.  وفي هذه الأثناء قدَّم رئيس الوزراء مانلي موعد الانتخابات إلى الأمام ليتزامن مع المهرجان، مما اعتقد كثرٌ من الناس أنَّ مانلي أخذ ينحاز إلى حزب الشعب القومي.  وبالتالي أخذ هذا الموقف يزيد من مخاطر أمنه الشخصي، كما صرَّح بذلك صديقه فيفين غولدمان.  فبينما كانت تعمل في صحيفة بريطانيَّة خاصة بالموسيقى – "ساوندز"، أي "الأصوات" – لبَّت الآنسة غولدمان دعوة من بوب مارلي، وذهبت وأقامت في منزل الأخير في شارع هوب في العاصمة الجامايكيَّة في الأسابيع التي سبقت ذلك المهرجان الغنائي.  "وكانت الدار تبدو وكأنَّها مقاطعة ضخمة،" هكذا أوضحت السيدة غولدمان فيما بعد، "ومع ذلك، "افترشت الأرض، حيث ألقيت عليها لحافي، وحاولت أن أجد النوم."  كان المنزل مليئاً بالناس الذين أتوا لأداء فروض الولاء والوقار، وكان الأمر عظيماً في غاية العظمة أن ترى ساكني الأكواخ وسط أولئك وهؤلاء في هذه المنطقة المصنَّفة بالطبقة العليا.  ولكن ليس كل الزوَّار كانوا حميمين في هذه الأجواء الحميمية.  وفي صباح يومٍ ما استقيظت السيدة غولدمان من نومها بواسطة أصوات عالية.  ومن خلال نافذة غرفتها رأت بوب مارلي في جدال صاخب مع رجلين.  "لقد أدركت أنَّه يتعرَّض للاحتقار والاستهتار، وكان بائناً أنَّه غير مرتاح"، هكذا قالت الآنسة غولدمان.  "كان الأفراد يحضرون ويهزأون به في كل الأوقات،" إذ استطردت غولدمان في الآن نفسه.
وفي أثناء إقامة غولدمان في جامايكا، غنَّى بوب مارلي أغنيته الجديدة التي كان يعمل فيها ويتمرَّن عليها، وكانت هذه الغنوة الجديدة تسمى "سمايل جامايكا" (أبسمي يا جامايكا)، كما ذكرنا لكم آنفاً.  فما أن اصطدمت غولدمان بأنَّ الأغنية تفتقد أسلوبه الغنائي الحاد، حتى طفقت سائلة بوب مارلي: "لماذا كتبت كلمات هذه الأغنية الرائعة؟"  وفي الحق، فإنَّ الأغنية نفسها كانت، ومنذ البداية، تحمل في أعماقها كل اللحظات اللحنيَّة الكبرى في العمل الموسيقي ككل.  وكان رد الأخير: "إنَّ جامايكا لينبغي عليها أن تبتسم أكثر؛ إنَّ جامايكا لغاضبة عابسة!"  وإذ سرعان ما يتضح قريباً كم كانت جامايكا غضوباً عبوساً قمطريراً.
عادت غولدمان إلى المملكة المتحدة قبل حادثة إطلاق النار على منزل بوب مارلي التي أشرنا إليها آنفاً، ولكن تأليفها لسفر "كتاب الخروج" عن السيرة الذاتية لبوب مارلي يحتوي على سرد واضح عما جرى يومئذٍ.  وتبدأ الحكاية بانتهاء فرقة بوب مارلي – "ذا ويلاز" – من التمارين الموسيقيَّة وخلودهم إلى الراحة، وها هي زوجته ريتا تقود سيارتها خارجة عن البيت.  فبينما هي مغادرة البيت بسيارتها، إذ تأتي عربة أخرى وأخذ أحد ركابها يطلق النار على سيارة ريتا وهي مسرعة مغادرة المكان، ثم انطلق ثلاثة رجال إلى المطبخ وفتحوا النار على بوب مارلي على حين غرة.  فما كان من المدير الفني دون تايلور إلا أن وضع المغني مارلي على الأرض، وبرغم من ذلك كله قد تلقَّى مارلي رصاصة في ذراعه.  ويا للأعجوبة لم تكن هناك حالات خطيرة من جراء هذا الحادث الإرهابي، ولكن لم يتم انتزاع الرصاصة أيضاً من ذراع بوب مارلي مخافة من أن تسبِّب العمليَّة الجراحيَّة في فقدانه السيطرة على أصابعه التي يحتاج إليها في العزف على آلات الموسيقى، وكان له فيها مآرب أخرى.  وكذلك ظلَّت خروق الرصاص على جدران المبنى، الذي أمسى حالياً "متحف بوب مارلي"، إلى يومنا هذا.  هذا، وفي الآن عينه، فقد تركت الحادثة انطباعاً مستديماً في كل من موسيقى بوب مارلي وجامايكا ذاتها.  أولاً، ومهما يكن من شيء، فقد كان الأمر عسيراً على مهرجان "أبسمي يا جامايكا"، والذي كان مقرر له أن يبدأ بعد يومين فقط من حادث إطلاق النار عليه وعلى أفراد فرقته.  ومع ذلك – ويا له من عجب عُجاب – قرَّر بوب مارلي، في بسالة الأسد الجريح، أن يعزف في المهرجان، برغم من خطورة الموقف الذي كان ينذر بأنَّه يمكن أن يعود القتلة لإكمال المهمة.  إنّه لمن العسر عسراً أن تجد شخصاً مشهوراً من المحدثين يتَّخذ قراراً كهذا.  لذلك لم يكن بوب مارلي يمثل نمطاً عاديَّاً من نجوم موسيقى "البوب" فحسب، بل ظنَّ أنَّ المهرجان يمكن أن يكون بمثابة قوة للمصالحة الوطنيَّة، أو هكذا قال الدكتور جيسون توينبي – مؤلِّف كتاب "بوب مارلي: الرائد في عالم ما بعد الاستعمار".  وكان ما يقوم به هذا يعتبر عملاً شجاعاً، حيث كان هو رجلاً لا يهاب أحداً ولا شيئاً.
ويا للدهشة، فقد كان المسرح الذي وقف على خشبته العملاق الموسيقي بوب مارلي وفرقته مكتظاً، وكان حلفاؤه قلقين في أشد ما يكون القلق عن حياة مارلي.  وفي الحين نفسه رفع مارلي قميصه ليري الجماهير المبتهجة جروحه، صادحاً بأغانيه عن الحريَّة بصورة أكثر عاطفيَّة من أي وقت مضى، وكأنَّه كان يأمل أنَّ روحه غير المهزومة لسوف تمثل درعاً منيعاً يصد كل الأعيرة النارية المصوبة له بدقة والطائشة في الآن نفسه.  فإذا المهرجان يمر دون أيَّة حادثة تُذكر، وإذا حزب الشعب القومي يفوز في الانتخابات، ثمَّ إذا لم يتم اتهام أحد في الحادثة المذكورة إيَّاها، برغم من أنَّ العوام قد أشاروا بأصابعهم إلى العصابة المسيَّسة التي وقفت تهيمة وراء الجريمة.  مهما يكن من شيء، فقد غادر بوب مارلي جامايكا في الصباح التالي صوب لندن، حيث قام بتسجيل ألبومه "إيكسودس" (الخروج) المستوحى من التجربة التوراتيَّة "سفر الخروج"، وهو أشبه بردٍ روحي من رجل دولة إلى أحداث العام 1976م.  هذا، ولسوف تصف مجلة "تايمز" هذا الإنتاج الفني الرائع في وقت لاحق ب"ألبوم القرن".


رجل المبادئ التي لا ريب فيها

لعلَّ انتصار بوب مارلي العظيم، مهما يكن من شيء، قد جاء في نيسان (أبريل) 1978م حينما عاد إلى جامايكا من مهرجان "ون لوف بيس" (حب واحد للسَّلام).  وعلى خشبة المسرح التحق به كلا من مانلي وسيقا، وكان الرجال الثلاثة يرفعون أياديهم المتعانقة برهاناً دالاً على الوحدة: "إنَّها لحظة تأريخيَّة"، كما وصفها كريس بلاكويل، رئيس السجل التجاري لأعمال بوب مارلي الفنيَّة، المعروف باسم "تسجيلات الجزيرة".  لقد عكس المهرجان شعوراً كان سائداً في جامايكا، حيث استاء الناس استياءاً بالغاً، وأخذوا يرغبون في المضي إلى الأمام بروح من التعاون.  فحينما التحمت يد بوب مارلي يدي القائدين السياسيين المتنافسين، خلق هذا التعاضد صورة بلا نهاية للسَّلام، والتي انتشر شعاعها برَّاقاً حول العالم.
فواأسفاه، ولكي يصبح السَّلام الحقيقي بين الرجلين مستديماً كان هذا أمراً لا طاقة لبوب مارلي به.  فما تزال مشكلات جامايكا الاقتصاديَّة، والعلائق المدمِّرة بين السياسة والعصابة قائمة إلى هذا اليوم.  ومع ذلك، لم تذهب جهود بوب مارلي هباءاً منثوراً، ودون ملاحظة أو اعتبار عالمي.  إذ أنَّه ساهم في خلق جيل جديد من نجوم موسيقى "الروك" الذين لهم الاستعداد كل الاستعداد للتحدِّي والتصدِّي لكل من يقف في وجه ما يؤمنون به من مبادئ وقيم ومثل.  لقد استبق بوب مارلي، تعملقاً، ما سيحدث في الثمانينيَّات من القرن الميلادي في شكل "لايف أيد" و"يو تو".  وهو الذي اعترف لاحقاً بأنَّه أخذ الشعر الغنائي لرائعته "ريديمشن سونغ" (أغنية الإنقاذ) من الاجتماعات السياسيَّة، ولكن السياسة مرهونة دوماً بشأن ما يفعله الملايين من الناس، وليست بما يمارسه شخص واحد على انفراد.
على أيَّة حال، فنحن قد رأينا صورة بوب مارلي في محاولات الموسيقي يوسو ندور في ترشيح نفسه للرئاسة في السنغال العام 2012م، حيث جُرِح بواسطة قذيفة أطلقتها الشرطة السنغاليَّة لتفريغ تظاهرة سياسيَّة في العاصمة داكار.  ويمكن أيضاً عقد مقارنة بين بوب مارلي من جانب، وبين وولوج ماني باكيانو في السياسة، أو حملات النجم السينمائي الأمريكي جورج كلوني لاسترعاء انتباه العالم حول القضايا الإنسانيَّة في السُّودان من جانب آخر.  وهناك البريطاني جورج أورويل الروائي المحارب في الحرب الأهليَّة الأسبانيَّة (1936-1939م)، وهناك الشاعر الروائي وكاتب المقالات الإنكليزي السير ستيفين هارولد سبيندر (1909-1995م)، الذي ركَّز في أعماله الأدبيَّة على قضايا العدالة الاجتماعيَّة ونضال الطبقة العاملة، وهناك الشاعر الإنكليزي-الأمريكي ويستان هيو أودين (1907-1973م)، والذي كانت مواضيع أعماله الشعريَّة تتمحور حول الحب، السياسة والمواطنة، الدين والأخلاق، والعلاقة بين الإنسانيَّة الفريدة وطبيعة العالم المجهولة، وهناك  الشاعر الأمريكي عزرا ويستون لوميس باوند (1885-1972م)، الذي يُعتبر من أوائل الشخصيات الرئيسة في حركة الحداثة الأولى، وهناك ديف إيقرز الذي كتب رواية عن اللاجئين السُّودانيين وأخرى عن نيوأورلينز ما بعد إعصار كاترينا، ثمَّ هناك أرونداتي روي، التي تمثل نموذجاً بارزاً للمؤلف الذي أمسى ناشطاً سياسياً حقوقيَّاً، وكان آخر عمل روائي لها هو "إله الأشياء الصغيرة" (The God of Small Things) العام 1997م، وذلك قبل أن تتبنَّى التأليفات المبنية على الخيال في حملتها الاجتماعيَّة.  وهل نتغافل عن الموسيقي النيجيري فيمي كوتي (1938-1997م)، والأديب الشاعر والسياسي ليوبولد سيدار سينغور (1906-2001م)، الذي نظَّم أول مهرجان عالمي للفنون الزنجيَّة العام 1966م، والمغنية الجنوب-إفريقيَّة مريم ماكيبا (1932-2008م)، والتي منحها الرئيس السُّوداني الأسبق جعفر محمد نميري الجنسية السُّودانيَّة، والموسيقار السُّوداني الراحل محمد عثمان وردي (1932-2012م).  وبالطبع، لم ننس الروائي النيجيري الحائز على جائزة نوبل في الآداب وولي شوينكا، والأب الروحي للأدب الإفريقي تشنوا أشيبي.  ولعلَّ أصدق مثال للأديب المفكِّر الذي اهتمَّ الاهتمام الكثير بالسياسة هو الشاعر الهندي (بنغلاديش حالياً) رابندراناث طاغور، الذي غنَّى له الفنان السُوداني الكبير عبد الكريم الكابلي في رائعته "آسيا وإفريقيا" في شعر رصين أقرضه الشاعر تاج السر الحسن حين صدح يقول: "فلقد مُدَّتْ لنا الأيدي الصديقة/ وجهُ غاندي وصدى الهند العميقة/ صوتُ طاغور المغنِّي/ بجناحين من الشعِّر على روضةِ فنِّ".(3)  وهو أول من نال جائزة نوبل في الآداب من الآسيويين، ثمَّ هو ذلكم العملاق العبقري، الذي كانت أغنياته تحث رصفاءه الهنود بألا يتوانوا عن النِّضال ضد الحكم الاستعماري البريطاني الذي جثم على صدر شبه القارة الهنديَّة ردحاً من الزَّمان، وذلك في حملة سياسيَّة واجتماعيَّة شعواء لا تعرف الهوادة.  فقد هاجم طاغور سياسة اضطهاد المرأة، وحذَّر في مقالاته من تدهور البيئة، وجادل المهاتما غاندي فيما ينبغي أن تكون حال الهند ما بعد الاستقلال.  وإذا كان الجاحظ يؤمن بأنَّ الشِّعر غير قابل للترجمة، لأنَّ في ترجمة الوزن والقافية تصبح جد عسيرة، مهما برع الأديب الأريب، أو الكاتب النحرير، أو الشاعر الفذ، أو الناظم الملهم في المحاكاة العروضيَّة والتقفويَّة.  ومع ذلك، نقول إنَّه لفي واحدٍ من قصائده الذائعة الصيت، أنشد طاغور:(4)
حيث يكون العقل غير خائف،
والرأس مرفوعاً عالياً
حيث لم ينكسر العالم إلى أشلاء،
بواسطة الجدران العائليَّة الرقيقة
حيث نهر المنطق الصافي، الذي لم يضل سبيله،
في رمال الصحراء الكئيبة للعادة المستميتة
ولكن إنَّ موقف بوب مارلي السياسي والأخلاقي لمختلف جداً.  إذ أنَّه كان شخصيَّة ذات مبادئ نادرة وأخلاق سامية كما بات من المسلَّم به بعامة، وكان هو واحداً من النَّاس غير العاديين، الذي عاش في القرن العشرين من الميلاد، ليمسي سيِد التشويق الغنائي والتثوير الموسيقي في الآن نفسه.  ففي عيد ميلادها القادم ربما رغبت ميلي سايروس أن تضع ذلك في كدوسها مثل لفافة تبغ وتدخِّنه.  فبعد كل هذا وذاك من هو بوب مارلي الذي نتحدَّث عنه على هذا النحو، والذي رحل عن عالمنا في يوم 11 أيار (مايو) 1981م؟
روبرت نيستا (بوب) مارلي، الذي عاش في الفترة ما بين (1945-1981م)، هو ذلكم المغني الشامخ لموسيقى "السكا"، "الروك" و"الريقي" الذي غنَّى غنوته "غيت أب، ستاند أب" (قم، قف) في ألبوم "بيرنينغ" (مشتعل) العام 1973م، وهي من أشهر أغنياته السياسيَّة، والتي يؤكِّد في إحدى أبيات شعرها الغنائي: "إنَّك تستطيع أن تخدع بعض النَّاس في جميع الأحايين، وكل النَّاس في بعض الأحايين، ولكنك لا تستطيع أن تخدع كل النَّاس كل الوقت،" ويتغنَّى بها، أو يردِّدها، الثائرون حينما تلوح الثورة في الآفاق.  وتعود كلمات هذه الأغنية إلى جزء من خطاب منسوب إلى الرئيس الأمريكي الأسبق إبراهام لنكولن (1809-1865م)، والذي ألقاه العام 1856م.  وفي أغنيته "ذم بيلي فول، بط وي هنغري" (بطونهم مليئة ونحن جوعى) المسجَّلة في ألبوم "نتي دريد" (الخوف الأنيق) العام 1974م، نجده قائلاً في شعرها الرئيس "الرعاء الجوعان غضبان،" وهي للتَّحذير من عواقب الإخفاق في سد الفجوة الاجتماعيَّة بين الأثرياء والفقراء.  وهناك أغنيته "وور" (الحرب) الواردة في ألبوم "رستمان فايبريشن" (ذبذبة رجل الراستا) العام 1976م، وفي شعرها الغنائي يقول بوب مارلي: "إلى أن تنهار الأنظمة القميئة والتعيسة؛ حسناً، أينما وليت شطرك رأيت الحرب،" وذلك على خلفية الخطاب الذي ألقاه الإمبراطور الإثيوبي هايلي سلاسي في الأمم المتحدة.  وهناك أغنيته "زيمبابوي" في ألبوم "سيرفايفال" (البقاء) العام 1979م، والتي تقول كلماتها: "حسناً، قريباً سندرك من هم الثوريين الحقيقيين، ولا أريد شعبي أن ينخدعوا بواسطة المرتزقة؛ ثم هناك "ريديمشن سونغ" (أغنية الإنقاذ) في ألبوم "أبرايزينغ" (انتفاضة) العام 1980م، والتي تقول عباراتها: "حرِّروا أنفسكم من العبوديَّة العقليَّة؛ من غيرنا الذي يستطيع أن يحرِّر عقولنا،" وفيه يحث معجبيه ومريديه بأن يستمروا في النِّضال.(5)  فإنَّ الرسالة التي تبعثها وتبثها موسيقى "الريقي" و"الراستفاري"، والتي كان بوب مارلي سيِّدها بلا منازع، لتحث الناس على الحياة الإيجابيَّة والمساواة.  وهذه الموسيقى صالحة لكل زمان ومكان، لأنَّنا ما نزال نعيش وسط المشكلات التي فيها عشنا من قبل؛ ربما تغيَّر الشكل والإطار الزماني، ولكن المشكلات هي نفسها.  فموسيقى التمرد تتسلءل لماذا لا نكون أحراراً، لأنَّه ما يزال الناس بيننا يقبعون في الأسر، جسديَّاً وعقليَّاً.  وطالما بقي عدم المساواة، ستظل هذه الموسيقى ملائمة.
مهما يكن هنا من شيء، فهذه سيرة موجزة عن حياة رجل ثبت من غير جدال أنَّه شجاع، وأنَّه عاش على الحافة السياسيَّة في يم سياسي مضطرب، يغلي من الغيظ حتى كاد أن ينفجر، وكأنَّه هو الذي خلق الفن خلقاً وأشاعه في العالم طراً.  فقد ترك لنا بوب مارلي، الذي غنَّى للحريَّة والثورة والإنسان، إرثاً موسيقيَّاً ضخماً ما نزال نتغنى به في كل زمان ومكان.  ومثلما كتب محمد جميل أحمد عنه في موقع صحيفة "إيلاف" الإلكترونيَّة اللندنيَّة: "فالعلاقة الجدلية بين النص العميق واللحن المعبر عنه لا تنعكس إلا من خلال ثيمات جمالية تترسخ بمرور الزمن على النص واللحن، فتأخذ طريقها لأن تكون ذات طابع أسطوري عابر للأزمنة والأمكنة."  ولما كان الأمر كذلك عاد السينمائيُّون اليوم إلى سيرته إيَّاها، التي عاشها، لأفلمتها، ومن ثمَّ تمَّ عرض الفيلم نفسه في السينمات البريطانيَّة ابتداءاً من يوم 20 نيسان (أبريل) 2012م ولعدة أيام حسوماً.  ونحن نعرف أنَّ مثل هذا النوع من الأفلام يلقي رواجاً لدي لدن الجمهور المتفرج والمبتهج، ويحدث له في كثرٍ من الأحايين أن يلقي استحساناً لدي النقَّاد الأدباء.


المصادر والإحالات

(1)    الجُعالة مبلغ من المال يُدفع إلى المؤلف، أو المخترع، عن كل نسخة، أو سلعة، مبيعة من كتابه، أو اختراعه.
(2)    Yorkshire Evening Post, Thursday, May 17, 2012.
(3)    للاطلاع على القصيدة كاملة أنظر 50 قصيدة من الشّعر الفصحى في الغناء السُّوداني، التي جمعها وقدَّم لها النور حمد، الطبعة الأولى، فورت وورث، تكساس، كانون الأول (ديسمبر) 1994م.
(4)    The Guardian, Tuesday, April 10, 2012.
(5)    ShortList, Thursday, April 12, 2012, Issue No 220.

Joomla Templates and Joomla Extensions by ZooTemplate.Com