• Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size
الصفحة الرئيسية منبر الرأي د. حامد البشير إبراهيم الراحل النو علي جبريل: كلمات عزاء ووفاء لرجل نبيل .. بقلم: د. حامد البشير إبراهيم
الراحل النو علي جبريل: كلمات عزاء ووفاء لرجل نبيل .. بقلم: د. حامد البشير إبراهيم طباعة أرسل إلى صديق
الثلاثاء, 07 حزيران/يونيو 2011 11:09



hamidelbashir@yahoo.com

وُلد الراحل المهندس النو علي جبريل حامد بمدينة الأبيض (1955) ، ونشأ وترعرع في مدن شتى في جنوب وشمال وغرب ووسط السودان (حيث كان والده الراحل علي جبريل حامد ضابطاً متميزاً بالقوات المسلحة، حسن السيرة والسريرة، عمل وتنقل بمختلف أجزاء السودان). ولعل ذلك التنوّع في المشارب الحياتية ـ الثقافية قد أكسب الراحل النو ملامح عكستها وعبرت عنها، جهات السودان التي ألفها وتشربها حتى أضحى مكونه الثقافي الغالب يشابه كل السودان، ويماثل تنوّع بستان زاخر بورود تختلف أشكالها وألوانها مكسبة ذات البستان التوحّد في تنوّع الجمال والتفرّد في توحّد الإبداع . وقد صقل ذلك التنوّع باكراً مدارك الرجل، فجعله واسع الإلمام بالمحيط المحلي والقومي، مما أعانه في إكتساب مقدرة خاصة على إستيعاب الآخر (إجتماعياً وثقافياً)  وإدراك خصوصيته والإقرار بها وبحاجتها للإشباع في إطار مجتمع واحد متساكن ومتماسك ومتسامح ومتصالح مع ذاته ومع الآخرين.... و كان ذلك المجتمع هو النو علي جبريل تجسيداً.  

في  سنوات دراسته الثانوية (خلال السبيعينات من القرن الماضي) بمدينة الأبيض حاضرة كردفان، حاز الراحل النو على جائزة الطالب المثالي، وقد كانت حدثاً أبهج المدينة قبل الطلاب والأساتذة، وذلك، لأن فوق تميزه الأكاديمي، كان النو متميزاً إجتماعياً من خلال عشقه المعهود للرياضة، ولكونه لاعباً فريداً في الميدان. حاز على محبة أهل مدينته الأبيض ـ عروس الرمال ـ وقد حافظ على ذلك الإهتمام حتى وهو طالب بكلية الهندسة بجامعة الخرطوم خلال السبيعينات، والتي لعب بفريقها فإكتسب شهرة داخل الجامعة. إن الإهتمام بالرياضة وبكرة القدم قد وسع من دائرة حياته الإجتماعية ومن دائرة الأصدقاء والأحباب والمعارف، على خلاف اللذين يقضون حياتهم الجامعية إنقطاعاً بين المكتبات وإبتعاداً عن محاور الإجتماع، وإنكاراً لتكامل طرفي المعادلة التربوية: التحصيل الأكاديمي مع الثراء والتشبيك الإجتماعي.

النو المهني ورجل الأعمال .. والسياسي النظيف:
إن كثيرون من معارفه وأهله وأصدقائه قد أصابتهم الدهشة من إختيار النو علي جبريل للعمل العام قبل عامين، خاصة عند قبوله منصب المعتمد لمعتمدية القوز بجنوب كردفان، وأيضاً لقبوله منصب وزير الإسكان في الأبيض (شمال كردفان) وذلك ليس إستصغاراً لتلك المناصب، لكن من منطلق حسابات الإٌقتصاد الباردة، أو ما يعرف "بتكلفة الفرصة البديلة" opportunity cost والتي تتمثل في نجاحه الباهر وتميزّه في مجاله المهني والإستثماري والتجاري، كمهندس معماري ذائع الصيت ومقاول وعضو مؤسس لمجالس إدارات لعدد من الشركات والمؤسسات، مما يجعل قبوله للوظيفة العامة تضحية لا تضاهيها تضحية. لكن قليلون كانوا يدركون حجم التضحية التي إختار أن يقدمها الراحل النو عن طيب خاطر، في سبيل أن يكون فاعلاً في صناعة القرار وإتخاذه، عله بذلك يسهم في التغيير الإقتصادي – الإجتماعي – السياسي الذي ينشده في الواقع الريفي والحضري في كردفان. لقد كان كردفانياً حتى النخاع، وكان يرى في ذلك أيضاً رسالة يقوم بها لبعض من الوقت ـ إرضاء لنفسه الأبية، وفي سبيل الأسرة الكردفانية ثم يعود أدراجه بعد حين لهموم الأسرة الصغيرة وللعمل الخاص الذي توقف وتضرر من أجل العمل العام. لقد كان النو رجلاً ذا همة عالية لا يهدأ له بال دون أن ينجز مشاريعاً كبيرة ويحقق أحلاماً أكبر:

إذا كانت النفوس كباراً ..... تعبت في مرادها الأجسام.

لقد كان الراحل النو نقياً في السياسة كنقائه في الإجتماع، وكأنه مهتدياً في ذلك بكلمات  إبن القيم الجوزية في تعريف السياسة بأنها :" كل عمل يكون معه الناس أقرب إلى الصلاح وأبعد عن الفساد وأن لم يأت به رسول أو نزل به وحي" . هناك من ولجوا السياسة فقراء فأغنتهم، وهناك من أجبروا على دخولها أغنياء فأفقرتهم!!!. وقد كان النو من هؤلاء، كان عفيف اليد واللسان، خلوقاً ومتواضعاً منفعلاً بقضايا البسطاء ومنحازاً لها.

النو الإصلاحي الأصيل:
على مدى التاريخ الإجتماعي المعاصر في السودان نشأت جدلية الخلاف والتضاد وربما الصراع بين الحداثة والتقليدية، فالأولى ممثلة في التعليم والمتعلمين والتمدين، على نقيض الثانية وصنوها الأمية والتريّف (بشقيه النباتي والحيواني)، يكون هذا التضاد أكثر وضوحاً في الحيز الثقافي، ولكن يتخطاه ليشمل أنماط الإنتاج (الحديثة مقابل التقليدية) والرأسمالية الربحية مقابل نمط الإنتاج الإعاشي الإكتفائي. ويمتد ذات التباين ليشمل أنماط الإجتماع، ممثلاً في الريف والحضر أو بين القرية ـ البادية والمدينة، وبين المتعلم وغير المتعلم، وبين المهن التقليدية والمهن الحديثة المرتبطة بالمدينة، من شاكلة ذويي الياقات البيضاء (الموظفين) والزرقاء (العمال). كل هذه الثنائيات  وما ينجم عنها من خلاف وصراع وتنازع نفسي، غالباً ماتكون أكثر وضوحاً عند أبناء الريف الذين حققوا وأصابوا قدراً من التعليم، مما مكن لهم سبل كسب عيش وأنماط حياتية (من شاكلة حياة الطبقة الوسطى والنخب الحديثة) على نقيض ما نشأوا عليه في أريافهم وبواديهم. هذه الثنائية الجدلية هي في حقيقتها ظاهرة تاريخية ـ سوسيولوجية بالغة التعقيد، وقد ميّزت نخب ومتعلمي الخمسينيات وماتلاهم حتى نهايات القرن الماضي خاصة في إرتباطاتهم بمجتمعاتهم التقليدية. وفي كثير من الأحيان تنشأ ظاهرة المثقف أو المتعلم غير المرتبط بالجذور وغير المرتبط بالقرية وقضاياها النمطية من صراعات قبلية ونزاعات حول الأرض وإستغلالها بين الرعي والزراعة ،وما يتبع ذلك من جرائم قتل وديّات وغيرها من نوع الإشكاليات التي قد لا تنفعل معها أذن وقلب ذلك المتعلم النخبوي الحداثي من أعضاء الطبقة الوسطى، التي غالباً ما تشرئب بأعناقها إلى الطبقة الأعلى منها لا التي دونها(وذاك طموح طبقي مشروع). لكن قليلون هم من تمكنوا من إحداث هذه المزاوجة رغم ما يقتضيه ذلك من رهق وتضحية لإلتزامهم الأخلاقي ولأيمانهم بدروهم التاريخي تجاه أهلهم وتجاه المجتمع الذي ترعرعوا فيه، إذ أن من واجبهم العمل على تغييره بقصد إنصافه وحمايته من تيارات الإستغلال السياسي (أحياناً) وتيارات التحديث (العشوائي)، والذي غالباً ما يجعل من سكان الريف والبادية أدوات أكثر منهم أهداف، وضحايا أكثر من كونهم"مستفيدين". لقد كان الراحل النو من أولئك القليلون الذين أحدثواً تلك المزاوجة بين الحداثة والتقليدية عن طيب خاطر، خاصة بين إنتمائهم الطبقي (الطبقة الوسطى العليا) وبين إلتزامهم ودورهم الطليعي والقيادي في الأخذ بيد أهليهم في الريف والبادية، في محاولة لـ "تدريجهم" نحو الحداثة والنهوض (الإقتصادي – الإجتماعي) من خلال المشاركة في فرص التنمية وتحقيق السلام الإجتماعي في منطقة شاءت لها الأقدار (والمقتدرون) أن تكون بؤرة صراع قبلي وإثني (وقوده الناس والحجارة) خلال الثلاث عقود الأخيرة. وهذا الصراع ـ كما كان يدركه النو ـ تماماً كالمعادلة الصفرية التي دائماً ما تكون حصيلتها خسارة الطرفين من النوبة والعرب. لذلك كنا كثيراً ما نتبادل الأراء والرؤى حول ضرورة إستحداث مشروع للسلام الإجتماعي في جنوب كردفان، والذي هو مفتاح النهضة في هذا الإقليم الطرفي ـ الهامشي، وبين إثنياته المتقاربة وجدانياً والمتباعدة في رؤاها نتيجة لغربة وعدم مشروعية المشاريع المفروضة عليها من أعلى، لا المستمدة من أسفل (بحكم الواقع والتاريخ والجغرافيا).

لقد كان النو حداثياً حتى في قضايا التحوّل الإجتماعي ـ البيئي، فكان من اللذين يتحدثون معنا عن ضرورة تحديث القطاع الرعوي، لكن على أن يتم ذلك بخطوات ممرحلة، مع الإستيعاب التام لخصوصية هذا القطاع وفهم طبيعته من جهة، وطبيعة وحيثيات تداخله مع القطاع الزراعي الحديث (الزراعة الآلية) والتقليدي بجنوب كردفان من جهة أخرى، منعاً للإحتكاك، وإثراءاً لقيم وذخيرة التعايش السلمي بين إثنيات المنطقة، وبين بدوها ومزارعوها. لقد إمتاز هذا التعايش السلمي تاريخياً بالإتزان وبالمساكنة الإيجابية النشطة حتى ثمانينيات القرن الماضي حين وقعت، حين غرة، فأس الآيديولوجيا على الرأس، فقطعت شجرة السلام الظليلة، وتركت الجميع في العراء وتحت زمهرير الإحتراب والتنافر والتضاد...(تركتهم ضُرٍ في حرٍ). وكنا كثيراً ما نتحدث مع الراحل النو على جبريل حول ضرورة رتق ذلك النسيج الإجتماعي بين النوبة والعرب، الذي تهتك نتيجة للتدخلات الشائهة وعن أهمية إعادة هندسة الجينات الثقافية للمجتمع المحلي التي توارثوها عبر قرون من التساكن والإثراء الثقافي المتبادل، وكان يتحدث معنا عن ضرورة إعادة تأسيس التحالفات القبلية بين قبائل المنطقة، وضرورة إستحداث وسائل تحقق نهضة هؤلاء النوبة والعرب على السواء، حتى يتم لهم الإستقواء والتمكين في إطار واقعهم، وحتى يتحرروا ـ وإلى الأبد ـ من كونوهم مطيّة للإستغلال في حروب الوكالة، وحتى يتم لهم كامل الخروج من دائرة التهميش ومتلازمتها دائرة الإستغلال (وفي الحالتين هم الضائعين في فترات الحرب والسلام على السواء). كان النو يحمل هموماً كبيرة بحجم هموم جنوب كردفان. وبعفوية البدوي وإصراره كان متفائلاً بحتمية تبدد الظلام وإنبلاج الصباح: صباح الرحمن والفرقان، وكأني به من المنشدين:
لابد من صنعاء وإن طال السفر.

النو الصديق:
لا تلتقي النو إلا وأُناس حوله، وهو بمثابة بؤرة الضوء والإشعاع، ومركز الثقل المفعم بالإيجابية، ونقطة إلتقاء الأصدقاء التي تجسد وحدتهم وتآخيهم وتصادقهم. إنه النو الصديق والذي ـ ومنذ عمر باكر ـ وهبه الله محبة الناس فتشكل حول رهط من الأصدقاء من مختلف أنحاء وقبائل السودان.

النو أخو أخوان:
إنك لتكاد تجزم بأنك تحس النخوة في سلامه وفي كلامه ومباشرته التي يقابلك بها هاشاً باشاً. وقديماً قيل: " بليلة مباشر، ولا ضبيحة مكاشر".
لا تلتقيه إلا مبتسماً ولا تفارقه إلا وهو ضاحك، وكان يجد متعة في مقابلة الناس وإكرامهم لأنه من صنف اللذين يكون عندهم الكرم عادة جُبلوا عليها، وعبادة يسمون بها إلى أعلى، قبل أن تكون واجباً إجتماعياً. وهكذا كان منشأه، إذ ترعرع في عشيرة كريمة، ووالد مضياف وشجاع عُرف بحبه الجم لأهله، وبتضحياته من أجل الآخرين. لقد كان النو كريماً وأبياً: إن الجود أن تعطي أكثر مما تستطيع، والإباء أن تأخذ أقل مما تحتاج إليه (أو كما قال جبران خليل جبران).
وكأني بأهله وعشيرته وأصدقائه في عروس الجبال (الدلنج) وفي عروس الرمال (الأبيض) وفي كل عرائس المدن الحزينة في السودان يعتلون قمة جبل الدلنج، راثين فيه إنسيابية سهول كردفان وإصرار وشموخ هضابها، مرددين في أسى ما قال به أبو الطيب المتنبئ في مقام  شبيه:
إني لأعلم واللبيبُ خبيرُ
إن الحياة وإن حرصت غرورُ
ما كنت أحسب قبل دفنك في الثرى
إن الكواكب في التراب تغورُ

أهنأ في جنات الخلد أيها الأخ والصديق النبيل، وجعل الله البركة في ذريتك وأهلك وفي
كردفان والسودان.

جريدة السوداني
7 يونيو 2011


Joomla Templates and Joomla Extensions by ZooTemplate.Com