عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

17 يناير 2021

الاهداء

إلى محبي ومعجبي وعشاق غناء الاستاذ القامة
الموسيقار الراحل مصطفى سيد احمد ،
الى اسرتيه الصغيرة اينما حل بها المقام والكبيرة بود سلفاب
الى الشعراء الذين رافقوه في مشواره الفني ورفدوا مشروعه الكبير بالجيّد من القصائد،
الى كل العازفين الذين جمعتهم به رفقة الدرب وخاصة اولئك الذين صمدوا معه حتى الايام الاخيرة من حياته بالعاصمة القطرية الدوحة

مقدمة

الموسيقار مصطفى سيد احمد ظاهرة كونية في مجال الغناء والتأليف الموسيقي وكتابة الشعر والرسم، اجتمعت كل هذه الخصائص في شخصيته فاخرجت اروع الاعمال الغنائية في الربع الاخير من القرن الماضي، اخترق مجال الغناء في وقت كانت الساحة الفنية مليئة بالكبار من المطربين، وكان الولوج اليها يتطلب ان يكون المطرب مسلحاً بسلاح العلم قبل الموهبة، في الزمان الذي شق فيه مصطفى طريقه كانت هنالك ما يسمى بمهرجانات الثقافة التي تقام بصورة دورية، فكانت هذه المهرجانات هي التي تقدم المطربين الشباب للجمهور وتمنحهم جواز السفر للعبور نحو الشهرة والجماهيرية، كان هو احد الذين نجحوا في امتحانات العبور هذه في أواخر سبعينيات القرن الماضي.
الفطاحلة من المطربين اتخذ كل واحد منهم طريقاً مختلفاً ميّزه عن الآخر، فهناك من الذين زاملوه منذ مهرجان الثقافة وكانوا دفعة تخرج نحو الفضاء الواسع لمجال الغناء، بعضهم سار في درب الاقدمين من رواد المدرسة الغزلية الرومانسية والبكائية، لكن مصطفى طرق الحجار الصماء ليحفر لنفسه طريقاً مختلفاً، لقد قبل تحدي العلم والفكر فاختار ان يكون صوتاً من اصوات الهم العام، فسانده المثقفون والسياسيون والمفكرون بعد ان لمسوا فيه الوعي الكبير بمدارس الفكر التحرري آنذاك، فكان له نصيب الاسد من شعراء النخبة السياسية المستنيرة، وهذا بالضرورة كان له اسهام ملحوظ في سلامة وصحة توجهه منذ البداية، لقد اتخذ طريقاً صعباً لا يحبذه كثير من المطربين هو الطريق النخبوي والصفوي، وهذا الطريق له شروطه ومخاوفه ومحاذيره ولا يطأ ادراج سلمه الا الواثق من ثراء عقله.
لعب مصطفى دوراً عظيماً في معارضة نظام الانقاذ باعتماده على الاشعار النابضة بالمعاني الثورية، وبمشورة الشعراء والادباء الواقفين مواقف واضحة تجاه منظومة الحكم الاسلاموي منذ اليوم الاول للانقلاب العسكري، لم يهادن ولم يستسلم حتى اسلم الروح الى بارئها بمدن الملح والضباب الخليجية، قابضاً على جمر قضية الشعب السوداني التي فداها بمهجته.


المولد والنشأة
ولد بقرية ودسلفاب في اقليم الجزيرة وسط السودان في العام 1953 ميلادي، شب فى بيئة الجزيرة التى انجبت الافذاذ من المطربين والرياضيين والمسرحيين والموسيقيين الذين كانوا وما يزالون يلعبون الدور المهم فى اثراء الحياة الفنية والثقافية السودانية، ارض الجزيرة تمثل السودان المصغر لأن بها كل عوامل الانصهار المجتمعي، و يكاد المرء يجزم بأن انسان هذه البقعة هو الوحيد الذى سنحت له فرصة التمازج والتداخل مع كل الوان الطيف الاجتماعى السودانى، فقد وجد مصطفى طريقاً عميقاً تاريخاً واصالةً وعراقةً فتلمسه ونهل من سلسبيل النيل الازرق المغزي والرافد لترع الجزيرة باسباب الحياة، فتشبعت روحه بالخضرة وصفاء السماء ونقاء الماء، وقوي نفسياً وبيئياً بامتدادات قريته ود سلفاب التى صبغته بخصائص المزارع السوداني، ورجل الريف البسيط والتلقائي العزيز النفس والكريم الشهم، سافر الى بورتسودان لتكملة تعليمه الثانوي العالي ووجد هناك مساحة اكبر متسعاً من القرية الصغيرة فذاب في المدينة الكبيرة والميناء الأول للسودان، حيث التعاطي مع مجتمع اكثر تنوعاً واوسع ماعوناً واشمل احتواءً للثقافات ومكتنزاً بالمعارف المحلية والعالمية، كانت المدارس الثانوية العليا فى السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي مراكز للاستنارة واكتشاف المواهب، وكانت عبارة عن ملتقيات فكرية وادبية وثقافية واجتماعية وسياسية يتوافد اليها طلاب العلم من شتى انحاء السودان، وبالاخص تلك المدارس الثانوية القومية - خور طقت (الابيض) وخور عمر (ام درمان) وحنتوب (ود مدني) وبورتسودان الثانوية والفاشر الثانوية وعطبرة الصناعية، فهنالك ينصهر الطالب في بوتقة الوطن الكبير، وتعتبر المدة التي قضاها مصطفى ببورتسودان الثانوية بمثابة السانحة لكي يصقل موهبته الغنائية ويؤهل نفسه للمشوار الفني الرسالي الذى انعكس في اعماله الغنائية المسموعة على نطاق واسع بالسودان، واكثر ما ميز اعماله هو شمول الملمح السوداني في تنوع المفردة وتعدد الشعراء الذين تناول قصائدهم، فتجد مصطفى قد تعامل مع عباقرة فنون الشعر الغنائي من جميع الاتجاهات الجغرافية للسودان.


الموهبة
سَلك مصطفى سِلك التربية والتعليم وتخرج في معهد المعلمين واصبح معلماً بالمدارس الثانوية العامة، وهذه المهنة الانسانية تستوجب تحلي سالك دربها بالسلوك القويم والاخلاق الحميدة والتهذيب الانيق الشيء الذي شهد به زملاؤه، فقد كان رمزاً لكل هذه القيم حيث أن كل الذين زاملوه في العمل التربوي وعايشوه فى تلك الفترة وصفوه بالهدوء الحكيم واللطف البائن فى التعامل مع الناس في كل مراحلهم السنية وجميع مستوياتهم الثقافية والاكاديمية، فلا توجد شريحة واحدة من الشرائح المجتمعيه التي تفاعل معها الا وتحدثت عن هذه الصفات النبيلة التي طغت على شخصيته، المجال العلمي والتربوي جمعه باناس ذوي خبرة وتجربة افادت مصطفى واعانته في معاركه مع تحديات الحياة، فرسم خارطة مشروعه الوطنى الممتد عبر سهول وصحارى وغابات السودان وطن الشدائد العزيزة، فمن معهد المعلمين بامدرمان الى معهد الموسيقى والمسرح اكتمل بنيان هذا المشروع الفني العظيم، فبرزت سطوة محاسن صوته الغنائي الطروب والعذب، واصبحت له مدرسته الجديدة ولونيته المتفردة كتفاً بكتف مع الفطاحلة السابقين والجهابذة الحاضرين، وسبب الظهور الكاسح لمصطفى هو رؤيته الواضحة لما يريده من خلال الفن كوسيلة، فبان للنقاد والمتابعين لمسيرته الفنية محور ذلك الارتكاز الصامد لقناعاته، والاعمدة القوية والصلبة التي اعتمد عليها، سواء الخبرة أو المنهجية والعلمية والمهنية واستلهام محددات الفكر التحرري الذي اجتاح كل شعوب العالم، فقد اصبح مصطفى في وقت وجيز موجهاً لحياة مجتمع باكمله من خلال الكلمة المؤداة لحناً والرامزة بلاغة والمصحوبة بجودة اللحن والاداء الموسيقي المصدق للاحساس، لقد وجدت قريحته الابداعية الخرافية في فن التلحين والرسم والتشكيل والغناء وكتابة الشعر، الارضية الخصبة لكي تنمو وتزدهر وتستمر.


المرض
بين ارهاصات جدلية الموت والحياة اضاف المرض لمدرسة مصطفى عاملاً اخراً من عوامل الصدق والايمان والتضحية، فكان تأثيره عظيماً على مجتمع متعدد المناخات والامزجة مثل المجتمع السوداني، وكان المرض امتحان واختبار قاسي للراحل لكنه استطاع ان يتجاوزه بدرجة عالية من الصبر والكفاءة الاخلاقية والمهنية التي افرزت نجاحاً باهراً، باسره لقلوب الملايين من بني وبنات وطنه، فى احيان كثيرة وعند اناس كثيرين غالباً ما يكون المرض دافعاً لانهيار مشروعاتهم و نهايةً لمستقبل طموحاتهم، الا عند مصطفى الذي اقل ما يجب ان يوصف به في محنته وعلته المرضية أنه كان صنديداً ظل واقفاً كالطود، فقد زاده المرض عزيمة واصرار وتحد فى ان يقدم اعماله بجودة عالية اخرجت عصارة جهده ذي القيمة الانسانية الكبيرة فى سرعة وايجاز، و كان قد سابق الزمن بعناد شجاع والعلل تفتك بجسده النحيل، فاستثمر كل لحظة من اللحظات المحسوبة التي كانت تتراءى امام ناظريه، فلم يسترخي ولم ينهزم أمام نزعات النفس المنهكة وواصل في تقديم الثري من منتج البوماته، دون ان يعطي أولوية لراحة البال اواتكاءة تريح الجسد المترهل بطعنات سكاكين الداء العضال، فاستنفذ كل ثانية من وقته المتاح فى تقديم الجديد والمجود من تلك الملاحم الوطنية المدهشة، لم يكن يتردد ابداً فى تلبية الدعوات المقدمة من معجبيه واصدقائه ولم يتوانى في ارضاءهم وقد كان حريصاً على ايصال صوته الحزين الى جمهوره العريض، غير مكترث لأن يكون ذلك الجمهور حاضراً ومزدحماً معه فى شقته الصغيرة أم على خشبة اي مسرح من المسارح التى يختارها محبوه، لقد كرّس جهده ووقته من أجل وطنه الذي فضّله على ملء بطنه حتى يخرج انسانه البسيط المكلوم والمثقل بالمعاناة التي تغطي سماءها سحابات الهموم من ألم التعب.
كانت المعايير الفنية في اختياره لأي عمل غنائي تعتمد على المدلول المعنوى وايقاع النص الشعرى، دون ان يلتفت للأضواء والضوضاء المثارة حول الشاعر كاتب النص، وبلا اهتمام للفرقعات التى يثيرها الاعلام احياناً حول بعض من يقرضون الشعر، وفى هذا السياق نجده قد قام بتليحن اعمال لشعراء لم يكونوا فى يوم من الأيام من اصحاب الحظوة السلطانية ولا من اولئك الذين تضج بهم شاشات التلفاز والاذاعة صباحا ومساء، انتشل مصطفى العباقرة من شعراء الكلمة السودانية من عامة الناس الذين يمشون في الطرقات ويأكلون في الاسواق، مما اكسب عمله تفاعلا وانفعالا شعبياً واسع الاطار مع الكادحين والمساكين الذين ظلوا دائماً محوراً لاهتماماته الفنية، فهو من اوائل المناضلين الذين طرحوا قضية المهمشين على طاولة الحياة السياسية والفكرية فى السودان عبر اوتار العود بكل جرأة .


التضحية
أن يضحي الانسان بالمهجة والروح فى سبيل اكمال المشروع الذي يؤمن به والوصول للطموح الذي يسعى لتحقيقه، على مثل هذا الانسان ان تتشبع انفاسه برائحة التراب الذي تمشي عليه قدماه، وأن تميز روحه الهمة العالية المواكبة لهذه التطلعات وأن يكون بحجم المشروع الذى اختاره، لقد كان ابن ودسلفاب على علم وادراك تامين بأن ثمن المبادئ التي آمن بها والأفكار التي تبناها سيكون باهظاً ومرهقاً ومكلفاً، لكنه لم يبال ففتح كل نافذة من نوافذ قلبه لتكون مسلكاً ومعبراً للرائع مما جاد به صوته الرخيم، فلامس شعور أبسط انسان يكابد عنت المشقة على ارض الوطن الحبيب، مصطفى دمج هموم اسرته الصغيرة فى هم الوطن الكبير لانه يؤمن بعدم تجزأة مبدأ التضحية والتفاني في سبيل الحق، ولا يعتقد في المقولات المتخاذلة التي تقدم الوفاء من اجل الاسرة الصغيرة على الوفاء لسداد دين الوطن الكبير، فوهب كل ما يختزنه عقله ووجدانه من بريق والق الابداع الفني للناس، فاحبوه ووجد الاحترام وحاز على ود وتقدير فئات مقدّرة من مجتمعه.
كان مماته تظاهرة اجتماعية وسياسية وثقافية كبيرة سار فى موكبها كل اهل السودان، حتى اولئك الذين قاطعوه ووقفوا ضد مشروعه ووضعوا العراقيل امامه واخرجوه من دياره مضطّراً لترك الوطن الذي احب، رفعوا اليافطات الحزينة عند مقدم التابوت من الدوحة، تجمع عاشقوه من كل ارجاء الوطن بسحناتهم ولهجاتهم وساروا مشايعين ومشيعين لجثمانه الذي ضمته ارض الجزيرة الخضراء، ووري الثرى تحت عزاء ورحمة دعوات رجال صالحين ونساء قانتات ممسكات بالمسابح يرددن ( مصطفى رجل عظيم اهتزت لفقده اركان ارض السودان).


الابعاد التي تناولها
مصطفى
في تجربته الفنية


عندما تمر ذكرى رحيل العملاق ابوسامر على جماهير الشعب السوداني، يذكرون أن البلاد قد افتقدت بفقده كائن اسطوري لا مثيل له وثائر مقدام قلما يجود الزمان بمثله، فيجتر الناس كل مخزون الذكريات الجميلة معه ومع رفقته الروحية التى زودهم فيها باحساس عميق نحتت كلماته على عظام اعمدة سلاسلهم الفقرية، فشكل لوحة مرسومة بريشة الوجد ومكتوبة باسمى آيات الحروف والمعاني المرتقية بالذات والمرتفعة بها الى سماوات الدهشة والبهاء والمزدحمة بالوان الجمال.


البعد الأول: الوطن
ارتسمت لوحة الوطن عند مصطفى سيد احمد بالشمول والاحاطة من خلال العديد من اعماله، وذلك لسعة ثقافته ووعيه الوطني ورؤيته السياسية والفكرية الواضحة التى لا تعرف رمادية اللون فكانت التضحية وكانت المسئولية العظيمة التى حملها جسمه النحيل وعقله الكبير، فتناولت اعماله صورة الوطن في اشكال ومعاني عديدة تجدها متخللة لمعاني الحنين والشوق والهيام، ذلك لأن قيمة الوطن عنده لاتقف عند محطة تلك النظرة التقليدية التى ظل يرددها اقرانه واسلافه وحتى الذين اتوا من بعده، وانما رؤيته للوطن تتمظهر في منظومة المبادئ والمشاعر الملازمة للانسان فى الظرفين الروحى والمادى معاً، ويتبين هذا الملمح تحت ظلال هذه الجزئية من بعض اعماله:(غنّايك فى كل ظروفك .. فى الفرح الببرق وعد وفال .. وفى الحزن الودر ضي شوفتك .. في سجون القهرك في خوفك .. في النبض الصادق وفي البرهان .. السامعه يدندن في جوفك .. جرحنا عتابك يا باكية .. وعايزانا نغني غنا الافراح)، لقد كانت اغنياته تتضمن خصوصية الأرض ورائحة التراب السوداني المتنوع بانسانه الملهم، وكذلك اعارت اهتمام كبير لمعالجة الاشكاليات والاستفهامات التى ظلت تردد فى المنابر الفكرية والثقافية، وواحدة من اهم الاسباب التى رفعت اسهمه في دنيا الفن تبنيه لقضية الانسان البسيط السمح والمتسامح والتلقائي ذو الطبع المريح.


البعد الثاني: الأم
لقد شكلت الأم عند مصطفى قيمة ومزيج من الماضى والحاضر، انها الام ذات الروح المفعمة بكل قيم الأصالة والريادة فى المجتمع، انطلاقا من الحبوبة الى العمة والخالة والأخت ثم الخليلة فالكريمة، اللائي لهن دور فاعل فى كل تفاصيل مجتمعنا المسكون بالابداع، رمزية الأم لدى مصطفى تمثل الاساس الذى بني عليه كيان المجتمع السودانى، والمصدر الذي يستسقي منه الناس مفردات ادبيات الحياة وموجهاتها وكانت دائماً عبارة عن الجذوة المتقدة المحافظة على حيوية الاجيال الناشئة والداعمة لهذه الاجيال، فمن صميم قلبه يوليها مكانة كبيرة مما دعاه لانشاد:( هرت لهاتي بالغنوات .. وقلت يبرد حشاك يا امي .. من التعب البلا صالح .. تفيقي تروقي تنجمي)، طبعت هذه الاغنية صورة جميلة لوفاء البنات والأولاد لأمهاتهم وما تكبدنه من اتعاب واثقال واحمال فى طريق تاهيلهم وتخريجهم للحياة نساء ورجالاً ناجحين وناجحات، وكان الريف ذو الاريحية المزدانة بروعة الكلمات كاسياً لمعاني أمومة هذه الانثى المتفيئة لظلال الرواكيب والبيوت فى القرى والفيافي النائية البعيدة، حيث الطبيعة الخالصة التى فطر عليها الانسان ورياح الحرية التى طبعته منذ خلقه الأول.


البعد الثالث: العشق
فى مفرداته واغانيه وقصائده التى تطرقت للحب والعشق والهيام نلحظ انها دائماً تكون خلاصة ونتاج لذات المجتمع الجميل الذى قدم نفس الام التي تطرقنا لها آنفاً، الوالدة ذات التقاسيم الملائكية المكتملة، فقد تغنى لها واصفاً اياها بمفردات غاية فى الصدق والروعة مثل (بت سودانية)، (سمرة وسمرية)، (بت دغرية)، ولم ينسى دور هذه البنت الحبيبة الذي تقوم به مع زحمة انشغالها الرومانسي وتماهيها مع النظرة الافلاطونية عندما يردد ( لما باكر يا حليوة لما اولادنا السمر يبقو افراحنا البنمسح بيها احزان الزمن)، وهو ما يسعى له كل عشيقين وحبيبين ليريا التوفيق والنجاح والحقيقة المجردة والواقعية، فى الاطفال النازلين من مركب هذا الحب والعشق لانارة الدرب واثلاج الصدور بالغبطة والفرح والابتهاج، كما أن ترداده لمفردة السمرة ومشتقاتها دلالة قاطعة على أن هذا اللون هو المزيج والخلطة السرية المميزة للشعب السوداني عن بقية شعوب الدنيا، ودليل على انصهاره فى ماعون واحد موحد كمجتمع متفرد بحب الجمال، وايضاً نجد رمزية الحبيبة والعشيقة فى اعمال مصطفى تمثل منبعاً للأمل والتفاؤل ومخزون نضالي يبعث على الصمود وقبول التحدي ومواصلة الكفاح، وهذا يبدو جلياً فى اغنيته الملهمة (حاجة فيك ) للشاعر هاشم صديق خاصة عند هذه الجزئية:( خلتنى ارجع للقلم واتحدى بالحرف الالم ...اعرف متين ابقى المطر .. وافهم متين اصبح حريق ) .


البعد الرابع: الفرح
الفرح واحد من الابعاد الماثلة فى اعماله واكثر المتلقين لسماع اغنياته لا يكادون يميّزون هذا الفرح، بحكم نظرة كثير من الناقدين لعمله بأنه عمل محزون، وذلك لان فرح مصطفى اكثر واقعية من فرحة الآخرين التي يغلب عليها الخيال، يتبين هذا الفرح النابع من حزنه النبيل في نبرة الصوت التى يعرفها كل من ادمنت اذناه الاستماع الى موسيقاه، وكل من انطبعت على شبكيته مشاهد صورته، فتراه لا يبتسم كثيراً الى عندما تكون الغبطة حقيقة، فيتبع ذلك انفعال نابع من دواخله فى الوقت المناسب والزمن الصحيح والايقاع الضاج بالخوف والسكون، فعزيز قومنا الراحل لا يغتصب الكلمة اغتصاباً بل يدعها تخرج بكل ما تحمله من انفعالات الفرح والألم بكل تلقائية، ومن اعماله التى فصلها بنفس فرائحي طاغي:( زي عنب طول معتق فى الخوابي ...وسمحة زى ما تقول ضيوفاً دقو بابي ....فرحي بيهم سال ملا حتى الكبابي)، أحرف مموسقة ومعاني منسجمة مع اللحن تاتى اليك بالفرح مهما كانت الحالة الكئيبة التى انت فيها، قيمة الفرح عند عزيزنا مشروطة بفرح الغلابة والغبش المساكين من بني وطنه، وهذا يتطابق مع القول الفلسفي أن لا قيمة للفرح اذا كان من حولك عابثون، فهو لا يرى قيمة للفرح اذا لم يأت من عيون كلات المواني وحشاشة القصوب ولقاطة القطن وعمال الفرن، ورغماً عن استمرار مأساة الغالب الأعم من ابناء شعبه الا أن استاذنا الملهم كان دائم الأمل، وكان دائم التفاؤل بمستقبل اكثر اشراقاً وازدهاراً، ذلك المستقبل الذي سوف يزول معه الألم والحزن والمعاناة عندما تسمعه يشدو:(الشقا اللازمني مدة ...يوم يفوت والفرحة تبدا).


البعد الخامس: الحزن
(الحزن فينا كائن يمشي على ساقين ) كلمات معبرة ابتدعتها قريحة الشاعر العبقري الصادق الرضى، وأدّاها مصطفى فاجملت مفهوم الحزن فى كينونة وصيرورة الفرد الذي يتجول فى ربوع المليون ميل، وهو فعلاً كذلك لأنه وكما ذكرنا لم توفر له الأنظمة السياسية العرجاء والمنتكسة سانحة أن يتحسس آدميته وانسانيته، وأن يعي بأنه كائن مثله مثل الكائنات الحية التي لها حق العيش الكريم والحياة البهيجة واستنشاق الاوكسيجين فى وطن مؤهل لذلك، لقد دخل السودان مع بداية ثمانينيات القرن الماضي سلسلة من حقب وسنوات الشقاء والأسى والألم المرير، ومع ذات الحقبة كانت بداية نضوج تجربة عزيزنا واكتمال اركانها فاصبح النغم المعبر والمترجم لاحساس وانفعالات شعبه المكتوي بلظى الظلم، والمصطلي بنار القهر والطغيان، فمع مدخل تسعينيات القرن الماضى زادت وتيرة الغضب والضجر والملل نتيجة لما حاق بالوطن من أزمة سياسية واجتماعية وفكرية ودينية معقدة، فكانت اغنيات أبي السيد وما زالت هى الترياق والضماد الشافي للجراحات التى اصابت الناس.


اسطورة الفن الغنائي السوداني مصطفى سيد احمد شخص متميز بين اقرانه، اصبح رائداً من رواد الاغنية السودانية فى خاتمة الالفية الثانية، و قد برهن بتجربته الفريدة انه يستحق لقب (الكائن الاسطوري) الذي ختمت به حيوات الالفية الثانية في السودان، لقد ادهش فابدع بتناوله للاغنية السودانية من جميع جوانبها وبكل منطلقاتها، وليس فقط هو ذلك المتخصص فى اداء ألاغنية الرمزية كما يصوره كثير من النقاد، فمصطفى أدّى أغنية الحقيبة كأن لم يؤدها احد من قبله، جسّدها بطريقة لا تقل جودة من رواد حقيبة الفن انفسهم، وهو خير مثال لالتحام جيل البطولات بجيل التضحيات، كما تتضح مسألة اصطفائه هذه من تميز شخصيته الانسانية صاحبة القلب الطيب الكبير الذى يسع كل من سمع غنائه بوعي ومثابرة، لا تجد احد من ابناء جيله من المطربين قد قال بغير ذلك، وبطبيعة الحال دائماً وابداً يجتمع الناس ويجمعون رأيهم حول من يقنعهم بطرحه، وطرح مصطفى يمثل ابتكار جديد لمس وترجم خبايا النفس السودانية الجميلة التى لم يستطع غيره الوصول لسرها ولا الى هذه الحفريات العميقة التي سبرت غورها، فاخرجها في ثوب قشيب وضع الناس فى حيرة من أمر مقدراته الكبيرة وملكاته الجبارة، برغم الوهن الذى اصاب الجسد والمرض الذي اثقل الكاهل في الايام الاخيرة من حياته، انفعل بغنائه للوطن بكل صدق وامانة اشعلت النار في نفس كل من سمع صوته، ليستشعر السامع صاحب الأذن السليمة غير السقيمة القيم الوطنية فى نفسه فتثور ثائرة دواخله وتلتهب بمعاني عشق التراب، لطريقة مصطفى المغايرة في استخدام المفردة الدقيقة والعميقة المرتبطة بوجدان الانسان السوداني، ومن هذه المفردات (طورية)، (طين)، (كورية)، (منجل)، (واسوق)، (مشرع)، (دليب)، (تبلدي)، (نخل)، (راكوبة) و(طبنجة)، فغنائه للوطن فاق الخيال والتصور حينما فضّل الوطن فى احدى اعماله على عروس البلد وحسناء الزمان، رغم ما يصاحب هذه العروس من مواكب المهنئين وضجيج الفرحين (احلى عروس البلد اللتنا ... الخ).
لقد ساد السودانيين بطيب معشره وبساطة معدنه، وقدم استاذنا الجليل اجمل وأنبل الاعمال لجماهير الشعوب السودانية بتبنيه للونيته الجديدة والحديثة التى اشتهر بها واشتهرت به وبتقاسيم اسمه ورسمه، واصبح هو الرائد الحقيقي لها فاقام لها صرحاً عظيماً ولج به الى قلوب الناس واسرها فتوجوه رمزاً وايقونة عظيمة من ايقونات الاغنية السودانية، وتوج بطلاً للغناء الرمزي دون منازع، هذه السيادة الانسانية التي جذب لها الشعور الشعبي الذي لا يقاوم والوله العارم الذي لا يساوم، جاءت بعفوية سودانية محضة لم تتدخل فيها عوامل الاستقطاب والدعاية والاعلان، فهذا الكائن الاسطوري امتلك من الحس والصوت وفنون التعبير الغنائي بامكانياته الصوتية والتلحينية الكبيرة فتلحظ أن كل من القى بالسمع لادائه المبهر، تنداح مشاعره مع سيل عذوبة كلماته التي لا يحدها حاجز ولا جدار ولا فاصل دكتاتوري يحول بينه وبين مسامع السامعين، فينطلق مسترسلاً عبر أثير الفضاءات الحرة والواسعة، وهو الآن فى عوالم الغيب لا يدري بأن الناس قد رسموه على حائط وجدانهم، ونحتوه لوحة فاتنة بخيوط خيالهم وجسدوه صورة حزينة في ناظرهم، ووجه مبتسم دال على قوة العزيمة وشكيمة الاصرار بعناده الهاديء الذي يسبق العواصف الهوجاء، وحفظوه بملامحه المنتصرة والمشهودة في مواجهة لؤم المرض والغربة والعزلة واعداء الوطن، هذا الكائن الاسطوري الملهم لا يدري أن الناس قد نصبّوه امبراطوراً للغلابة والفقراء والمضطهدين ووشحوه باوسمة الخلود، فلا تمر ذكرى رحيله الا وتجده ماثلاً فى كل البيوت الحزينة والاندية والتجمعات الشبابية الصابرة، فقد صار عنصراً مكملاً للوحة حياة السودانين ومانحاً لها دهشة ازدواج القراءة.

القبول من الله وحينما تحب قلوب الناس فرداً بعينه هذا مؤشر على اجتماع الحسن ونقاء السريرة في نفس هذا الفرد، وتمتعه بروح مملؤة بحب الخير للناس، فينعكس هذا الشعور على من يتفاعل مع مثل هذه النفس فتتجلى تجاذبات المثالية والنقائصية في النفس الآدمية، هذه الجدلية الكونية قد عبّر عنها عزيز قومنا كنموذج حي يمشي بين الناس، قبول الناس له وقبوله هو بالناس تجاوز المجتمع المحلي المحدود الى خارج الحدود، حيث التحم بشعوب أخرى في تجربته المريرة في التسفار من اجل الاستشفاء من المرض والغربة، فوجد حظاً من ميل هذه القلوب الأخرى ذات الوجدان المختلف، لقد اذهل كل من كان معه في غربته الاجبارية بسرعة حراك كيمياء تفاعله الانساني وذوبانه فى أثير من يلتقيه وطاقته الايجابية في تطبيع الاجواء الحميمية، فما أن يدخل في هالة الآخر الدائرية يحدث الانسجام غير المتكلف، فمصطفى صاحب روح سهلة تأسر كل من يتعامل معه، لن تجد فى شخصه ما يعكر الصفو او يجرح الشعور، وهو من طينة اخرى فيها كل خصائص ذلك الانسان الفكرة الذي يسير على قدمين، تحمل آلام المعاناة والصبر على المكاره والجاهزية للتضحية والتأهب للتفاني، أجبر الناس على اتباع دربه كرماً لا تفضلاً نسبة لاصالة جوهره، كل ما تمر ذكرى رحيله الأليم يسترجع محبوه الايام والليالي التى زينها بابداعه المبتكر فاصبح اسمه رمزا للوطنية ومتكأً للغبش والمساكين.
تمر علينا الذكرى الربع قرنية لرحيل استاذ الكلمة الرصينة مصطفى سيد احمد، والسودان قد صار وطنين منفصلين ومنقسمين، برغم ما اوصانا به من وصايا عبر اغنياته التى ترنم وشدا بها في مسيرة معاناة المرض والم الغربة، لقد نادى ببناء وطن حدادي مدادي تنصهر فيه كل مكونات السودان العرقية والثقافية، كما جاء فى جزئيات اغنية غنّاها ذات مساء حافل بالغناء للوطن:(نوبة وزنوج وبجا وحلب)، وها هو حالنا اليوم متفرقين زنجنا وحلبنا وعرباننا وبجانا ونوبتنا وفورنا، الكل يعمل على شاكلة عرقه وقبيله والجميع يرتكز على الجغرافيا ويجعلها السند والعضد والهدف الاسمى، بينما الهدف الاسمى المنوط بنا تحقيقه هو تصويب الخير وتقديم الرفاه للوطن الحبيب، استند منهاج مصطفى على كوكبة من الشعراء الذين الهموا تجربته بمفرداتهم الموغلة والمتعمقة والمتجذرة فى حب التراب، كما قال في احدى البوماته (لو لا الذكرى ما فى أسف ولا كان التجني وقف)، ومع الذكرى الربع قرنية لرحيل ابو سامر تكون اسماء هؤلاء الشعراء حاضرة، اولئك الذين دوزنوا الاحرف التى كهربت اوتاره ومن ثم سرى ذلك التيار المكهرب بالحريق فى وجدان العاشقين للمفردة الجزلة والعبارة الحاملة للمعنى الدقيق والوصف الفريد - ازهرى محمد علي، خطاب، حميد، صلاح حاج سعيد، جمال حسن سعيد، شمو، يحيى فضل الله، ابوذر الغفاري، حافظ عباس، عبد القادر الكتيابي، قاسم ابوزيد، الصادق الرضي، القدال، عاطف خيري، عبد العال السيد، عثمان بشرى، عبد العزيز العميري، قريب الله، هلاوي، الدوش، بشرى الفاضل، مدني النخلي، تاج السر الطيب، نجاة عثمان، محمد المهدي عبد الوهاب - والقائمة تطول لمقرضي الشعر الذين زودوا مصطفى بعصارة مداد فكرهم، لقد شكلوا فسيفساء انيقة مع ابو السيد جسدت الملامح الحقيقية لما يجب ان يكون عليه الحال، وقدموا نقد تراجيدي جريء للواقع المُر الذى انهك جسد الوطن الحبيب، وهم حضور فى بال كل من عشق الجمال والتفرد و التميز المصطفوي.
كل الكلمات التى صاغها مصطفى لحنا عبقريا ادهش النقاد واصحاب الحس الشفيف والذوق السليم، تعتبر مدرسة مصطفى المقيم فى قلوب محبيه آخر المدارس الغنائية الوطنية الجادة التي تناولت مفهوم الوطن برمزية واضحة حركت الراكد من المياه في نفوس السودانيين، واعادت الأمل اليهم ومنحتهم احساساً قوياً ومناعة وطنية ضد الانظمة الدكتاتورية والشمولية الباطشة، وساندهم في أن لا يتنازلوا عن سودانيتهم التي هي مزيج آفرو – عربي سمين.
الراحل ارسى دعامات اساسية ونواة حصينة لبناء وطن لا يعرف العصبيات، لصناعة بلد يقف على عتبات الثقة ويشرأب نحو آفاق المستقبل الجميل والغد النضير، لا يقف مواطنوه عند حد محدود ولا يعرفون للطموح حدود، لقد اختصرت اعمال الراحل المقيم فى وجدان شعبه اجتهادات الساسة الذين يديرون المعارك فى غير معتركها، و يزايدون في احتياجات المواطن المسكين فى اسواق النخاسة العالمية، حتى اضحى مواطنهم مادة دسمة لكل من هب ودب ليسرد للناس كيف هو الحال الذي وصل اليه هذا المواطن السوداني من امتهان، وكيف انه يركض وراء من هم وراء البحار يستجديهم ليأتوا اليه فى عقر داره ليعقدوا له مجالس الحل والعقد وليرشدوه ويدلوه الى ما فيه خير مصلحته، وكيف جعلوه يركل كل ارثه الذي ورثه من اجداده الذين اوصوه بأن التراب اغلى من الذهب واثمن من البترول، لكنه لم يعي الدرس ولم يستوعب الوصية واصبح ضعيف النفس فرهن التراب والارض لاولئك الذين اتو من وراء البحار، لقد تفاءل الراحل بمقدم فارس حواء السودان الذي يجهرها بنوره الوضاء حين قال:(جاي ليك يا نورا غيمة تملا ماعونك خريف .. يملا عينيك ويفضّل .. يروي جواك العطاشى .. مو دعاشة .. ما ها شبورة وتقيف .. جاي ليك يا نورا غيمة تملا ما عونك خريف)، فهل تحقق هذا الأمل وصدق حدس هذا التفاؤل؟ وهل تحققت مقولة تفاءلوا بالخيرتجدوه؟ فالراحل لم يبخل على شعبه بالاماني العذبة والتمنيات المشروعة لنورا، ولم يكتفى بأن يقدم لها الشبورة ورائحة الدعاش مهراً، بل أراد لها خريفاً استوائياً رهيباً لكي يملأ كل مواعينها ويجعل (الترع) والأودية والأنهر تفيض وتحيض من شدة انجراف وانهمار مياه امطار هذا الخريف (القبلي الشابك).
اذا قام الباحثون الاجتماعيون بتمحيص اعمال الراحل واستشعروا دورها فى تزكية الروح الوطنية والحث على حب الوطن ونبذ العصبيات وتوحيد الهوية الجامعة، وتحقيق مقصد (السودانوية) وجعلوها منهاجا للتربية الوطنية وضماداً للجراحات الغائرة، وعلاجاً للتشوهات المجتمعية التى فتكت بجسد الوطن الجريح، سيكونون قد اتخذوا الطريق الصحيح الموجه لاعمال الراحل التي تعتبر من افضل الوسائل لرتق لحمة نسيج المجتمع التي تفتقت و تهتكت بسبب الشعوذات والتدجيلات التى مارسها الاخوان المسلمون وتجار الدين فى حق المجتمعات السودانية، التى تعتبر جذورها ضاربة فى عراقة التاريخ وقدم الجغرافيا، ومما يؤسف له حقاً انه حتى يومنا هذا لم تقدم أعمال مصطفى سيد احمد فى ورش للعمل مستمرة ولا عبر الندوات الناقدة والسمنارات والمؤتمرات المادحة، من قبل الكتاب والمحاضرين والناشطين فى مجال الكتابة والأدب والثقافة وعلوم الاجتماع والسياسة، بمهنية تسفر عن نتائج بحثية توثق لارثه الكبير، لم تكن اغنيات مصطفى مجرد همهمات يرقص على ايقاعها الراقصون، بل هى نقد جرئ لواقعنا الحاضر وزماننا المعاصر وفيها اجابات جريئة لاسئلة معقدة وكثيرة اعجزت حكماء السياسة وافحمت رجالات الحكم، وتلك الاسئلة التي تحدتهم في أن يجدوا لها اجابات مقنعة اجوبتها مازالت كامنة في اعمال الراحل التي اصبحت طي الاضابير والدواليب المغبرة، والتي بنى حولها العنكبوت بيته داخل ادراج المكاتب وأرفف المكتبات، ان مجرد الاستماع السوقي لأعمال الراحل فى الحافلات والبصات والمقاهي ليس هو المطلوب الذي يكفي، لابد من رعاية هذا التراث الرعاية التي تليق به، والاحتفاء به بالطريقة التي تعود على الناس بالانتفاع الفكري.

يناير من كل سنة هو شهر الاحزان والذكريات الاليمة لمعجبي القامة الفنية الرائعة، فليلة السابع عشر من يناير من العالم 1996 ميلادي أرّخت للرحيل المر والشجن الأليم، فقد رحل الانسان (كما يصفه معجبوه) الذي ابتكر مؤسسة فنية غنائية حوت معظم الموروث الثقافي والتراث السوداني عبر اعمال غنائية اختارها بعناية فائقة من لدن شعراء لم يكونوا كغيرهم من الشعراء التقليديين، اعتمد الراحل عن مريديه جسداً والحاضر فى وجدانهم روحاً على المفردة الرمزية التي ابتدعتها قريحة هؤلاء الشعراء المميزين، فوضع معهم ركائز هذه المدرسة الفنية التي اهتمت بجماليات الروح السودانية ورسّخ معهم هذه السمات البارزة التى اراد لها كثيرون الاندثار، اولئك الذين تشوهت دواخلهم بفعل الوافد من الثقافات والعادات والتقاليد الناشزة والنافرة، والبعيدة عن محصلة تراكم التراث السوداني العميق والعريق فى التميّز والتفرد فى الأدب الغنائي وقرض الشعر وعموم المنتوج الفلكلوري بكل صوره واشكاله، والدافع الذي جعل الكثيرين من ابناء جيل العقود الثلاثة الاخيرة للقرن الماضي يعشقون هذا العملاق ويحبون فنه هو مخاطبته لهم المخاطبة والواضحة والصادقة التي لا تخفى الا على (كفيف الانسانية)، لقد نفذت شهب ونيازك معاني المفردات التى صدح بها الى القلوب النابضة لكل صاحب حس شفيف وكل مالك ذائقة متميزة بالرهافة.
مصطفى اسم على مسمى، اسم تطابق معناه مع خصيصة الاصطفاء والاختيار، اختارته العناية الالهية من بين العشرات ممن تعج وتضج بهم سوح الغناء وميادين الطرب، فكان هو ذلك الشاب النحيل الهاديء الوقور المهذب الودود الأنيق، فالاختيار كان من ذي القوة المتين العزيز الجبار الذي لا يقف امامه ظلم القاصرين ولا انحراف الشائهين، فمثل هذه الظاهرة المصطفوية لا يمكن لكائن ان يزايد عليها او ينتقص من قدرها ومقدارها، فلقد كان قدر الحياة الانسانية أن يكون مصطفى ختاماً لمشوارها فى الالفية الثانية، وأن يكون ملهماً للشعوب السودانية بتقديمه للفن البديع الذى مثل مرحلة فاصلة ونقطة ضوء لامعة فى نهاية النفق المؤدي للدخول الى الالفية الثالثة، ما تناوله الراحل فى رسالته المصيرية كان شيئاً كبيراً فى المضمون لذلك جاءت اعماله كما يقول اهل الاستراتيجيات خارطة طريق لخروج الأمة السودانية من عنق الزجاجة، فلم يخب فأل اطفال العرب الفتارى عنده وتحققت الثورة الشعبية العارمة التي دعا لها طيلة ايام حياته، فى مهمته ورسالته الكونية، خاصة فى هذه الجزئية التي يحرض فيها على الغضب الشعبي السودانى، هذا الشعب المصادم الذى وصفه بانه صعب المراس، فتفجرت طاقات الشعب وتوحدت مكوناته في تسونامي ديسمبر فتوحدت المكونات جميعها - (نوبة وزنوج وبجا وحلب)، لقد تحقق الوعد الذي كان يقيناً لا يحتمل الاحتمال، كيف لا وقد ضحى الراحل بحياته من أجل ان تصمد الشعوب السودانية أمام الطغيان والجبروت؟، فانبلج الصبح الجديد وانقشعت سحب الفجر التليد رغم الاحن وضراوة المحن وبعد المسافات الفاصلة ورهق العيون الوالهة وتعب القلوب الساكنة - لسة بيناتنا المسافة والعيون واللهفة والخوف والسكون - أجل، لقد تقاصرت وتجاسرت مسافات الوصول بعد أن طال واستطال مداها الطويل وانهزم يأسها القصير، لقد عاهدها الراحل وصدق عهده وبر بوعده، بعد أن تغنى لليتامى والحيارى وشفع العرب الفتارى، فقطع شك الوعد بيقين الحدث مع نوراه :(اصلي لمّن ادور اجيك بجيك ... لا بتعجزني المسافة .. لا بقيف بيناتنا عارض .. لا الظروف تمسك بايدي .. ولا من الايام مخافة)، نعم، لم تعجز المسافة ابا سامر ولم ترهبه العوارض ولم تربك خطواته الظروف ولم تستطع يد الطاغوت لي يده ولم يرتجف مما خبأته الايام، لقد انتصر الكائن الاسطوري في ديمسبر المجيدة.

ثورية مصطفى
الثورة جنين يتخلق ثم يولد إنساناً كاملاً يدك بانسانيته عرش الجبابرة، ويهد بصدق سيرته وسريرته قصور الطغاة، والمحظوظون هم الوحيدون الذين يحتفلون بحضورهم للحظة ميلاد ثورات الشعوب، وهم من يكون لهم شرف المشاركة فيها بالدموع وبالدماء، لقد ظل العملاق مصطفى يشدوا بصوته الثائر، منذ سبعينيات القرن الماضي حتى الدقائق الأخيرة من حياته منتصف تسعينيات ذات القرن، مجسداً أعظم مثال للمطرب الوطني الغيور الذي لا يتوقف إبداعه عند حدود هموم العشق وتخوم آلام العاشقين، بل يتعداه إلى العشق السرمدي الأكبر، ألا وهو الغرام والهيام المرتمي في حضن الوطن، ذلك الوطن الذي صوره أبو السيد في رمزية الأم الحبيبة تارة، وتارة أخرى شبهه بالعشيقة الحسناء، فالقصائد المختارة بعناية فائقة من قبله كان لها إسهام واضح في شحذ همم الشباب والطلاب في الجامعات بالمعاني والقيم الوطنية الصادقة، لذا نجد أن هبّة ديسمبر ومعها تسونامي الانتفاضات التي سبقتها، ما هي إلا نتاج لهذا الفعل المتراكم الطويل الأمد، والذي لعبت فيه الموسيقى والشعر والغناء والأدب والنص المكتوب، دوراً مؤثراً أخرج هذه الثمار الناضجةً وأتى بتلك القطوف اليانعة، التي شهدتها ساحات مدن بلادنا في أيامنا الحاضرة هذه، فعندما كنا نتفيأ ظلال عربات القطار الذي كان يقلنا في إجازاتنا الصيفية متجولاً عبر المحطات الحنينة – الرهد ابو دكنة، أبو زبد، بابنوسة، نيالا - منصتين (البت الحديقة والحزن النبيل) الألبومان الذان كانا يمثلان باكورتي منتوج أعماله الصادرة من شركات الانتاج الفني الحديثة، حينها كان الأمل يحدونا في مستقبل افضل رغم مرارة الحياة التي يكابدها طالب الجامعة آنذاك، في أوج بطش نظام حكم الجماعة المهووسة، التي أحالت بيوت الأسر السودانية إلى حزن مقيم ورصفت الطرق المؤدية اليها بمواكب وقوافل البكاء والعزاء، بعد ان كانت صوالين هذه البيوت ضاجة ببهجة الاحتفاءات وصاخبة بضجيج الاحتفالات ومباركات الأفراح، جميعنا يكاد يوقن بأن تساؤل هذا الكائن الخرافي في ملحمته الملهبة للمشاعر الثورية (نورا)، عندما استفهم ذلك الجيل بمفردات مموسقة بايقاع الحماسة من شاكلة:(متين إيد الغبش تتمد .. تتش عين الضلام بالضو)، حينها كانت عروقنا تمتليء حتى تفيض بيقينٍ راسخٍ، أن المشهد المحسوس غناءً والعاكس لمنظر تدفق هؤلاء الغبش الذي كان يغشى مخيلتنا، واقتحام هؤلاء المحرومين لمكمن الداء المتمثل في عقر دار حكومة الفقر والدمار، سوف يحدث، وسوف نكون شاهدي عصر عليه، وقد كان، في هبة ثورة ديسمبر المجيدة في خواتيم العام 2018 ميلادي، بعد اثنين وعشرين عاماً من رحيل الاسطورة، ما حدث نعتبره رؤية صادقة لاحلام ملاحم بطولية قد تحققت، بفضل رحلة طويلة مدعومة بالعزيمة والإصرار، قادها حملة الفكر الوطني الخالص الخالي من شوائب الغرض وشهوات حب السلطة والمال، من شعراء و فنانين وأدباء وروائيين ودراميين، طيلة سنوات القهر والاذلال التي جثم فيها كهنة (الاخوان المسلمين) على جسد الوطن، فاليوم تأكد الناس تمام التأكد من أن مصطفى يومها لم يكن يتمنى على الله الأماني، و لم يكن هو ذلك الرجل الحالم في يقظته، عندما كان يصرخ صادحاً:(ماني غرقان في التمني ولاني سارح في الأماني، زارني خاطراً بل شوقي واحتواني)، وها هي الأماني السندسية التي طمح إليها هذا القامة ورددها في أهازيجه قد تحققت، وها هو الخاطر الزائر لمخيلة صديقنا الفدائي الذي رحل عنا مكابداً ويلات داء الفشل الكلوي، قد اصبح مشهداً مألوفاً بعد مرور هذا الشهر الديسمبري، فتلاقت أشجار نخيل الباوقة مع (دليب) و(هشاب) كردفان في عناق ثوري حميم، وردد نهر النيل أغاني (التويا) ممزوجة بايقاعات المطرب الشرقاوي صاحب الصوت الشجي (سيدي دوشكا).
مصطفى منذ نشأته كان ثورياً منتفضاً ومناضلاً منافحاً، ومتمرداً عنيداً على كل خصيصة إرث ناشز ودخيل على ذائقة وثقافة البيت والشارع السوداني، فطبع وجدانه بمآسي الحفاة العراة، وضمّد جراح شرائح من المجتمع ما كان لها أن تجد سبيل للتنفيس عن كربتها ومأساتها إلا عبر صوته بعلامة جودته المميزة، ونبرات حنجرته الحزينة الممتصة لغضب وأشجان كل ممحون، لقد رحل في بواكير العمر بتداعيات الداء اللعين الذي ألم (بالكليتين)، فالثائرون الصادقون يشعلون الحرائق الهوجاء في دمائهم غير آبهين ولا حريصين على حياة ذليلة يدوس فيها الظالمون بأحذيتهم على رؤوس البائسين، ولأن خلايا استشعار أمثال مصطفى مشحونة بخلاصة الحس الانساني العتيق، فانّ أبدانهم لا تقوى على حمل كل هذه الأثقال وتلك الأحمال من المشاعر العظيمة، فتجدهم يحترقون جسداً و روحاً، ويخرجون من هذه الدنيا وأعينهم ساخرة ومستهزئة بتمسكنا نحن بحياة الذل والإهانة، فالطغاة ومنافقوهم من عبدة أصنام السياسة كانوا يعلمون عشق الناس لمصطفى، فلم يدعوه وشأنه حتى وانه مايزال نعشاً بارداً ومحنطاً، ان الجماهيرية المذهلة التي تحلقت حول الراحل كانت استفتاء لا يعادله استفتاء.

فى الاحتفالية الربع قرنية بمناسبة رحيل الاسطورة، يردد المحبون:(كل ما تباعد بينا عوارض ... كل ما هواك يا طيبة مكني)، كل ما طالت وتباعدت السنين كلما كبر حب مصطفى فى قلوب الناس وكلما عظم مقداره وازداد المعجبون ولهاً به، لما قدمه من وفاء لمجتمعه السودانى بكل اطيافه، لقد لمست احرفه ونبرات صوته وجدان كل سودانى حصيف العقل عاشق لسحر اللحن وسمو مقصد الكلمة، لم يكن تاجراً للغناء الرخيص ولا مطرباً جامداً بل كان يضع الكلمة فى مكانها، ويعطي كل حرف حقه ومستحقه من التعبير المعنوي واللفظي وكان ذو ثقافة وافرة مكنته من الوصول الى قلوب محبيه بكل حرفية ومهنية واقتدار.
ولنا فى هذه المناسبة الربع قرنية وقفات مع رسالة عبقرى الزمان، هذا الذى فجّر ينبوعاً من ينابيع الابداع ما زال يستسقى منه العطاشى والتائهون والمتوشحون بلباس الغبار وعذاب الارصفة، فقد كان الرحيل فى شتاء بارد والجبين ايضاً كان بارداً والسكوت رابضاً خلف البيوت الخشبية، لّوحت للراحل ساعة الرحيل حين انصرف عنه البائسون، فعادت له بواكير الخريف عندما وثب الريح على اشرعة مركبه المنفعلة، فسطعت شمس الفراديس على اروقته المنعزلة ومضت تحضنه الشمس الندية التي ما حضنته في الزمان الأول, لقد رحل في الليل وحيداً ولم ينتظرنا.

مرثية

رحل النبيل عبر السراب
جف سيل نبض الكتاب
فارق سمانا بدر التمام
تراب البلد اصبح يباب
خواطر نورا بعدك ظلام
كل البيوت دونك خراب
ضلينا الهدى يا ضلنا
سألنا كتير وين الجواب
**
ضميت معاك العطاشى
دواك طال كل الضعاف
غنيت براك ألم التعب
ردد وراك جيلنا الهتاف
تهنا في غمرة شجونك
انبل جوفنا بعد جفاف
كنت غيمة وسحابة نادرة
سيرت فينا موكب زفاف
**
القدر طبعه حارم
والشموخ اصله صارم
ماخلاك معانا اكتر
رغم انه ولهنا عارم
وطأ خلاص زهرة صباك
فضلنا هالكين في المفارم
اساك هناك روح معاك
ونحنا لسه جرحنا وارم


الرهد ابودكنة
مارس 1996