مقتطفات من كتاب: "مؤسسة الدولة والقيادة في أفريقيا"

Nationalism, Elite Formation, and Racial Polices, 1900 – 1925
From: “State Institution and Leadership in Africa”
Elena Vezzadini ايلينا فيزادي
تلخيص وترجمة: بدر الدين حامد الهاشمي
********* ******* *******
تقديم: هذا تلخيص وترجمة لما ورد في فصل من نحو أربعين صفحة لايلينا فيزاديني عنوانه الكامل:
Black's Sudanese with "a veneer of College education: Nationalism, Elite Formation, and Racial Polices, 1900 – 1925
ورد في كتاب من تحرير Taddia, I and Negashi T. بعنوان " State Institution and Leadership in Africa مؤسسة الدولة والقيادة في أفريقيا"، صدر عام 2018م عن جامعة بادوفا بشمال إيطاليا، يتناول دور التعليم في تشكيل طبقة سياسية في أفريقيا إبان عهد الاستعمار الأوروبي وما بعده.
وتعمل كاتبة المقال أستاذةً بمعهد العالم الأفريقي بجامعة السوربون. وقد حصلت عام 2008م على درجة الدكتوراه في التاريخ من جامعة بيرجن النرويجية بأطروحة عن حركة 1924م، وأستلت منها عددا من الأوراق من بينها ورقة تمت ترجمتها للعربية بعنوان "برقيات وطنية: الكتابات السياسية ومقاومة الاستعمار في السودان بين عامي 1920 – 1924م" http://www.sudanile.com/66233
المترجم
******** ******** ********
جاء في مستخلص هذا الفصل:
يبدأ هذا الفصل بوصف مختصر لثورة 1924م (وهي واقِعَة لاحتجاج وطني ضد الاستعمار هز السودان بعد الحرب العالمية الأولي) ويبحث في أمر العلاقة بين الوطنية وبين الخلفية التعليمية لجزء من ثوار حركة 1924م, ويتتبع المقال خيطا محددا وهو سياسات المستعمر الراديكالية (المتطرفة) حيال آليات الالتحاق بالمدارس الاستعمارية، ويحاول فهم تأثرات تلك السياسات في تشكيل هذه المجموعة. ومعلوم أن مكونا مهما في ثورة 1924م كانوا من السودانيين "السود" ، وهؤلاء هم أحفاد مجموعات مسترقة قديمة، وتلقى عددا كبيرا منهم قدرا من التعليم في مدارس المستعمر الحديثة. وكان تلقيهم لذلك التعليم مخالفا تماما للقواعد التي أقرتها حكومة السودان المتعلقة بمن يحق له دخول المدارس.
ويستعرض هذا الفصل سياسات الحكومة التعليمية وأوامرها المتناقضة التي كانت تهدف لجعل النظام التعليمي "آمنا" من غوَائِل "عَدْوَى" الوطنية، وإتاحة التعليم للأشخاص "المناسبين" فَحَسْب. ويتناول هذا الفصل أيضا عددا من جوانب المسألة المتعلقة باختيار التلاميذ لدخول المدارس وفقا لأصولهم العرقية (1). وأول هذه المسائل هو: ما هي تلك الاعتبارات العرقية التي عملت السلطات الحكومية وفقها لتحديد من يدخل المدارس، وثانيها هو إلى أي مدى طُبقت تلك السياسة الحكومية، وهل كانت هناك فروقات (في التمييز بين الأعراق) بحسب مستويات المراحل التعليمية. وثالثهما هو: ما هي النتائج التي أفضى إليها التفاوت بين السياسة الحكومية المعلنة التي كانت تُؤْثرَ عرقا معينا على حساب عرق آخر في دخول المدارس، وبين الممارسات التعليمية (الفعلية) فيما يتعلق بتعيين الخريجيين في الوظائف الحكومية (التي كانت هي مطمح غالب المتعلمين السودانيين في ذلك الوقت)، وأيضا فهم ما نتج عن ذلك التفاوت من تكوين هش fragile configuration (للدولة). وفي الواقع، كان ذلك التكوين بالغ الأهمية، خاصة عند دراسة "وطنية ما بعد الاستعمار"، إذ أنه أثر على تركيبة المجموعة الوطنية. وكان تنوع أعراق طلاب المدرسة يعني أن كون المرء وطنيا متعلمًا لا يتطابق مع خلفية (عرقية) محددة.
وبما أن السودانيين "السود" صاروا هم "كبش الفداء" عقب انتهاء حركة 1924م، غدت حكومة السودان الاستعمارية أكثر حرصا وحذرا في اختياراتها للأهالي، فلم تعد تختار إلا الأشخاص "المناسبين" (بحسب عرقهم)
******** ******** ********
واختتمت الكاتبة فصلها بأربع صفحات عنونتها: "الاستعمار والتعليم والتمكين". وهذا تلخيص لما جاء في هذا الجزء الأخير:
كانت فرص التعليم في العشرين عاما الأولى من الحكم الثنائي متاحة للسودانيين بصورة متفاوتة بحسب المستويات التعليمية. ففي المدارس الأولية كان غالب التلاميذ يختارون من بين أبناء كبراء الأهالي في المناطق الحضرية الذين كان بعضهم جزءًا من المؤسسة منذ الحكم التركي – المصري. وكان بعض أولئك التلاميذ من أبناء الطبقة الوسطى السفلى في المناطق الحضرية، الذين كان يقدرون قيمة التعليم (مثل العمال المهرة والكتبة والتجار والجنود). وتشمل هذه الفئة أيضا أبناء المصريين العاملين في القطاعين الخاص والعام، والمصريين الذين هاجروا للسودان واستقروا فيه. وتثبت الاحصائيات أن أبناء "السود" كانوا يمثلون ثلث عدد التلاميذ في المدارس الأولية. (جاء في جدول رقم 3 مثلا أن عدد التلاميذ في عام 1913م – بحسب – التصنيف العرقي المذكور أدناه (1) – كان في مدينة الخرطوم كالتالي: 52 من العرب، و65 من "السود" و24 من البرابرة، و46 من المُخَلَّطين، و54 من المصريين و1 من عرقيات أخرى، بينما كان التوزيع العرقي للتلاميذ في مدينة بارا 54 تلميذا من العرب، دون وجود أي تلميذ من العرقيات الأخرى). وكان عدد التلاميذ "السود" المرتفع نسبيا في المدارس الأولية يتناقض مع القواعد الارشادية التي وضعتها السلطات الاستعمارية. ويدل ذلك التناقض إلى أن البريطانيين لم يكن يطبقون تلك القواعد على تلاميذ المدارس الأولية، ربما لاعتقادهم بأن ذلك ليس أمرا ضروريا، إذ أن التعليم الاولي لم يكن يؤهل التلميذ لنيل وظيفة كتابية في سلك الحكومة. أما في المدارس الوسطى، فقد كانت المؤسسات التعليمية شديدة الحرص على اختيار التلاميذ "المناسبين" فقط. وفي ذات الوقت كان أبناء الموظفين المصريين والسودانيين العاملين بالحكومة، و"السود" من الضباط يحظون بميزة قبول أبنائهم في المدارس الوسطى. أما في المدارس الثانوية (العليا) فقد كان الوضع العائلي بالقطع عاملا مهما وحاسما في مسألة قبول الطلاب. وكان النصيب الأعظم في القبول لتلك المدارس للطلاب العرب والبرابرة ولمختلطي الأعراق. ومع مرور السنوات ازدادت نسبة الطلاب العرب في تلك المدارس. وظلت تلك المدارس (العليا) تقبل سنويا ما بين 2 إلى 5 من الطلاب "السود" (من نحو 20 طالبا يقبلون سنويا حتى عام 1918م)، ولكن في فروع معينة من التعليم. وانخفضت أعداد الطلاب المصريين بتلك المدارس، وبحلول عام 1925م لم يكن بها أي طالب مصري.
ويتضح مما سبق ذكره أن السلطات الاستعمارية لم تكن تطبق أي سياسات عرقية نخبوية في غضون السنوات الخمس وعشرين الأولي من حكمها، مثل تلك التي طبقها كتشنر وكيري في بداية الحكم الاستعماري. ويتضح أيضا أن المدارس ومقار العمل كانت أمكنة للتلاقي والاختلاط الاجتماعي بين مختلف الأعراق. ولعل أحد الأسباب في ذلك كان هو مركزية الجيش (وتلك قاعدة كانت تقع في قلب الدولة العسكرية حتى نهاية الحرب الكبرى)، إضافة لأسباب أخرى.
كان كيري (واضع أول سياسة تعليمة بالسودان في عهد الحكم الاستعماري) يرى أن تقدم الحكومة قدرا من التعليم لأبناء بعض الأهالي بحسبانه "منحة"، مع التركيز على نوعيته، والتقليل من أهميته ومداه، واعتبار أنه قد يشكل خطرا محتملا (على السلطات الاستعمارية). فلم يكن التعليم الاستعماري في تلك المرحلة من التاريخ ضروريا لإدارة البلاد (إذ كان أمر إدارة المناطق غير الحضرية مسندا لشيوخ وزعماء القبائل ومن تحتهم)، ولم يكن مهما لقادة تلك المجتمعات لينالوا به شرعية من الأهالي أو دعما من الدولة. وهذا يعني أن التعليم الاستعماري لم يكن أمرا مرغوبا عند قادة الأهالي إلا في المراكز الحضرية، بل كان مشكوكا فيه في غيرها. فعلى سبيل المثال ذكر مزمل علي دينار (أحد الطلاب العسكريين الذين تظاهروا في حركة 1924م) بأنه كان يقال لهم في دارفور بأن التعليم في المدارس سيحولهم لملحدين. ولأن التعليم كان مرتبطا الحكم البريطاني المسيحي، فقد ساد الاعتقاد في أوساط الأهالي بأن المدارس سوف يكون لها تأثير انحلالي على أخلاقيات التلاميذ وقيمهم، بل ودينهم. غير أن التعليم، من جهة أخرى، كان في نظر أعيان وكبراء المراكز الحضرية (الذي سبق لهم العمل مع حكام البلاد في عهد التركية أو المهدية، وفي العهد البريطاني أيضا في وظائف كتابية وغيرها) أمرا عظم الفائدة. ولم يكن الحكام البريطانيون يقيمون لهؤلاء الكبراء من الأهالي وزنا كبيرا، ولكنهم كانوا يحافظون على توازن دقيق بين كبراء الأهالي في المناطق الحضرية والريفية ويتعاملون مع كليهما. إلا أن بعض الإداريين البريطانيين (مثل ماكمايكل) كان لا يخفي تفضيله لزعماء الأهالي في الأرياف.
لقد عملت الحكومة الاستعمارية كل ما في وسعها لتحاشي تحويل التعليم لمصدر سلطة وقوة عند العائلات القوية في المراكز الحضرية. لذا عمدت تلك الحكومة لجعل التعليم محدودا ومحصورا في أضيق نطاق، وتقديمه كمنحة لمن ترغب في منحه له من الأهالي. وكانت تعمل على ألا تعطي الطلاب فكرة خاطئة أو أن تخدعهم بوهم توليهم لمسؤوليات سياسية في المستقبل. وكان تعليم الأهالي قد صمم منذ البداية لينجز أهدافا متواضعة، وليذكر الطلاب بأنهم مجرد مسنّنات "تروس" في آلة حكومة ليس بمقدورهم السيطرة عليها. ورغم أن كيري كان قد وصف في عام 1933م الحكم غير المباشر الذي أدخلته الحكومة بأنه "شر مطلق"، جزئيا بسبب سياسته المناوئة للطبقات المتعلمة بالبلاد، إلا أن سياسته الخاصة بالتعليم لم تكن أفضل، إذ دأب متعمدا لتجاهل التعليم الثانوي.
وعلى الرغم من كل العوائق والتقييدات، إلا أن التعليم كان بالفعل مصدر قوة وسلطة. وكان قيام ضباط الجيش (وغيرهم) بحركة 1924م أحد الأدلة على ذلك. فقد أبانت حركة 1924م أنه برغم محدودية التعليم ونقصه، وما يتيحه من وظائف كتابية متواضعة، فقد كان المتعلمون السودانيون على وعي وإدراك بأنفسهم، ويعلمون الكثير عن الأوضاع في العالم حولهم، وكانوا دوما عطشى للمزيد من التعليم والثقافة، ولهم وعي كامل بحقوقهم. وكانوا قد تعلموا أيضا من زملائهم المصريين وتشرَّبَ (بعضهم) أفكار ثورة 1919م المصرية. وأعطى كل ذلك لهم إدراكا ذاتيا لأنفسهم بحسبانهم من الطبقة "السودانية المستنيرة". وكانوا يستخدمون ما تعلموه في المدارس وأماكن عملهم من آلات من أجل تنفيذ ما يودون فعله على أفضل وجه. فكانوا مثلا يستخدمون اللغة الإنجليزية كلغة رمزية (سرية) لتنظيم اجتماعاتهم وأنشطتهم الأخرى (2).
وعلى الرغم من نجاح المستعمر في القضاء على حركة 1924م، إلا أن تمكين المتعلمين السودانيين غدا واقعا لا محالة منه مع ظهور نوع جديد من "الدولة" في عهد "التنموية الاجتماعية developmentalism" الذي جاء في أربعينيات القرن العشرين. ولكن عدت النخبة المتعلمة نفسها في تلك السنوات طبقة متجانسة من "العرب"، بل وقدرت وأحبت أن توصف بهذا الوصف. لقد كانت تلك النخبة قد ولدت من رحم عقد من "الحكم غير المباشر" حيث كانت الحكومة أكثر حذرا واهتماما بحصر الدخول للمدارس الاستعمارية على أعراق بعينها حتى يناسب ذلك خياراتها العرقية المفضلة.
************* ************ ***************
إشارات مرجعية
(1) ذكرت الكاتبة أن سلطات الإحصاء الاستعمارية كانت حتى ثلاثينيات القرن العشرين تصنف سكان السودان كالتالي:
أ‌. البرابرة، وهم الذين يتحدثون باللغات النوبية، ويعيشون على ضفاف النيل في المديرية الشمالية.
ب‌. المُخَلَّطون، وهم الأطفال أو المنحدرين من زيجات مختلطة بين العثمانيين أو المصريين مع السودانيين (ويسمون أيضا بالمولدين)
ت‌. المصريون: وهو اسم غامض – رغم بساطته الظاهرية – فبعض من يسمون بالمصريين، ولدوا وترعرعوا في السودان. وغالب هؤلاء من التجار الذين لديهم عائلات في السودان وفي مصر كذلك.
ث‌. أعراق أخرى، منهم الشوام (الذين قدموا من سوريا الكبرى)
ج‌. السود، وهم مجموعة بالغة التعدد والتنوع، ولا يقصد بهؤلاء من هم سود البشرة، إذ ليس هنالك فرق يذكر بين هؤلاء وبعض العرب في لون البشرة. والمقصود بـ "السود" هم الأحرار من أحفاد من استرقوا في الماضي، أو من تم تحريرهم (عتقهم) مؤخرا، أو الهاربين من نير العبودية، أو الذين يقطنون في مناطق تعرضت لهجمات تجار الرقيق دون أن يتم استرقاقهم.
ح‌. العرب: وهذه كلمة كان المستعمرون البريطانيون يستخدمونها أحيانا بين عامي 1900 و1924م، خاصة في الجيش، للشماليين السودانيين، (في مقابل "السود"). ولهؤلاء طرائق عيش مختلفة، وفي مرحلة معينة من سنوات الاستعمار كانت تشير لدينهم الإسلامي أو “نقاء العنصر / الدم" أو الانحدار من "عوائل محترمة".
وأوردت الكاتبة في فصلها ستة جداول توضح أعداد تلاميذ المدارس وطلاب كلية غردون (مصنفة بحسب التقسيم المذكور) في سنوات مختلفة.
(2). يمكن النظر في مقال للكاتبة عنوانه: "برقيات وطنية: الكتابات السياسية ومقاومة الاستعمار في السودان". https://tinyurl.com/y69payyk


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.