بسم الله الرحمن الرحيم

قد لا يعرف كثيرون معنى للعنوان اعلاه لذا سأسرع لفك طلاسمه فصبراً قارئ العزيز .. كم كان بودي أن أجد عنوناً أفضل او كلمات اجمل فأنا فقط نصف كاتب ونصف مؤرخ .. ولكني اوثق وادقق واحاول قدر الامكان الا انقل شيئاً عن آخرين دون التأكد منه.

في أكتوبر الحالي 2020 تمر علينا - وعليّ انا تحديداً - ذكرى حدثين اثنين هامين هما اولاً:
مرور عشرة أعوام على تأسيس الجبهة الوطنية العريضة واختيارنا للمناضل الجسور (المرحوم) على محمود حسنين رئيساً لها - وقد كان ذلك بالتحديد في 22 أكتوبر 2010 هنا في لندن في اجتماع هائل ضم سودانيين من شتات العالم ..
ثانياً: في 30 أكتوبر الحالي تمر الذكرى العشرون على وفاة والد الجميع الاستاذ المعلم عبد الرحمن احمد عيسى الذي انتقل الى رحمة مولاه في الخرطوم يوم 2000/10/30 .. لم اكن وقتها في السودان بسبب التشرد الذي فرضته علىّ الانقاذ لأودعه الوداع الأخير شأن عديد من السودانيين في الشتات ولكن بعد ان سمحت الظروف بالعودة وذهبت اشكر بنفسي العديد من الأفراد الذين واسونا في فقدنا - بل واعتبروه فقدهم حتى ابكونا معهم ولازلنا عاجزين عن شكرهم .. لذا عرجت على مكتب الاستاذ على محمود حسنين المحامي وكان مكتظاً بالمتعاملين عرفت انه في اجتماع هام مع بعض موكليه فتركت بطاقتى الشخصية لدى سكرتيرته مع خطاب قصير مني له بالشكر الجزيل مهيئاً نفسي للمغادرة ولكنه كان قد استجاب فور تلقيه مكالمة داخليه من سكرتيرته بأن أتاني معانقاً حتى أبكاني ..
كانت قد مرت سنوات طوال لم التقيه .. لكني كنت متابعاً لاخباره وخاصة نضالاته السياسية .. بينما كان شقيقه الاكبر الدكتور عثمان هو الرابط بيننا منذ أيام عمله في مستشفى الأبيض في ثمانينات القرن الماضي ومروره شبه اليومي على والدنا في مكتبته ( لبيع الكتب والأدوات المدرسية ) في السوق الكبير قرب سينما عروس الرمال .. ودكتور عثمان كما يعرفه اصدقاءه رجل وناس صاحب ذاكرة قوية .. لذا كان لابد يومياً ان يعود الحديث بين الاثنين إلى أواخر الأربعينات ومطلع الخمسينات - الى القولد ومدرستها الوسطى الشهيرة التي درس بها الاثنان عثمان وعلى .. ففى تلك القرية الصغيرة جداً والمعزولة عن العالم كان بيت الناظر وداخلية التلاميذ شيئاً واحداً تقريباً نتجول ونختلط بالجميع ولذا عرفنا كل شخص باسمه وشكله .. وهكذا ومنذ تلك السن اليافعة من عمرى ارتبطت بكثير من هؤلاء العظماء بحق وحقيقة .. وطوال السبعين عاماً الماضية تواصلت مع من مكنتني الظروف من التواصل معه .. وعلى سبيل المثال لا الحصر عبد الوهاب عثمان و عبد الحميد كنداوي وعبد المنعم عبد الله المكي وشقيقه عبد العاطي المكي وعوض الكريم ادريس وحسن علام حسن وعبد اللطيف على … كما لم تنقطع حتى اليوم اتصالاتي بأحد معلميهم ( الذي كان أقرب إليهم عمراً مما هو لوالدنا او المدرسين الاخرين وأقصد هنا السيد صالح فرح عبد الرحمن المقيم في أبوظبي اطال الله عمره فقد كتب أكثر من مرة في السنوات القليله الماضيه مقالات قصيرة عن مدرسة القولد وناظرها ( مديرها بلغة اليوم ) عبدالرحمن احمد عيسى . كذلك نعمت بمعرفة وصداقة زميل المهنة السفير الشاعر سيد أحمد الحردلو وكذلك الدكتور طبيب سيد ميرغني السيد والدكتور حسن عبد المجيد اضافة الى الإداري المالي لمنظمة الوحدة الأفريقية خوجلي محمد خوجلي ..
قد يكون من المفيد اقتباسي أسطر قلائل من مقدمة المقال المفصل الذي كتبه أحد كبار خريجي تلك المدرسة هو السيد عبد الحفيظ باشري مدير شئون الموظفين بشركة شل للبترول نعياً لاستاذهم الراحل تحت عنوان " رحم الله أستاذ الجيل عبد الرحمن احمد عيسى … ذكريات وصفحات ناصعة من سجل اشراقات العملية التربوية في السودان .. مدرسة القولد منارة سمقت بفضل معلميها الشوامخ وطلابها الأفذاذ " الذي نشر في صحيفة الأيام الخرطومية العدد 6906 بتاريخ 16 نوفمبر 2000..

بعد استقراري في بريطانيا منتصف عام 2003 زاد تواصلي مع الأخ على الذي كثف من تنقله داخلياً وخارجياً في مواجهة حكومة الانقاذ التى ازداد عنفها و فسادها واستبدادها بل وجنونها .. وكان في اطار نشاطه المتنوع داخل حزبه الوطني الاتحادي / الديمقراطي وكذلك في إطار روابط المحاميين والقانونيين لا يكل ولا يمل في مواجهتها بشجاعته المعهودة وصوته العالي و حججه القوية .. وكانت النتيجة أن رمته في السجون وقطعت عليه رزقه لكنه لم يلن بل ازداد اصراراً خاصةً بعد فشل المصالحة التى تمت في إطار اتفاقية القاهرة تلك القسمة الضيزى التي دخل هو نفسه بموجبها البرلمان .. وكنت من جانبي أرى أن ذلك كان خطأ من جانب الذين صدقوا الانقاذ و انخدعوا بوعودها الكاذبة لذلك كان سروري عظيماً باستقالة على وخروجه من ذلك المسرح العبثي ( وكنت آمل في خروج آخرين مثل القيادية العظيمة فاطمة أحمد إبراهيم عليها رحمة الله ..
حكى لنا على كيف تعرض للتعذيب البدني بالضرب المباشر والعنيف على الوجه حتى كادت أسنانه أن تتهشم .. كما أن محمد عطا كبير مسؤولي الأمن قد هدده بالمسدس على جبهته .. ورغم ذلك لم يسكت بل كان يرد عليهم بما يفحم كأن يقول لهم "والله البتسوه دا ما يعمله الا واحد ود حرام" فينفضوا من حوله .
مع انتصاف العقد الاول من الالفية الجديدة واقتراب انفصال الجنوب ازداد قناعة كثير من الناس والجهات بأن لا سبيل للتعامل مع حكومة الانقاذ وانه على الأطراف المناوئة أن تتكتل في جبهة واحدة عريضة للتصدي لها . وعند مجيء الاخ علي محمود حسنين لبريطانيا في إطار جولاته داخل اوروبا وامريكا الشمالية توافقنا - نحن مجموعة المعارضين المستقلين - على الدعوة لتأسيس الجبهة الوطنية العريضة وبدأنا في الاتصال بالكل في أطراف العالم الاربعه والدعوة الى لقاء .. لا زلت اذكر اول اجتماع محدود تم في منزل الاخ ابراهيم كوباني (صهر ال حسنين) المعروف بكرمه ولطفه توالت بعده اللقاءات الصغيرة بسبب ضيق ذات اليد ومحدودية المتفرغين لهذا العمل ..
تكونت لجان صغيرة للتحضير للقاء- الذي اختلف الرأي في اختيار موقعه ( في دولة مجاورة للسودان ام في أوروبا .. وكنت شخصياً من المعارضين لكمبالا لما اراه من تدخل زعامة ذلك البلد المجاور في شؤون بلادنا )..
كان الأخ على محمود يسابق الزمن ويستعجل التحرك في كل الاتجاهات وأراد أن يتم الاجتماع خلال أربعين يوماً ولكننا استطعنا اقناعه بان ذلك مستحيل نظراً لبعد المسافات وصعوبة الحصول على تأشيرات الدخول ( لأي بلد) على جواز السفر السوداني الذي يحمله اغلب الراغبين في المشاركة .. وقبل ذلك كان علينا تدبير المال من مواردنا الشخصية وقد آلت المسئولية للاخ المناضل الجسور احمد بدري ( الذي نال مؤخراً تكريماً من ملكة بريطانيا فاصبح MBE رئيساً وانا عضواً يعاوننا الاخ عبد الباقي الريح المحامي الذي كان أول من تصدى للترابي خلال زيارته الاولى للندن فهز عرشه في اجتماع مشهود بالإعلام البريطاني والعالمي .. عبد الباقي الذي فقد ساقه اليسرى بسبب التعذيب في بيوت الاشباح تمكن وهو يقف أمام الجميع على ساق واحدة ان يكشف عورة الانقاذ وادعاءات الترابي الكذاب الأكبر الذي واصل رحلته المشؤومة تلك لينتهي في العاصمة الكندية أوتاوا بالضربة الفنية القاضية ..
ضاعفنا مدة التحضير من أربعين إلى ثمانين يوماً وجعلناها تتوافق مع هذا اليوم التاريخي في حياة الشعب السوداني إلا وهو الحادي والعشرين من أكتوبر .. وبقليل ذلك المال الذي لم يأتينا إلا من سودانيين مائة بالمائة تمكنا من استئجار صالة في فندق متواضع في منطقة هونسلو قرب مطار هيثرو استخدمناها مكاناً للاجتماعات وصالة للطعام ومنامة للبعض .. وكان الحضور الكثيف من أقصى غرب أمريكا وكندا إلى أقصى شرق استراليا ومن اسكندنافيا والشرق الأوسط وبريطانيا وأغلب دول أوروبا الغربية مع قلة من السودان يحملون تأشيرة دخول صالحة او جوازات سفر أجنبية التقينا في ذلك الفندق طوال يومين رجالاً ونساءً شيباً وشباباً لم اشاهد في وجوههم ذلك اليوم إلا الامل والفرحة والعزيمة والاصرار .. ارى لزاماً عليّ وانا المشرف على جمع المال مع الاخ احمد بدري ان أذكر بالخير- بعد كل هذه السنين الاخ جعفر فضل الذي اعطى بسخاء دون من أو أذى كما اذكر الاخ احمد بدري نفسه الذي تحمل عبء الدين المتبقي لادارة الفندق طوال شهور عدة بعد انعقاد المؤتمر ..
خصصنا الامسية الاولى للتعارف حيث تحدث كل شخص بضع ثواني عن نفسه وذكر من أين جاء وكم امضى في الغربة القسرية ولذك عرفنا كم تبعثرنا في اصقاع الارض .. وكنت سعيداً ان أوكلت لي رئاسة تلك الامسية الأخوية التى ختمناها بأناشيد ثورة اكتوبر الاخضر الخالدة .. أما الافتتاح الرسمي صبيحة يوم 10/22 فقد كان تحت كاميرات الإعلام العالمي ممثلاً في ال BBC والجزيرة والشرق الأوسط و وكالات وصحف عدة اخرى والقاعة ممتلئة بكل الوجوه السودانية الجميلة … ولربما ايضاً تسلل بعض عملاء الانقاذ فنحن لم نحجر على شخص اراد الحضور والاستماع ان يحضر .. وإذ فوجئت صباح ذلك اليوم بان كلفت برئاسة الجلسة ايضاً فقد تم كل شئ في أفضل شكل وكان أهم قرار اتخذناه هو اختيارنا للاخ علي محمود حسنين بالاجماع والتصفيق رئيساً وعليه اثار مؤتمرنا التأسيسي ذلك رعب حكومة الانقاذ فطفق رعاتها يحاولون النيل منا جميعاً وكان بالطبع التركيز على الاخ علي نفسه يشككون حتى في سودانيته على نحو ما جاء في صحيفة الانتباهة ( غير النبيهه اطلاقاً) أنه " حلبي قرد طلح" وانه من اقلية عرقية لا تملء أسماء أفرادها صفحة واحدة من كراس مدرسي .. ثم انتقلت نفس الجريده للهجوم علىّ انا ايضاً مشيرة ليّ بحرفين فقط ( ف /ع ) وانني كنت وكيلاً لوزارة الخارجية بغير استحقاق .. وأسوأ من ذلك هاجمت الجريدة في غير ما خجل احدى اخواتنا الكريمات ما اعاد في ذاكرتي ما لن انساه من تصريح للطيب سيخة هذا الرجل الذي لا يختشي - وطبعاً لا يخاف الله - بأن إحدى زميلاتنا المطرودات من وزارة الخارجية في الشهور الاولى كانت خير من يتذوق الخمر .. وهكذا هم الانقاذيون الكيزان .. وانتهز الفرصة لأقول لهم الآن اننا لم ولن ننسى ما ارتكبوه او قالوه و سنأتيهم من حيث لم يحتسبوا .. والبادئ اظلم ..
قاد على محمود حسنين الجبهة الوطنية العريضة ( التي للاسف انشقت الى فريقين ما دعاني والاخ احمد بدري وكذلك الدكتور محمد ابو امنه المقيم في مانشستر ان نقف على الحياد بعد محاولات عدة للم الشمل) قادها بتفرغ كامل ومجهود بدني وذهني وارهاق مادي طوال السنوات التي تبقت من عمره رفض مع اعتلال صحته ان يتراجع قيد أنملة وكنت أشاركه هذا الموقف .. كنت أزوره مع الاخ حسن تاج السر في سكنه المستأجر من حر ماله .. يسافر الى جنيف ليتصدى في مجلس حقوق الانسان لوفود الحكومة القادمة من الخرطوم ويزور البرلمانات الاوربية حاثاً اعضائها تفهم مأساة الانسان السوداني تحت القهر والفساد الانقاذي الذي تجاوز ربع قرن من الزمان .. ولم يتوقف عن المشاركة في كل ندوات لندن التي انتقل اليها من القاهرة ..
وتفرغ علي بما له من مهارةً ومقدرةً في صياغة القوانين بان أعد مشاريع كاملة للدستور والمحاسبة وكان يرسل لنا مسوداتها ويلاحقنا هاتفياً او كلما التقينا للتعليق والشورى فأكمل بذلك كل الملفات الخاصة بالقضايا الكبرى وفي مقدمتها محاسبة انقلابيي 30 يونيو 89 ..
حمل على ملفاته وعاد للسودان رغم اعتلال صحته ونزل مطار الخرطوم وسجد لمولاه وكانت الخرطوم في أوج اعتصامها فاعتلى المنصة وتحدث للشباب وافضى بكل ما في صدره وذهب الي رحاب الله مطمئناً ومرتاح البال والضمير( في 19 رمضان الموافق 24 مايو 2019) الا رحم الله الاخ الاستاذ على محمود حسنين وجعله من اصحاب اليمين..

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.