كتب الدكتور النور حمد في بابه المقروء (من كنانتى) بالصفحة الأخيرة لجريدة (التيار) بتاريخ 6 /9 / 2020 وتحت عنوان (حتى لا ننتهى إلى نيفاشا اخرى)"علة اتفاقية نيفاشا الجوهرية رغم جودة نصوصها أن الحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة الراحل جون قرنق ارتضت التوافق مع الإنقاذ على إقصاء القوى السياسية الشمالية فدخلت منفردة في شراكة مع المؤتمر الوطني لحكم البلاد لمدة خمس سنوات ،وهذا واحد من مزالق ما يسمى "الشرعية الثورية" .كان الأمل لدى الحركة الشعبية أو قل لدى قرنق وبعض قادة حركته ،على الأقل أن تسهم سنوات الشراكة الخمس في جعل خيار الوحدة جاذباً عندما يأتي أوان الاستفتاء غير أن الإنقاذ وحزبها عملا بلا كلل لإفشال الفترة الانتقالية" .

أود في هذه السانحة أن اختلف مع تقدير الدكتور النور حمد أن الحركة الشعبية والزعيم الراحل جون قرنق ارتضت إقصاء القوى السياسية الشمالية وذلك من موقعي اللصيق بمجريات أحداث تلك الفترة حيث كنت متابعاً لبداية مفاوضات نيفاشا والملابسات التي سبقتها ثم شاهداً عليها بالتغطية الصحافية من مظان إنعقادها في أطول جولاتها وهي جولة قسمة السلطة والمناطق الثلاث التي استمرت مائة وواحد يوماً .

أصرت الحركة الشعبية وزعيمها الراحل قرنق على إشراك التجمع الوطني المعارض وقتها لأن شمال السودان كان مهماً للغاية ونقطة الارتكاز في تحقيق رؤية السودان الجديد وأظنك سمعت كثيراً تحليل قرنق ورفضه الصارم تسمية المشكلة بمشكلة جنوب السودان وكان يقول إنها "مشكلة السودان في الجنوب كما أن هناك مشاكل للسودان في دارفور وجنوب كردفان وشرق السودان وجنوب النيل الأزرق" .

الحكومة (المؤتمر الوطنى) هي من رفضت بشدة إشراك التجمع الوطني في المفاوضات حينما ارتفعت النبرة المنادية بضرورة تسوية كل الأزمة السودانية في منبر الإيقاد بكينيا فأرسلت الحكومة مستشار الرئيس للشؤون السياسية ،الدكتور قطبي المهدي على رأس وفد إلى مقر المفاوضات بنيفاشا وبعد اجتماعه بسكرتارية الايقاد المشرفة على المفاوضات وممثلي دول الترويكا المتواجدين بمنتجع سيمبا (مقر المفاوضات ببلدة نيفاشا) ثم اجتماعه مع الرئيس الكينى (وقتها) مواي كيباكى أطلق تصريحاته الداوية أن الحكومة ستسحب وفدها من المفاوضات إذا أصرت الحركة الشعبية والإيقاد على فرض مشاركة التجمع الوطني في المفاوضات .(كان وفد الحكومة لا يزال بقيادة الدكتور غازى صلاح الدين) .

تذرع الدكتور قطبي المهدي بأن إعلان مبادئ مبادرة إيقاد الذي تقوم على أساسه المفاوضات نص بوضوح على أنه منبر تفاوض لحل مشكلة جنوب السودان وفق الحدود الجغرافية المعرفة فى الإعلان للجنوب ولم تكن تشمل حتى المناطق الثلاث (جبال النوبة وجنوب النيل الأزرق وابيى) التي كانت وفقاً للإعلان مناطق تقع خارج الحدود الجغرافية والإدارية لجنوب السودان وتتبع للشمال وقد وافقت الحكومة لاحقاً وبعد تولي علي عثمان محمد طه قيادة التفاوض إنابة عن الحكومة أن يتم بحث مشكلة المناطق الثلاث بنيفاشا ولكن تحت رعاية دولة كينيا وليس مبادرة دول الإيقاد .

إضطرت الحركة الشعبية للرضوخ لموقف الحكومة بعد ضغط دول الإيقاد وخاصة الدولة المستضيفة للمفاوضات كينيا عليها إلى جانب ضغط دول الإيقاد وشركائها الغربيين الذين يتولون تمويل عملية التفاوض ورفدها بالخبراء والمقترحات وتوفير الزخم الدولي لها ولم تكن تلك الدول متحمسة أصلاً لمشاركة القوى السياسية الشمالية في المفاوضات وتعتبر قضيتها مختلفة اختلافاً كبيراً عن طبيعة قضية الجنوب والأسباب التي أدت إلى نشوب الحرب فيه ، وترى أن قضية القوى الشمالية تتعلق بفتح المجال السياسي في الشمال بما يضمن لها الحريات السياسية والمدنية التي تفضي لتحول ديمقراطي حقيقي .

طرح الزعيم الراحل جون قرنق على حلفائه من القوى السياسية الشمالية المنضوية تحت لواء التجمع الوطني الديمقراطي الموقف بوضوح وما تتعرض له حركته من ضغوط إقليمية ودولية تحملها مسؤولية إفشال المفاوضات وعدم الرغبة في التوصل لاتفاق سلام ينهىي أطول الحروب في القارة الأفريقية كما كانت تقول أدبيات تلك الفترة . وأيضاً ما يتعرض له هو شخصياً من ضغوط داخل الحركة الشعبية ومن خصومه في المعارضة الجنوبية الأخرى والقوميين الجنوبيين الذين يتهمونه بالمغامرة بمستقبل وشعب جنوب السودان وإطالة أمد بقائه رهن الحرب والتخلف طمعاً يتحقيق طموحاته الشخصية لزعامة السودان كله بعد تحقيق مشروعه السودان الجديد .

لكن الراحل قرنق وعد حلفائه في التجمع والذين تواثق معهم على إسقاط النظام باستصحاب أجندتهم السياسية التي ضمنوها (ميثاق اسمرا للقضايا المصيرية) قدر المستطاع وهو يتفاوض مع النظام الأصولي الذي يحكم في الخرطوم حسب وصفه له والعمل تفكيكه عبر المفاوضات أو تفكيك أيديولوجيته المتشددة كأضعف الخيارات.

وبالفعل استطاع أن يفعل ذلك بذكاء كبير وبأقصى حد سمحت به في غرف التفاوض المغلقة وفي الفضاءات المفتوحة على وسائل الإعلام أحياناً أخرى ،وانتهت جولات نيفاشا بأفضل إتفاق ممكن وسمح به حكم الوقت الذي جرى فيه التفاوض وأدى إليه توازن القوى بين الطرفين المتفاوضين من جهة والأطراف الدولية والإقليمية من الجهة الأخرى ضمن قدراً كبيراً من مطالب الأطراف السودانية الأخرى وصيغ في البروتكولات الستة وملاحقها التنفيذية مشتملاً لأول مرة في تاريخ البلاد السياسي على وثيقة كاملة للحقوق نصت في الدستور الانتقالي لعام 2005 مع أخذ الاحتياطات اللازمة تشريعياً لعدم مصادرة القوانين المنظمة للممارسة السياسية والمدنية لتلك الحقوق الدستورية وهو ما أشار إليه دكتور النور حمد ب"جودة نصوص اتفاقية نيفاشا" .

بعد نجاح خطة حكومة الإنقاذ في إقصاء القوى السياسية الشمالية عن منبر إيقاد التفاوضي بكينيا وفشلها النسبي في إبعاد أجندة تلك القوى ظلت تطرح بصورة سرية داخل غرف التفاوض على الحركة الشعبية الشراكة السياسية مع حزبها المؤتمر الوطني الذي تعلم أنه حزب معلول لا يقوى على المنافسة السياسية في فضاء حر وهو ما سعت إتفاقية السلام لترتيبه لإجراء الانتخابات النيابية والرئاسية فيه لكن الحركة الشعبية رفضت التنكر لحلفائها وكان خطابها الإعلامي يقول (إن الشراكة بينها وبين الحكومة وحزبها المؤتمر الوطنى هى فقط لتنفيذ إتفاقية السلام) . ثم سعى زعيم الحركة الراحل مع رؤساء دول الإيقاد وشركائها وأطراف إقليمية أخرى لترتيب منبر مفاوضات القاهرة بين حكومة المؤتمر الوطني والتجمع الوطني الديمقراطي لاستكمال ما لم يتمكن من كسبه في مفاوضات نيفاشا لحلفائه والذي إنتهى باتفاق وقع بين الطرفين عاد بموجبه التجمع الوطني الديمقراطي المعارض لممارسة العمل السياسي من الداخل وشارك بكافة مكوناته في البرلمان الانتقالي وببعض مكوناته في الحكومة التي تشكلت بعد المصادقة على الدستور الانتقالي في سبتمبر 2005 .

إن شراسة نظام الإنقاذ المخلوع وأنانيته في إقصاء كل خصومه السياسيين عن ما اعتبرها صفقة رابحة له في نيفاشا أعطته شرعية دولية مؤقتة لست سنوات ظل يلهث في البحث المحموم عنها بشتى الوسائل. منذ إنقلابه المشؤوم فى 30 يونيو 1989 كانت واضحة للعيان ولكل المراقبين لوقائع المفاوضات فى منتجعات كينيا وقد بلغت حداً أن قائد التفاوض الحكومي ،علي عثمان محمد طه كان يرفض بشدة أن يتحدث هو أو أي من أعضاء وفد الحكومة لوسائل الإعلام العالمية والمحلية عن مجريات الحرب الطاحنة وتداعياتها المأساوية في دارفور والتي صعدت على رأس الأحداث العالمية بعد الفظائع الكبيرة التي ارتكبتها الحكومة و المليشيات التابعة لها في الإقليم وسحبت الأضواء الإعلامية حتى عن مفاوضات السلام الجارية لحل مشكلة جنوب السودان ،وكان علي عثمان يشدد على أعضاء فريقه المفاوض بأننا هنا للتفاوض من أجل حل قضية جنوب السودان وليس قضية دارفور وإن أية أسئلة بخصوص الصراع هناك عليهم التوجه بها للمسؤولين في الخرطوم بالرغم من أنه كان قد أحكم نفوذه على الحكم بعد إقصاء زعيمهم الروحي الراحل حسن الترابي وصار يمسك بكل الخيوط في يده بما في ذلك إدارة الصراع في دارفور (يمكن الرجوع للوثائق التى إحتواها كتاب أليكس دى وال وجولى فلنت "دارفور تاريخ حرب وإبادة" للاستيثاق من ذلك) .

لقد سألت أنا مستشار زعيم الحركة الشعبية وقتها،الراحل الدكتور منصور خالد في جلسة أنس معه بمنتجع سيمبا أثناء مجريات التفاوض بأن الحركة الشعبية هزمت مشروعها السياسي (السودان الجديد) وخذلت حلفاءها وجماهيرها وبقية الشعب السودانى الرافضة لأيدلوجية الإخوان المسلمين حينما وافقت على أن يقبع شمال السودان تحت نير تصورات الإسلاميين فيما أخلت الجنوب منها فكانت إجابته لي بأن حكومة الإسلاميين إستطاعت أن تقنع بأحابيلها قطاعاً مهماً في الدول الغربية والمجتمع الدولي أن تصوراتها الأيديولوجية أو ما تسميها الشريعة الإسلامية هي دين الشماليين وإن أية ضغوط عليهم للتنازل عنها تصبح وكأنها محاولة منهم لإجبار شعب شمال السودان للتخلي عن دينه . وأضاف لي منصور خالد : "أن الغربيين والإمريكان تحديداً تحت إدارة الرئيس الأسبق جورج بوش الإبن كانوا واقعين تحت ضغط السمعة السيئة الناجمة عن التداعيات التي أعقبت هجمات 11 سبتمبر بأنهم يخوضون حروباً صليبيه ضد الإسلام والمسلمين لذلك لم يكونوا يرغبون تأكيد هذه المزاعم وهم يعملون بجد لتحقيق السلام في السودان لذلك عملوا على تمرير حجة الحكومة ووجدنا أنفسنا في الحركة محاصرين بذلك" .

لكن الزعيم الراحل جون قرنق لم ييأس من حلمه بالسودان الواحد الحر الديمقراطي حينما عاد وأطلق نداءه للقوى السياسية الشمالية بُعَيد اكتمال بروتوكولات اتفاقية نيفاشا الستة وقبل جولة المفاوضات الأخيرة الخاصة ببحث الملاحق وجداول تنفيذ الاتفاق ،والذي قال فيه :
(استطعنا بعد كفاح مرير وبالمفاوضات إبعاد الشريعة الإسلامية عن جنوب السودان وإذا أرادت القوى السياسية الشمالية فعل ذلك في الشمال يمكننا مساعدتها على ذلك) . لكن نداءه ذلك ذهب مع الريح وتوارى أثره أيضاً بعد رحيله الدرامي الغامض والفاجع أيضاً .

إن قضية تطبيق الشريعة الإسلامية واعتبارها مصدراً من مصادر التشريع في شمال السودان كانت عقبة كبرى ضمن عقبات أخرى أربكت مفاوضات نيفاشا وحالت دون الوحدة الجاذبة بين شطري البلد الواحد وهو ما دفع الدكتور منصور خالد ليقول في حوارأجرته معه الصحافية رفيدة ياسين بصحيفة (السودانى) قبل نحو 10 سنوات تقريباً : "أن نظام الإنقاذ لم يهزم فكرياً حتى الآن" . ومادفع أيضاً النائب الأول ورئيس حكومة جنوب السودان وقتها ،سلفاكير ميارديت ليقول قبيل استفتاء تقرير مصير الجنوب بفترة وجيزة أن الشماليين غير مستعدين للتخلي عن الشريعة الإسلامية التي تميز المواطنين على أساس الدين وتجعل الجنوبيين مواطنين من الدرجة الثالثة وإنه واثق من أن زعيم الحزب الشيوعي –وقتها- الراحل محمد إبراهيم نقد إن كان هو رئيس السودان فلن يستطع إلغاء الشريعة الإسلامية .
وتظل مسألة الشريعة الإسلامية والمزايدة بها عقبة فكرية ماثلة اأام القوى السياسية الشمالية وتحتاج لقدر وافر من الشجاعة الفكرية ووضوح الرؤية نأمل أن نكون تحلينا بها بعد عقود من التجارب الدامية والخيبات المريرة ونحن نتطلع ونسعى الآن لانطلاقة جديدة بعد ثورة ديسمبر الظافرة .

أفلت هذا المقال عن المدى الذي أردته له وأجدني مضطراً لكفكفته على هذا النحو رغم أن هناك الكثير الذي يمكن أن يقال في هذا الأمر ربما أتيحت. لكن الفرصة في كتابات لاحقة لكن يمكن لمن يريد مزيداً من التفاصيل عن ما رويته أنا هنا الرجوع للمقالات التي سطرها الراحل الدكتور منصور خالد وحلل فيها إتفاقية السلام ونشرها بصحيفة "الرأى العام" وصحف أخرى وقتها ثم ضمنها لاحقاً دفتي كتابه الموسوم (تكاثر الزعازع وقلة الأوتاد) ،وأيضاً في كتاب وزيرة التعاون والتنمية الدولية وقتها النرويجية ،هيلدا جونسون عن كواليس مفاوضات نيفاشا والذي ترجمته دار مدارك للنشر تحت عنوان (إندلاع السلام) وكذلك للمبحث الضخم والقيم والذي لا غنى عنه لأي باحث مهتم بقضية الحرب بين الشمال و الجنوب والانفصال وهو كتاب (انفصال جنوب السودان – دور ومسؤولية القوى السياسية الشمالية) للخبير القانوني الدولي ورئيس مجلس إدارة جامعة الخرطوم الدكتور سلمان محمد احمد سلمان .

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.