The Old Shaiqi Language in Historical Perspective

Jay Spaulding
History in Africa 17 (1990), pp. 283-292.
من المترجم:
ما تشهده بلادنا ليس ثورة سياسية فقط، لكنها ثورة ثقافية شاملة كما يرى ويرجو الكثير من الناس. ويجري هذا الحدث الثوري على خلفية تغييب ممنهج لوعي قطاع واسع من الأجيال بتاريخ البلاد وثقافاتها، وما رفد هذا التاريخ من نظريات وآراء حملتها مدارسه قديمها وجديدها. وأسوأ نتائج هذا التغييب وأخطرها ليس فقط تعتيم الفهم بتاريخ الشعوب السودانية بل أدلجة هذا التاريخ وإختزاله في "عقيدة تاريخية" فحواها عملية أسلمة وتعريب جارية لهذه الشعوب بدأت مع دخول جماعات عربية في القرن السابع الميلادي. أدّى هذا الإختزال إلى حالة إنفصام في إستشعار الهوية في أهم مستوياتها: الإثني والوطني، كما أصبح، هذا الإختزال، رافعة آيديولوجية تملكتها الطبقة الحاكمة منذ الإستقلال ضمن إستراتيجيتها لحكم البلاد فكان أساس الأزمة الوطنية. وكل ذلك أدى إلى تشويه، إن لم يكن غياب، الإدراك الصحيح للهوية، بإعتباره مكون أساسي في منظومة القيم التربوية الفردية والجماعية يتغذى عليه الشعور بالإرتباط والولاء الصادق للوطن. وربما أفضل السبل "لتفكيك" (بلغة أنصار ما بعد الحداثة) هذه العقيدة التاريخية، التي ترسخت أكاديمياً في المدرسة التاريخية القديمة وإستقرت كمسلّمة في الفهم العام، هو العمل من خلال دراسات محدودة ومُحكمة في نماذج مصغّرة microcosmic paradigms تتناول عناصر المكون الثقافي لشعوبنا من لغات وفنون وعادات ومعتقدات، إلخ، مثلما نراه في هذا البحث الذي نحن بصدده، وهو نهج بحثي مطروق بالطبع في العلوم الإجتماعية والإنسانية. والمؤرخ المعاصر بروفسور جاي سبولدنق من أعمدة المدرسة التاريخية الجديدة في إرتكازها على نظرية الإستمرارية التاريخية في مسار الحضارة السودانية كما أسس لها علماء المدرسة الآثارية الجديدة، ومن أهم إنجازات هاتين المدرستين إعادة النظر في تفسير عملية التلاقح الثقافي وتصحيح معادلتها، أي أن ما جرى، وما زال، هو إستيعاب الثقافات السودانية وهضمها للوافد من العناصر الثقافية، بما فيها الوافد الإسلامي والعربي، وليس العكس؛ وبلغة أخرى هو عملية سودنة Sudanization process وَسَمت السيرورة التاريخية للشعوب السودانية عبر تاريخها. وهذا في واقع الأمر "قانون عام" في فعل التلاقح الثقافي في تاريخ الشعوب. أكمل سبولدنق رسالته للدكتوراه حول دولة الفونج في جامعة الخرطوم في السبعينيات، ثم نشر مؤلفه الهام "عصر البطولة في سنار" في 1985 والذي ترجمه المؤرخ أحمد المعتصم الشيخ؛ كما له العديد من الأوراق يعمل هذا الكاتب في ترجمت بعضها لأهميتها. هذا وتشتمل دراسته هذه على ملحق بسجل لأكثر من ثمانين من المفردات اللغوية غير العربية في لغة هذه المجموعة إعتمد عليها في بحثه وتحليله، لكن رأينا، كإختصار لهذا النص المنشور، عدم تضمينه والإعتماد على ما ورد في متن الدراسة من العديد من هذه المفردات وشرحها وتحليلها. ويمكن القول، أخيراً، أن هذه الدراسة تُلقي ضوءًا كاشفاً ليس فقط على الموروث اللغوي للمجموعات المتحدثة بالعربية في وادي النيل وما حوله، لكنها تضع بشكل حاسم في دائرة الضوء هذه مجمل ميراث هذه المجموعات من فنون ومعتقدات وعادات وملامح وأصولها الممتدة في العصور الكوشية والمسيحية. فإلى نص الدراسة.

1
الشايقية
الشايقية هم المجموعة المتحدثة بالعربية في أقصى شمال السودان المعاصر، ويقطنون عند منحنى النيل بعد الشلال الرابع وحتى حدود المتحدثين بالنوبية في دنقلا. ومن الممكن العثور على تأكيد مستقل في المصادرالأوروبية في القرن السادس عشر على وجود الشايقية بهذا الإسم، في حين تشير العقودات والتواريخ وسير الأولياء والتقاليد الشفاهية المحفوظة إلى مشاركتهم في الحياة السياسية والثقافية لمملكة سنار والتي كانوا جزءاً منها. في نوفمبر من العام 1820 صنع الشايقية واحداً من أكثر إسهاماتهم دراماتيكية في السجل التاريخي بإبدائهم مقاومة عنيدة للجيوش التركية الغازية من قبل محمد علي والي مصر. وعندما هُزموا مرتين على التوالي خضعت بلادهم لستة أسابيع من الثأر المكثف قبل أن يواصل الغزاة تقدمهم جنوباً. أما نُخب الشايقية السابقين فقد باشروا الخدمة العسكرية مع الأتراك كجنود مأجورين وغادروا نهائياً. كذلك إنفجرت ثورات الأرقاء في ممتلكات الأمراء المجاورة لقلاعهم المهجورة، وإنحلّت حاشيات الرقيق الخاصة بالأسياد القدامى وفرّت. ومن بقي من المزارعين، وأغلبهم غير مالكين للرقيق، شرعوا في تأسيس مجتمع جديد تحت إشراف الموظفين المستعمرين الأتراك. هذا هو مجتمع القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، كما عممه عالمياً الروائي الشايقي الطيب صالح والإثنوغرافي الشايقي حيدر إبراهيم، والذي يُفهم عادةً اليوم بأنه يؤلف الواقع التقليدي الموثق تاريخياً لمجتمع الشايقية قبل العصر الحديث.
قدم المؤرخون مفهومين لنموذجين مختلفين كثيراً حول ترتيب وتفسير الشواهد التجريبية عن الشايقية وجيرانهم. أنصار مدرسة الإستشراق يتبنوا الإحساس الشديد للمجتمع القائم بهويته الإسلامية العربية ويتوسعوا في ذلك ويؤسسوا تاريخاً مبنياً على شجرة نسب حقيقية أو متخيلة تعود، من خلال هجرات من الجزيرة العربية عبر مصر، إلى أسلاف من العرب المميزين في العصور الإسلامية القديمة. وعلى أيدي هارولد ماكمايكل وج. س. ترمنقهام، الممثلين الكلاسيكيين لهذه المدرسة، صارت الديناميكية التاريخية إلى داروينية إجتماعية وعنصرية على نحو واضح. فمنذ القرن الرابع عشر، بحسب هذه المدرسة، تغلب عنصر شرقي دخيل على عنصر أسود أدنى من خلال تفوقه في العنف، مع دفع ثمن تلك المتعة التي أفرزت الإنحطاط العرقي الناتج من الإختلاط بالدم الأفريقي. وقراءات ب. م. هولت وأندرس بيوركلو المتأخرة بإستشراقيتها المشذبة، تحاول إنقاذ نموذج بغيض وتقديمه لعصر ما بعد الإستعمار وذلك بالتخفيف من غلوائها. بل أن بيوركلو على إستعداد للتشكيك في حقيقة الأنساب في زعمها بأن الشايقية المتحدثين بالعربية وجيرانهم الدناقلة المتحدثين بالنوبية من عرب الجعليين. وبينما يوافق على حالة الشايقية يرى أنه "لا ينبغي أن يُصنف الدناقلة أصلاً ضمن الجعليين،" ربما على أسس لغوي. أما المؤرخون من غير الإستشراقيين، ويمثلهم وليم آدمز، فيرون قدراً كبيراً من الإستمرارية في الحياة السودانية قبل الإستعمار؛ ومن ثَمّ ينبغي البحث عن أسلاف الشايقية المعاصرين ليس في الجزيرة العربية القديمة ولكن في التاريخ الأقدم لوطنهم، خاصةً في الثقافة النوبية في العصر السابق لصعود اللغة العربية. ومن منظور آدمز فإن جيران النوبيين المعاصرين إلى الجنوب والمتحدثين بالعربية، "الشايقية...وكل الشعوب القاطنة بين الدبة والخرطوم، تحدثوا أيضاً لغات نوبية إلى ما قبل مائتين أو ثلاثمائة سنة؛ ولسوء الحظ فقد إختفت تماماً لهجات أسلافهم." في سياق دعمها لموقف آدمز هذا مقابل الإستشراقيين، ستقترح هذه الدراسة أن فقدان اللغة وسط الشايقية لم يكن كاملاً.

النضيفاب
إحدى مجموعات الشايقية الناجية أثناء الغزو التركي تجمعت في جزيرة أبورنات، وهي موقع منخفض خصب، بيضاوي الشكل وممتد على الضفة الغربية للنيل بين مقاشي وتنقاسي قريباً من منتصف إقليم الشايقية. ظلت جزيرة أبورنات في القرن التاسع عشر منطقة زراعية ريفية بالكامل؛ ليس فيها طريق ولا مدينة ولا طاحونة ولا سوق ولا مركز حكومي. لكنها قطعاً لم تكن معزولة بحيث تصبح محصّنة من أي تأثير للقوى الإجتماعية السائدة في العصر الإستعماري، والتي إتجهت إلى تشجيع بروز صفوة برجوازية محلية. في هذه الجزيرة برزت بشكل متواضع أسرة محدودة تدعى النضيفاب. شيخ النضيفاب ترجم نفوذ رابطته الصغيرة هذه في شكل طريقة إسلامية محدودة، ولم تكن جماعة ذات مسعى صوفي عميق، لكنها تنظيم محلي مكرس لإدارة شؤون عملية دنيوية. طابع النضيفاب هذا كان شبيهاً بتنظيم الختمية السوداني الأوسع، وهو تنظيم محافظ ومناصر للأترك قائم بالقرب من كسلا، وقد إنتمى إليه خليفة النضيفاب عند منتصف القرن. كان ذلك واحداً من عدة أحداث محلية جرت في جزيرة أبورنات أو حولها.
كان النضيفاب رجالاً أثرياء لديهم مصالح خاصة ليدافعوا عنها أمام الممثل المحلي لمنظومة القضاء الإستعماري، قاضي منطقة مروي. وفي عصر المقاضاة هذا توجب عليهم المحافظة على السجلات القانونية الصحيحة المتعلقة بتعاملات أملاكهم. وعلاوة على ذلك، بحكم سمو مكانتهم كمتعلمين وملمين بالمسائل القانونية في عالم ريفي بسيط تسوده الأمية، كانوا دائماً مدعوون لعمل سجلات مشابهة وحفظها للأعضاء الأقل حظاً في مجتمع جزيرة أبورنات. وتوجد حوالي مائة نسخة مصورة من مثل هذه الوثائق في أرشيف أسرة النضيفاب محفوظة في مكتب السجلات الوطني في الخرطوم، وهي مجتمعة تشكل جسم المادة النصية التي ستُناقش في هذه الدراسة. وستنحصر الدراسة في فحص جانب صغير لكنه هام من سجل النضيفاب، وهو وجود عدد من الكلمات الأفريقية والتي على الرغم من كتابتها بالأبجدية العربية لكنها لا تبدو متعلقة بهذه اللغة.

3
التسلسل الزمني
معظم وثائق النضيفاب تحمل تواريخ إسلامية تقليدية ومن الممكن ترتيبها في تسلسل ممتد عبر الفترة من 1252 /1836-37 م إلى 1319 /1901-02 م. وهناك عدد من الوثائق غير المؤرخة يمكن وضعها ضمن هذا التسلسل على أساس الأسماء الشخصية الواردة في الوثائق؛ كذلك توجد أقلية هامة من أربعة عشر وثيقة مؤرخة فقط بالإشارة إلى الأحداث البارزة (لكنها الآن غير معروفة) في السنة التي كُتبت فيها – عادةً كوفاة شخصية محلية بارزة، وهذه الوثائق يصعب على وضعها ضمن التسلسل المؤرخ باعتبارها دليل داخلي. وستقترح هذه الدراسة بأن وثائق النضيفاب هذه هي الأقدم في أرشيفهم، وأنه يمكن تقسيمها إلى تسلسل من ثلاث مجموعات على أساس الكُتّاب الذين صاغوها. المجموعة الأولى وتتألف من وثائق كتبها إبراهيم النضيف، جد غالبية الكُتّاب اللاحقين ، والمجموعة الثالثة تشمل الوثائق غير المؤرخة التي كتبها إبنه محمد خير (ت. 1265/1848-49 م) ، والذي في منتصف عهده كخليفة أصبح التأريخ التقليدي الإسلامي ممارسة معتادة. هناك مجموعة وسيطة واضحة هي المجموعة الثانية، وتتألف من وثائق، إحداها بتاريخ 1249/1833-34 م، كتبها أفراد مختلفين من غير إبراهيم وإبنه محمد خير، ولكنها تنتمي لجيل الثاني وليس الأول. . كذلك ليس هناك تنظيم ثابت للوثائق الفردية.
تشير الأدلة الظرفية إلى أنه ليس في أرشيف النضيفاب وثيقة سابقة للغزو التركي في 1820م. وهناك إزدهار للنخيل في إقليم الشايقية، فبالإضافة إلى مستندات تسجل بيع أشجار النخيل تظهر بوضوح تقريباً في كل دفعيات مهر العروس منْح حقوق في أشجار نخيل، هذا إلى جانب سجلات الميراث وسجل الأوقاف الدينية لأهل جزيرة أبورنات من جانب النضيفاب. وعلى سبيل الإستثناء، يبدو أمراً شاذاً للغاية أن لا تظهرأي إشارات إلى النخيل في وثائق المجموعة الأولى التي يمكن مقارنتها، بينما يمكن العثور على مرجع واحد فقط في المجموعة الثانية وثلاثة فقط في المجموعة الثالثة – وبعد ذلك أصبحت الإشارة إلى أشجار النخيل عديدة جداً. والتفسير المحتمل لذلك يكمن في حقيقة أن جيوش محمد علي باشا كانت تقتلع بشكل متكرر نخيل من يقاومونهم. وعلى الرغم من أنه ليس لدى هذا الكاتب ما يؤكد أنهم فعلوا ذلك تحديداً في إقليم الشايقية، إلا أنهم عُرفوا بتدميرهم لمحاصيل أخرى وذبحهم للبهائم وتحطيمهم للسواقي فأحدثوا بذلك عاماً من المجاعة. والغياب الفعلي لأشجار النخيل لعقد ونصف من أرشيف النضيفاب يشير بقوة أنهم فعلوا ذلك. هذا التفسير يعني أيضاً أن وثائق النضيفاب، حتى المبكرة جداً، لا بد قد أُنشئت بعد تدمير النخيل. لذلك من الممكن تصنيف تسلسل الوثائق في المجموعات الأولى والثانية والثالثة عبر الفترة من آخر سنة 1820 إلى سنة 1836. هذه الحجج الزمنية المطروحة هنا وثيقة الصلة بتحليل المفردات الأفريقية المفترضة في أرشيف النضيفاب لأنها كثيرة بوجه خاص في المجموعات الأولى والثانية والثالثة، وهي الوثائق التي عُقدت في وقت مبكر.

4
لغة الشايقية القديمة في السياق اللغوي
كان بعض الأفراد من الشايقية في القرن التاسع عشر يفضلون النظر إلى أنفسهم ليس بإعتبارهم سلالة عرب مهاجرين، ولكن كأفراد من مجتمع سوداني أصلي. هذا الرأي، والذي ربما كان لأقلية وقت تسجيله كما أنه غير مقبول تماماً الآن، إلا أنه يؤسس لسياق يمكن للمرء أن يباشر من خلاله فحص حوالي ثمانين من المفردات غير العربية والتي تظهر في أرشيف النضيفاب (مضافاً إليها بعض الكلمات سجلها هذا الباحث في منطقة تنقاسي في العام 1969/1970.) أدناه ملحق بسجل المفردات موضوع البحث.
يمكن تقسيم المفردات الأفريقية في أرشيف النضيفاب إلى عدة فئات، بعضها أسماء مدن أو قرى (مقاشي، تنقاسي، كورتي)، وهي ما زالت معروفة إلى اليوم، ومفردات أخرى متعلقة بالزراعة وحياة الزراعة؛ كذلك يمكن إستدلال معناهم ونطقهم المحتمل في وثائق النضيفاب من إستخدامهم الراهن (1969/1970) في المنطقة. وهذه بعض الأمثلة التوضيحية المختارة: ربما يخرج الرجل، مثلاً، إلى عمله لابساً جواري (قطن مغزول في المنزل) حاملاً كدنقا (طورية) وربما سفروقا (عصا) في حالة قابل أرنباً أو طائراً برياً في طريقه. وربما تأتي زوجته إلى الزراعة لابسةً كسكسيقا (قبعة من السعف مخروطة الشكل) وحاملة معها سلّوكا (عصا للحفر). وإذا كان محصول تمر الكوريقا أو السبيقا قد خرج (مَرَق، المترجم) (نضج) فربما يقضي الرجل يومه في حصاده؛ وإلا عمل كتربال (عامل زراعي) في حوض معزول بمَرين (حد) ويُسقى من جدول (قناة) ممتلىء من ساقية أغلب أجزائها (سبلوقا، كوديقا، إلخ) معروفة بأسماء أفريقية. وبنهاية اليوم، وإذا لم تكن هناك وليمة (كورا)، ربما يرجع الزوجان إلى مكانهم في المنزل ويسمى الدانقا، والذي يظل خالياً من القوارض بسبب كديسا (قطة) الأسرة. تنتشر هذه المفردات الزراعية في أرشيف النضيفاب وتظهر بنفس التكرار في وثائق جميع الفترات.
مجموعة كبيرة من هذه المفردات الأفريقية المفترضة تشتمل على أسماء أشخاص، وتظهر في سياقين متداخلين. في بعض الحالات إنتمى الإسم الأفريقي إلى فرد من الجزيرة في القرن التاسع عشر (الأرقاء مستبعدون) لديه وثيقة مكتوبة عن طريق النضيفاب، أو، وهذا هو الغالب، إنتمى الإسم الأفريقي إلى والد أو جد أو سلف لهذا الفرد. في حالات أخرى حدد الإسم الأفريقي قطعة الأرض أو مجموعات النخيل التي إستمدت تصنيفها في سجل الوثائق من الإسم الشخصي لمالك سابق. والأسماء الأفريقية كانت شائعة على وجه الخصوص في وثائق النضيفاب في العقود الثلاث الأولى من حكم المستعمر ثم أصبحت بصورة ملحوظة نادرة بشكل متزايد بعد العام 1850. الكمتري والكرادم حافظوا على التقاليد القديمة للأسرة أكثر من كثيرين، كما يبدو، لكنهم مستثنين في ذلك. بحلول العام 1900، وبإستثناء قلة من المدن الكبيرة والقرى، فقد تلاشت المسميات القديمة.
غالباً ما كانت تضاف أداة التعريف العربية (التمارقا) إلى الأسماء أو المصطلحات الأفريقية التي بقيت إلى ما بعد منتصف القرن، أو إخضاعها لأشكال جمع التكسير (كوارج)، أوأن تأتي ضمن صياغة تضم كلمة دالة على المعنى. وأحياناً تضاف بدقة علامات النطق المساعدة للقرّاء من الأجيال الجديدة ممن لم يعودوا ملمين بلهجة حديث آبائهم (ربما يرغب الطالب الحديث، في الواقع، لو أن ذلك قد تكرر كثيراً أكثر مما كان في السابق!) هذه شواهد صغيرة ومرئية لعملية لغوية شفاهية في أساسها وأكثر إتساعاً، والتي من خلالها، في غضون القرن التاسع عشر، هضمت اللغة العربية كما تحدث بها شايقية جزيرة أبورنات آخر الأسماء والمصطلحات التي قد وُرثت من التجربة التاريخية للمجتمع. وللنظر في تلك التجربة يمكن للمرء أن يستعين الآن بالإرشاد اللغوي.
يشكل إقليم الشايقية إلى جانب مدينة دنقلا الإمتداد النهري الرئيسي لمملكة المقرة في العصور الوسطى. لذلك يمكن أن نقتصد، بإتباع آدمز، ونفترض أن المفردات الأفريقية في أرشيف النضيفاب ربما بقايا لغة نوبية، تُسمى هنا بلغة الشايقية القديمة، جري التحدث بها في بلاد الشايقية قبل صعود اللغة العربية، وأن هذه العملية الأخيرة لم تكتمل تماماً مع حلول القرن التاسع عشر. هذه الفرضية تلقى بعض الدعم من وجود واضح غير مثير للجدل لمفردات نوبية مثل تربال، جدول، سلوكا، سبلوقا، كارج، جواري، كوريقا، سبيقا، وكوديقا، وذلك غير الأسماء الشخصية مثل نوبي وبربوري وربما أيضاً شموما، والتي يبدو رنّة أصواتها ليس فقط راجعة للقرون الوسطى ولكنها أيضاً رنة ملوكية. كذلك من الصعوبة أن تكون أسماء مركبة مع "تود" أو "كول" غير نوبية. وعلى الرغم من ثروة الأدلة المقارنة إلا أن مزيداً من التحليل يصبح عسيراً جداً بسبب خصوصية نظام الكتابة العربية والتي لا تنقل الفروق بين حروف العلة التي تحمل معاني في اللغة النوبية. فمثلاً حروف الواو والتاء والياء في وثائق النضيفاب قد تخفي على حد سواء معنى وتّي في النوبية (بمعنى سمكة) أو ويتّي (مجنون)؛ وحرفيْ جيم ولام قد تخفيان معنى جال في النوبية (بمعنى ينادي) أو جِلْ (عمل) أو جيل (يفكر) أو جول (يزيل) أو جَلْ (شجرة). لكن الدليل الأكثر إقناعاً بالخاصية النوبية للغة الشايقية القديمة يكمن ليس في حجم المفردات اللغوية ولكن في المعْلم الأثري المتبقي لبنيتها النحوية.
ليس في اللغة النوبية أداة تعريف أو نفيْ. فإذا أشرت إلى شئ ما وسألت بالنوبية عما يكون، تكون الإجابة عادةً في صيغة المفعول به معينة بأداة إلحاق. وأفضل دليل على الخاصية النوبية للغة الشايقية القديمة كما تبقت في وثائق النضيفاب تكمن في الإستخدام الشائع لأداة الإلحاق النوبية هذه وهي "قا" أو "كا" كما تشهد على ذلك مفردات مثل دانقا، تمرقا، كدنقا، سفروقا، كسكسيقا، كوريقا، سبلوقا، مكدناقا، سبيقا، سلوكا. وقد يلاحظ المرء أن الكلمات التي تنتهي بحرف القاف والكاف في العربية واللتان بغياب حروف الجر ربما تخفيان أمثلة أخرى مثل شايق وباداق وإرموق وشبيك وشلاّك. بالإضافة للكلمات الأفريقية التي تحمل هذه المقاطع بوضوح يمكن للمرء أن يلاحظ وجود مفردات عربية مثل تمرقا وسفروقا والتي جرى نوبنتها في السابق عن طريق الإستلاف لتسهيل إستخدامها الإصطلاحي في لغة غير العربية. من هذا المنظور، من السخرية أن نرى لفظة التمرقا تكتسب أداة التعريف العربية في وثائق النضيفاب في القرن التاسع عشر عندما تم تكييفها للإستخدام في العربية؛ هذه اللفظة المحدَثة شبيه بالصياغة الإنجليزية الركيكة لكلمة الكوران “the Alcoran” أو الصيغة الإسبانية الفصيحة “el arroz” (الأرز، المترجم.)
تتكون اللغة النوبية المعاصرة في وادي النيل من لغتين مترابطتين، أُشكِر(وتسمى أحياناً الكنزية أو الدنقلاوية) وتتحدث بها الغالبية العظمى من النوبيين القاطنين بين إقليم الشايقية والحدود اللغوية الفاصلة بين اللغتين النوبية والعربية المصرية. والثانية تسمى المحسية أو الفدجا ويتحدث بها القليل من النوبيين في المناطق المجاورة لكرمة. بسبب القرب الجغرافي والتفاعل التاريخي اللصيق شهدت هاتان اللغتان تجربة ممتدة من الإستلاف المتبادل للكلمات، لذلك من الأفضل تحديد البعد اللغوي بينهما من خلال مقارنة المعالم النحوية بدلاً من دراسة معجم الكلمات. إحدى هذه المعالم النحوية، والتي يمكن أن تؤخذ كتشخيص بغرض التصنيف، هو تفضيل اللغة المحسية لأداة الإلحاق "قا" أو "كا" بدلاً عن "قى" أو "كى" في أُشكِر، وعلى هذا الأساس يمكن للغة الشايقية القديمة أن تُنسب إلى المحسية بدلاً عن أُشكِر.

5
لغة الشايقية القديمة في السياق التاريخي
شكل توزيع اللغات النوبية المعاصرة في وادي النيل شيئاً من الحرج بالنسبة لمؤرخي السودان القديم. ذلك أن اللغة النوبية الكلاسيكية بإعتبارها اللغة المكتوبة في الممالك المسيحية في العصور الوسطى هي، خلافاً للمنطق وكل التوقعات، سلف اللغة المحسية وليس أُشكِر. لم يكن من السهل التوفيق بين التفسير التاريخي والحقيقة اللغوية؛ فتحت أي ظروف متصورة أمكن لقلة من متحدثي النوبية المحسية في ذلك الوقت أن يفرضوا لغتهم على العدد الكبير جداً من متحدثي أُشكِر؟ يرى الآثاري المعروف علي عثمان محمد صالح أنه ليس من إجابة مقنعة لهذا السؤال طالما إستمر الباحثون في تصورهم لنوبيا في العصور الوسطى على ضوء الحدود الجغرافية الحالية للغة النوبية في وادي النيل. وهذا الخيار للغة المحسية السلف بإعتبارها اللغة المكتوبة في العصر النوبي الوسيط يكون منطقياً فقط إذا إفترض المرء أن جماعات كثيرة تحدثت بها في ذلك الوقت أكثر مما هو جاري الآن، وأن هذا الثقل السكاني السابق والمعادل للأكثرية المتحدثة بأُشكِر في الوقت الراهن ينبغي البحث عنه خارج المجتمع المعاصر المتحدث بالنوبية، وهو ما يمكن تصوره بين الجماعات "العربية" المجاورة مثل الشايقية والذين تصفهم حتى الدراسات الإستشراقية التقليدية بأنهم "نوبيين مستعربين." وكما قال آدمز: "كل هذه الجماعات تحدثت لغة واحدة أو سلسلة لغات، أما إلى أي حد كانت هذه اللغات منتمية إلى أُشكِر أو المحسية يظل أمراً قابلاً للتخمين. عموماً، لقد إقترح علي عثمان أيضاً منهجاً يمكن للمرء عن طريقه أن يميز بالفعل بين المتحدثين السابقين بأُشكِر أوبالمحسية، وهو وجوب النظر في اللهجات السودانية العربية المحيطة والبحث في المفردات النوبية المتوقع وجودها وإحتفاظها بلاحقة أداة المفعول به والتي تطابق تقاليد هذه أو تلك من اللغات النوبية النيلية. لكن في غياب الأدلة المناسبة الداعمة لهذا المنهج، تظل آراء علي عثمان حتى الآن فرضيات محفزة في هذا الإتجاه.

6
تولّت هذه الدراسة تدعيم منظور آدمز تجاه تاريخ الشايقية قبل الإستعمار، وذلك من خلال تطبيق منهج مقترح من علي عثمان للبرهان على ذلك في شكل مفردات أفريقية محفوظة في أرشيف النضيفاب. الحجة الأكثر إقناعاً بأن المفردات غير العربية المتبقية في أرشيف النضيفاب عبارة عن آثار متبقية من لغة هي على وجه التحديد نوبية في أصلها، تكمن تحديداً في إحتفاظ هذه المفردات بلاحقة أداة المفعول به النوبية، وهي في الشكل الكلاسيكي، أي المحسي "قا" أو "كا"، في حين أن اللاحقة "قى" أو "كى" الخاصة بأُشكِر لا دليل عليها. ويمكن للمرء أن يقترح بأنه قبل صعود اللغة العربية وسط الشايقية تحدث هذا المجتمع لغة أفريقية تسمى هنا "لغة الشايقية القديمة"، وأن هذه اللغة كانت نوبية وأنها شكل من النوبية أكثر إرتباطاً بالنوبية الكلاسيكية أو المحسية المعاصرة وليس بأُشكِر.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.