06 يونيو 2020

"الصِّيحْ كَمَا حَلَّ الكِضِب ما بِحِلْ"
(مثل شعبي سوداني)

حتى لا ننسى لابد من والوقوف، كل عام، في ذكرى مذبحة القيادة إجلالاً للشهداء الشباب، الأبطال الحقيقيين للثورة السودانية. والقيادة هي القيادة العامة للجيش السوداني في الخرطوم حيث حدثت أمامها المذبحة في صباح الثالث من يونيو 2019م، في نهاية شهر رمضان من ذلك العام. والحديث عن المذبحة بتفصيل أمرٌ هام، فيما نرى، لما لها من دلالاتٍ عميقة عن العِلل (البنيوية) في الجسد السياسي السوداني والذي لن يتعافى دون عمل مضني ودؤوب على المدى الطويل. الحديث عن المذبحة وتشريح أسبابها ودوافعها يمليه الواجب الوطني في المقام الأول على كل من يحمل رسالة القلم. بل هو أقل ما يمكن تقديمه، على المستوى الإنساني والأخلاقي، لأرواح من قُتلوا فيها من شبابنا بتدبيرٍ آثم تمّ الإعداد له بترصدٍ تام وإصرارٍ مسبق. قتلوا مئات الثوار الشباب بدمٍ بارد على مرأى ومسمع القيادة العامة للجيش السوداني؛ ثم اغتصبوا وعذبوا المئات جسدياً ونفسياً. هذه حقائق موثقة. كل هذا تمًّ أمام بوابة قيادة الجيش الرئيسية دون أن يُقْدٍم هذا الجيش العملاق على حمايتهم. بل قدموا لنا صورة لضابط أعزل يبكي بحرقة أمام الكاميرا؛ يا له من بطل!

قالوا بعد المذبحة إنهم قصدوا تنظيف أوكار الجريمة في كولومبيا. فهل فعلا كان المقصود هو إخلاء منطقة كولومبيا، علي ضفة النيل الأزرق، وتنظيفها من المجرمين ولكن "حدث ما حدث" بخطأ غير مقصود يتم الآن تحقيق جنائي عنه؟ وهل من اجتمعوا في ليل الخامس والعشرين من شهر مايو الذي سبق المذبحة بأقل من أسبوعين، من قادة الجيش واللجنة الأمنية ومن معهم من المدنيين، قد خطّطوا وقرروا في أمر كولومبيا فقط أم امتدَّ نقاشهم لأمر آخر يتعدى ذلك؟ الى أن يقف الناس على الإجابة القاطعة والشافية على هذه الأسئلة المحورية فلابد من الطرق على هذا الباب دون توقف. وحتى إذا افترضنا، جدلاً، إنهم صادقون وأن الأمر كان كولومبيا ولا شئ سواها، فلماذا إذن تزامن الهجوم على المعتصمين في الساعات الأولى من ذات الصباح في كل مدن السودان الأخرى، علماً بأن كولومبيا هذه لا توجد إلا في الخرطوم؟ فما هي الحقيقة عارية دون رتوش؟ مذبحة القيادة العامة، يا سادة، جريمة كاملة الأركان مع سبق الإصرار والترصد. فكل القرائن تشير الى إنه تمَّ الإعداد لها إعداداً كاملاً وتمَّ التخطيط لها تخطيطاً مسبقاً اشثمل على مشاورات مع قوى سياسية متواطئة في الداخل وزيارات في الخارج. فلماذا أخافهم الاعتصام السلمي بكل ما حمله من سلمية ومعاني إنسانية نبيلة؟

جاء في مقال د. النور حمد بالأمس بعنوان "ما وراء فض الاعتصام" قوله عن اعتصام القيادة العامة : " ------ استجمع السودانيون في ساحة الاعتصام فضائلهم التاريخية من كرم وشهامة ونخوة وأمانة وتعاون وأخوة صادقة لا تفرق بين غني وفقير، ولا بين وجيهٍ وخاملِ ذكر. قدم السودانيون في ساحة الاعتصام أكبر عرض عرفه التاريخ لفضائل هذه الأمة نادرة الشبيه. في هذا المعرض الرباني السماوي، الذي جرى في الهواء الطلق، تقزَّم التدين الكاذب المستورد، الذي عاش نفاقًا على "هي لله"، وبرز التدين الصوفي السوداني الأصيل. أقيمت في ساحة الاعتصام صلواتٌ جماعية حاشدة، لم يحدث لها شبيه، ولا في الثورة المهدية. وكان الأكثر إيلامًا لهم، إن أبناءهم وبناتهم نفضوا منهم أيديهم، وانضموا بفطرتهم السليمة التي لم تنمسخ، إلى المسيرة القاصدة نحو الحق والعدل والخير والجمال" انتهى هذا وصف دقيق لما أبرزه هذا الحدث التاريخي الفريد من جمال خصالنا السودانية الأصيلة التي ميزت الإنسان السوداني بين الأمم. لكنهم، مع ذلك، رأوا فيه ما أخافهم حد الرعب. فمن ماذا يخافون؟!

لقد طال أمد (العنف المؤسسي) الذي مارسته الدولة السودانية، عبر تاريخها، على مواطنيها الأُصلاء؛ أهل هذه الأرض وما عليها من لَدُن آدم. فما حدث عبر الحِقَب، في جنوب السودان حتى تمّ إنفصاله عن الوطن الأُم، وفي دارفور والنيل الأزرق وجنوب كردفان من فظائع يقف دليلاً على ما نقول. ولكي يكتمل البرء من هذا الداء العُضال لابد من تشريحٍ تام ودقيق له واستئصاله تماما من جسد السياسة السودانية ً قبل المضي في طريق التحول الديمقراطي المبني على حكم القانون. أما محاولات الالتفاف الفطير على الحقائق الدامغة بشأنه فهي دفنٌ للرؤوس في الرمال!!

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.