كم أنت رائع وعظيم أيها الأفريقي!، شاهدت اليوم حفل تأبين ووداع جورج فلويد، الأمريكي من أصل أفريقي الذي دهسته ركبة الشرطي الأبيض حتى الموت، إنّه مشهد يهز كيان الحجر الأصم، إصرار وعزيمة وقوة وعزة وكرامة شعب لم يهزم على مر العصور والأزمان، كلمات المحامي بنجامين كرمب التي وصفت نهاية جورج فلويد أبكت الجميع، وحديثه عن فلويد رب الأسرة السعيدة التي غدرها صاحب البقالة المأفون، ذلك الوافد إلى أرض ليست بأرضه هارباً هروباً جباناً عن ترابه الذي أحتله الآخرون، كان حديث القانوني الخبير ببواطن أمور البلاد التي يعرفها وتعرفه، لقد قدمت مجتمعات السود الأمريكان محاضرةً بليغة لشعوب العالم وهي تشاهد تأبين واحد من أبنائها بطريقتها الملوكية الفخيمة.
أما المدهش فهو خطاب السيد ألفريد الشارتون الناشط السياسي ومرشح الرئاسة الأمريكية الأسبق، الرجل الحليم والبليغ العبارة والأنيق المظهر والشجاع، والصريح في رسالته الموجهة بكل دقة وعناية إلى الشعب الأمريكي ومؤسساته، لقد تمحور خطابه حول نقطة مركزية قصم بها ظهر الافتراءات البيضاء، حين قال موجهاً رسالته للنظام الامريكي: أنكم أطلقتم الحريات ولكن لم ترفعوا ركبتكم عن رقابنا، لذلك مجتمعنا ما زال يرفل تحت سطوة المعاناة، وهو يقصد بذلك أن العدالة الامريكية الزائفة ما هي إلا حبر على ورق، طالما مسلسل قتل السود مستمر ولم يتوقف، وأن تفوق أطفال السود في المدارس و في مجالات الرياضة والفن، يظل محبوساً وملجوماً مادامت ركبة الرجل الأبيض كاتمة على أنفاس ورقاب السود.
تعرض ألفريد الشارتون لصيحات فلويد وهو يستنجد بأمه من سطوة ركبة الرجل الأبيض الخانقة، فوصفها بأنها مصدر الإلهام واستشهد بها على نفسه، و(ألفريد) بالمناسبة هو رجل في عقده السابع، فقال أنه وحينما تدلهم حوله الخطوب لا يستذكر سوى أمه، لأنها هي التي تضع له الطعام على المائدة وتنده عليه وهو مايزال يافعاً، لقد تأسف ألفريد الشارتون على السؤال الذي وجهه للمحامي كرمب، عندما رد عليه الأخير أن آخر الكلمات التي نطق بها فلويد هي ذكره لاسم أمه، وأن الشارتون أكتشف فيما بعد أن والدة فلويد قد توفاها الله قبل أيام قلائل من مقتل ابنها فلويد على ركبة اليانكي، لقد أدمعت عينا الناشط السياسي ألفريد عندما علم بالحقيقة.
قدم هذا الناشط السياسي العجوز محاضرةً قيّمة حول انتصار ثورة المظلومين في ربوع الدنيا، عندما استبشر خيراً بمراهقة زنجية اقتلعت منه معطفه، وهو السياسي المخضرم والمشهور والمعروف في أوساط الآفرو أمريكان، بينما كان يحاول اقتحام إحدى التظاهرات الغاضبة على مقتل فلويد، حينها قالت له تلك الصغيرة (لاسلام بلاعدالة)، وهي كانت تعني ما تقول، أي أنهم كمجتع آفرو أمريكي لن يتعاملوا بالسلم إذا لم تتحقق العدالة، ولا يفوتني هنا أن أذكر ثورية إحدى الشابات الزنجيات اليافعات التي لم يتجاوز عمرها الرابعة عشر، وهي تطلق حيدثاً نارياً ثائراً وتخرج الكلمات من ثغرها كالحمم البركانية المتميزة من الغيظ, في إيجاز ومختصر مفيد أفحم أساطين اللغة الإنجليزية حين قالت هذه الصغيرة موجهة رسالتها للعنصرين البيض قائلةً:(عندما توجهون سهام اتهاماتكم لنا بجريرة ممارسة العنف ضدكم يجب عليكم أن تعلموا أنكم أنتم من بدأ هذا العنف).
أقوى وأنبل رسالة بعث بها ألفريد للحضور هي طلبه من الجميع في ختام تلك الاحتفالية الباكية، للوقوف لحظات صمت عدها عداً وحسبها حساباً وحصرها في ثمانية دقائق ونيف، وعندما احتج بعض الحضور المجاملون وأرسلوا له الرسائل عبر الوسائط بأن هذا وقتاً طويلاً: رد عليهم العجوز الحكيم والبصير بأن فلويد ظل حبيس الأنفاس لمدة تجاوزت الدقائق الثمانية، فهل تبخلون على روحه بمجرد الوقوف مدة زمنية لا تتعدى بضع من تلك الدقائق، التي قضاها جورج وهو ينازع غريزة البقاء ما بين الحياة والموت؟، فاستسلم الجميع لطلب النبيل ألفريد وأصيبوا بالحسرة والخجل والحياء لما بادروا به من موقف مخزٍ وجالبٍ للعار، وختمت الموسيقى الأفريقية الحزينة حفل الوداع الأخير للشهيد فلويد في معزوفة غاية في التأثير على الوجدان الإنساني الفطري المبرأ من ملوثات اغراض الدنيا.
لقد مثلت إحتفالية اليوم خلاصة الإرث الحضاري الذي جاء به الأمريكان السود إلى الدنيا الجديدة (أمريكا الشمالية)، ففي الوقت الذي ذابت فيه كل الثقافات الأصلية للقارة الهندية الحمراء التي احتلها أمريكو فاسبوتشي، وانصهرت في بوتقة المحددات الحضارية الانجلو ساكسونية، لم تتماهى الروح الأفريقية مع الظلم الانجلوساكسوني ولم تستسلم له، وقاومته برغم قلة العدد إلى أن سجلت الانتصار تلو الانتصار الذي ختمت حلقاته بالأنتصار الأكبر الذي حاز عليه جورج فلويد.

إسماعيل عبد الله
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.