في نبرة حاسمة قال لي مدير مدرستنا المهاب ونحن في درس من الدروس بالفصل الثالث بالثانوي العام (المتوسطة فيما بعد) لا تقل السُّفُن (بضم الفاء) لأن السفينة لا تشتهي بل قل يشتهي السَّفِن بفتح السين وكسر الفاء، وهم أصحاب السفينة. وذلك تعليقا على استشهادي بقول المتنبي:

مــا كلُّ مــا يتمنّى المــرءُ يــدركُــهُ
تجري الرياحُ بما لا تشتهي السّفُنُ

ومع قناعتي التامة بصحة روايتي لقول المتنبي وإيماني القائم على الحس اللغوي فقط في تلك المرحلة المبكرة بأن السفينة يمكن أن تشتهي، إلا أنني لذت بالصمت امتثالاً لأمر أستاذنا ومدير مدرستنا المهاب. وأصدقكم القول إنني شعرت في ذلك الوقت، بيني وبين نفسي، بشىء من السخرية من حجة أستاذنا الجليل لشعور غريزي يتملكني بصحة مثل هذا التعبير في اللغة، ولذلك لم أعطِ اعتراضه أهمية ونسيت الموضوع.
وبعد دخولنا المرحلة الثانوية العليا درسنا البلاغة العريية لأول مرة بالفصل الأول، فتأكد لي صحة روايتي لقول المتنبي، وعرفت لماذا قال الشاعر: "تشتهي السفُنُ".
ومع ذلك قرأت وسمعت، فيما بعد، أكثر من مرة ذات الحجة، حجة أستاذنا بالمرحلة المتوسطة وهي الزعم بأنه لكي يستقيم المعنى لا بد أن تقول: "يشتهي السَّفِن، وليس: تشتهي السفُن، لأن السفينة لا تشتهي". ولا أدري المصدر التعليمي لهذا الاعتراض!!
والحقيقة الرد على هذه الحجة بسيط جدا ولا يحتاج إلى تفكير أو كثير عناء، وهو إن إسناد فعل العاقل لغير العاقل أو مخاطبة غير العاقل مخاطبة العاقل، من البدهيات التي تتأسس عليها طبيعة اللغة ويقوم عليها عملها وأداء وظيفتها في الكلام والتعبير، ليس في الأدب والشعر وحسب، بل وفي لغة التخاطب والتواصل اليومي.
خذ مثلا قولنا في لغة الكلام اليومي: "يا أخي الوقت دا مالو ما داير يمشي". والواقع إن الوقت لا يريد ولا يمشي، إنما الإرادة والمشي من صفات الإنسان والكائن الحي. ونقول أيضا على سبيل المثال: "الباب أبى يفتح". أبى بمعنى رفض وامتنع وهي فصيحة. والباب لا يأبى لأنه لا إرادة ولا عقل له، وإنما الذي يأبى الإنسان.
ومثل هذا الأسلوب التعبيري في اللغة يسمى في علم البلاغة المجاز. والمجاز من التجاوز أي مجاوزة الاستعمال الحقيقي والحرفي الذي وضعت له كلمات اللغة إلى استعمال افتراضي (مجازي) غير مقصود في ذاته.
ويعرِّف البلاغيون المجاز اللغوي بأنه: "استعمال اللفظ في غير ما وضع له لعلاقة، مع قرينة مانعة من إرادة المعنى الحقيقي، والعلاقة بين المعنى الحقيقي والمعنى المجازي قد تكون المشابهة، وقد تكون غيرها، والقرينة قد تكون لفظية أو حالية".
فقول المتنبي: "تشتهي السفُن" استعمل فيه لفظ الاشتهاء في غير ما وضع له وذلك لعلاقة المشابهة أي أنه شبَّه السفينة بالإنسان الذي يشتهي وذلك على سبيل المجاز والقرينة المانعة من إرادة المعنى الحقيقي للإشتهاء لفظية وهي السفينة لأنها شىء غير عاقل.
والاستعمال المجازي للغة هو عماد التعبير الأدبي والشعري وذلك بغية التصوير والتجسيد والتشخيص ويكون ذلك بالاستعمال المجازى غير الحقيقي لمعاني اللغة. ففي قصيدة أخرى يقول المتنبي:

فإن أمرض فما مرضَ اصطباري
وإنْ أُحْــمَمْ فما حــمَّ اعتـــزامـــي

والصبر لا يمرض والعزيمة لا تصاب بالحمي لكنه التعبير المجازي بغرض التصوير والتشخيص لإحداث التأثير الجمالي والبلاغي في نفس المتلقي. وقال شاعر آخر:

بلادي وإنْ جارتْ عليَّ عزيزةٌ
وقومي وإنْ ضنوا عليَّ كـــرامُ

استعمل الشاعر الجور هنا بمعنى الظلم، استعمالا مجازيا لعلاقة المشابهة أي تشبيه البلاد بالانسان الجائر والقرينة المانعة من إرادة المعني الحقيقي للجور والظلم، لفظية، وهي كلمة "بلادي".
ويعد المجاز أبرز سمات الأسلوب القرآني. فالقرآن بما أنه ينحو إلى الإعجاز اللغوي فإنه يكثر من التصوير البياني من خلال توظيف المجاز والصور البلاغية الأخرى. ومن ذلك على سبيل المثال لا الحصر، قوله تعالى: (فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما فوجدا فيها جداراً يريد أن ينقض فأقامه قال لو شئت لتّخذت عليه أجراً) – الكهف، الآية 77. جعل للجدار إرادة. مجاز لغوي، والعلاقة المشابهة والقرينة المانعة من إرادة المعنى الحقيقي للإرادة لفظية وهي الجدار.
وقوله تعالى في تصوير نار جهنم: (تكاد تميز من الغيظ كلما أُلقيَّ فيها فوجٌ سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير)- الملك، الآية 8. جعل النار تشطاط غضباً وتتمزق غيظا على الكفار.
وقوله تعالى على لسان أخوة يوسف لأبيهم: (وأسال القرية التي كنا فيها) – يوسف، الآية 82 والمعنى: أسأل أهل القرية، وذلك علي سبيل المجاز المرسل. والمجاز المرسل: "كلمة استعملت في غير معناها الأصلي لعلاقة غير المشابهة مع قرينة مانعة من إرادة المعنى الأصلي". والعلاقة بين المعني المجازي والمعنى الأصلي في قوله "أسال القرية" هي المحلية. فقد استعمل كلمة القرية (المحل) وأراد أهلها.
هذا وكان بيت المتنبي موضوع المناقشة قد ورد بقصيدة كتبها وهو بمصر وقد بلغه أن قوماً بحلب نعوه، بمجلس سيف الدولة الذي كان قد هجره مغاضبا واتصل بكافور. يقول في القصيدة:

بــمَ التعللُ لا أهــلٌ ولا وطـــنُ
ولا نديــمٌ ولا كأسٌ ولا ســكـنُ
أريدُ مِن زمني ذا أن يبلغني
ما ليس يبلغه من نفسه الزمنُ
ما كل مــا يتمنّي المــرءُ يدركُـــهُ
تجري الرياح بما لا تشتهي السفُنُ

والقصيدة مناجاة ذاتية ملئية بالشجن وأشواق الروح، لم ينشدها كافوراً. وقوله: "أريد من زمني ذا أن يبلغني ما ليس يبلغه من نفسه الزمنُ" يعد من الوثبات الفكرية والومضات الفلسفية التي تتخلل شعر المتنبي والتي تتجاوز راهنيتها لتعانق الإنسان المشرئب أبدا إلى تجاوز المستحيل في كل زمان ومكان. وانظر إلى قوله في قصيدة أخرى:

فما حـاولتُ في أرضٍ مقامــاً ولا أزمعتُ عن أرضٍ زَوالا
علــى قـلقٍ كأنَّ الــــرّيحَ تحـــتي أُوَجّـــههــــا جَـــنُوباً أو شَــــمالا

وهذا القلق إحساس مبهم فهو ليس نتاج خوف من شيء بعينه: عقاب أو أذى أو مرض أو فقر، كما أنه ليس مطمعاً في مال أو جاه، وإنما قلق (وجودي) مرتبط بالوعي بمأساة الوجود الإنساني. وهذا الوعي الحاد بالصيرورة الزمنية من أبرز سمات شعر المتنبي. وبسبب هذا القلق كان المتنبي كثير الأسفار والترحال فلا يستقر على حال. يقول في ذلك عن ذاته:

تغّربَ لا مستعظماً غيرَ نفسِه ولا قابــــلاً إلا لخــــالقـــــــِه حـُــكمـــا
ولا ســــالكاً إلا فؤادَ عجـــــــاجةٍ ولا واجـــــــداً إلا لمــكــــرمــــةٍ طَعــمــا
يقولونَ ما أنتَ في كل بلـــدةٍ وما تبتغي ما أبتغي جلَّ أن يُسْمى

قوله: "ما أبتغي جلَّ أن يُسْمى" أي يصعب بلوغه والسمو إليه. ويخطئ من يظن أن كل ما يبتغيه المال والجاه والمُلك، وإن صرح بذلك في شعره. فمن يختصر المتنبي في وصفه شاعراً مداحاً فقط، فقد فاته من الشعر العظيم الكثير.
ثم انظر إلى قوله: "ولا سالكاً إلا فؤادَ عجاجةٍ". إنه العيش في خطر. والعيش في خطر (ثيمة) مركزية في الفلسفة الوجودية. والخطر هنا ليس الخطر المادي، بالضرورة، وإنما خطر استشعار الصيرورة والاحساس بوطأة الزمن والرغبة في مغالبته والخروج على سلطانه.


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.