عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

حسب مصادر عديدة، هناك أكثر من 50 مجموعة قبليَّة نوباويَّة في جبال النُّوبة تتحدَّث 10 مجموعات لغويَّة أو لهجات مختلفة لا يسمح المجال هنا للتفصيل فيها وهي: مجموعة الأجانق، وأما، (النيمانج)؛ كتلا وأُرونقي (تيمين) في الشمال. أما في الشمال الغربي والوسط إلى أقصى الجنوب في كروندي بالقرب من الليري نجد مجموعة تُلُسي – كرونقو. الجدير بالذكر أنَّ المسافة من تُلُسي إلى كروندي تبلغ 180 ميلاً. وفي الشرق وشمال شرق مجموعة تقلي، والكواليب وهيبان، والمورو، والتيرا، إلخ... والتي تعتبر هي الأخرى ثاني أكبر مجموعة لغويَّة في جبال النُّوبة.. وإلى الجنوب مجموعة تلودي، واللافوفا والداجو. ومن هذا التعدُّد القبلي والتباين اللغوي تأتي الإشارة إلى أنَّ لكل جبل قبيلة أو عشيرة قبليَّة، وأنَّ لها لغتها أو لهجتها الخاصة بها.
فعن الاختلاف اللغوي قد لا يفهم رجل يتحدَّث لغة قبيلة معينة، ما يقوله رجلٌ آخر يتكلم لغة قبيلة أخرى في نفس الجبل أو جبلين قريبين من بعضهما البعض. أي بمعنى آخر، يمكن أن تجد جبالاً بعيدة عن بعضها ولكن يتحدَّث أفرادها نفس اللغة، والعكس صحيح. فإذا أخذنا مثلاً قبيلتي الدلنج والأما. هاتان القبيلتان متقابلتان وقريبتين عن بعضهما بمسافة أقل من 10 أميال تقريباً، ولكن نجدهما تتحدَّثان لغتين مختلفتين، بينما تتكلَّم قبيلة والي التي تقع على الجانب الآخر من الأما نفس لغة قبيلة الدلنج البعيدة عنها. أما قبيلة أورونقي أي تيمين وقبيلة الأنشو مورونج فتتحدَّثان لغتين مختلفتين مع أنَّهما تعيشان في نفس المنطقة جنباً إلى جنب إلى درجة الاندماج والتزاوج بينهما بالمصاهرة.
كما ذكرنا في مقال سابق، فإنَّ أفراد مجموعة كاقولو التي تعتبر أكبر مجموعة لغويَّة عدداً ومساحة في جبال النُّوبة، يتحدَّثون نفس اللغة ولكن بلهجات مختلفة اختلافاً طفيفاً في النطق أو في مخارج الحروف أو سرعة المخاطبة إلخ.... وعلى الرغم من هذا التباعد والتقارب المكاني واللغوي، إلا أنَّهم اختاروا الإثنية النُّوباويَّة رمزاً لهم، وأنَّ رابطة الأخوة بينهم، والتي نشأت من العلاقات الاجتماعيَّة والثقافيَّة، ضاعفت من قوة التعاضد بينها كونهم يواجهون مصيراً مشتركاً. وبحكم أنَّ الحقوق اللغويَّة جزءاً أساسيَّاً من الحقوق الإنسانيَّة العامة التي ينبغي المحافظة عليها بتطوير اللغات المحليَّة وحمايتها ضد التقليص والانقراض كلية، يسعى النُّوبة من خلال تنظيماتهم المدنيَّة لتدريس هذه اللغات.
وقد نشطت تلك التنظيمات خلال فترة السلام النسبي الذي عم السُّودان بعد اتفاقية السلام الشامل عام 2005م، في إرساء القواعد الأساسيَّة لإحياء اللغات المحليَّة في الخرطوم (بأمبدة في أم درمان) وساهمت في كتابة بعضها. ولكن توقَّفت تلك الجهود بعد الحرب الثانيَّة في 6 يونيو 2011م. الجدير بالذكر أنَّ الحركة الشعبيَّة في برنامجها السياسي تؤكد أهميَّة تطوير وتنميَّة اللغات المحليَّة الأصلية للسُّودانيين. بيد أنَّ قبيلة تُلسي النُّوباويَّة استطاعت كتابة لغتها وتم تدشين الكتاب الخاص بها في العام المنصرم. بالإضافة إلى هذا فقد تمت كتابة لغتي كاتشا والمورو اللتين يتم استخدامهما حاليَّاً في صلواتهم، وهذا على سبيل المثال لا الحصر. وفي شمال السُّودان فقد نجح النُّوبيون في تثبيت وتمكين لغتهم الأصليَّة تحدثاً وكتابة، وقراءة.
على أية حال، لا بد من وجود حاضنة سياسيَّة بجانب عمل المنظمات المدنيَّة لتثبيت هذه الحقوق والعمل الجاد لإدخال المطالبة بها في الدستور الدائم للبلاد، وأنَّه من المهم اعتبارها من عناصر المبادىء فوق الدستوريَّة التي تنادي الحركة الشعبيَّة لتحرير السُّودان – شمال عند كتابة الدستور القادم للبلاد كآلية من آليات تحقيق السلام المستدام في سودان المستقبل. بيد أنَّ التعدُّد اللساني في السُّودان ليس بالمشكلة، ولكن المشكلة الرئيسيَّة تكمن في سوء إدارة التنوُّع اللغوي وعدم الاعتراف به. وعلى الرغم من التعقيد والتنوُّع اللغوي في جبال النُّوبة إلا أنَّ هذا يمثِّل العبقرية المتجذِّرة في جبالهم وسهولها ووديانها.
يبقى أن نذكِّر القارىء الكريم أنَّ هذه السلسلة من المقالات عبارة عن أجزاء من فصلٍ في كتابٍ لنا عن "الفكي علي الميراوي" سيصدر قريباً إن شاء الله، فضلاً عن أنَّ تفاصيل لغات النُّوبة قد وردت في كتابنا بعنوان "مدخل لدراسة قبيلة دميك، الحياة الاجتماعيَّة، والثقافيَّة والدينيَّة، جبال النُّوبة – السُّودان، مطابع (إم. بي. جي)، لندن، 2015م، والذي ستصدر الطبعة الثانية منه قبل نهاية هذا العام بإذن الله. في المقال القادم والأخير في سلسلة عبقرية جبال النُّوبة، سوف نتناول الموروث الديني في المنطقة.

///////////////////////