الفاشر تحولت الي مقبرة كبيرة تلحد كل يوم في بطنها عبقري وفكرة ولم يترك الوباء داراً ولاحارة الا وزارها فجائحة كرونا تدخل عليهم صباحا ومساء وحين يضعون ثيابهم من الظهيرة ولا احد يدري من يدفن من وعلي من تنشب المنية اظفارها، وحده الموت يخطف من يريد من الرجال والنساء والاطفال والشيوخ. الكل يرتعد من هول مايحدث فلم يعد للبكاء قيمة ولا للعويل فائدة، فكثرة البكاء علي الاحباب افقدتهم قيمة الحزن والصبر، الابن يدفن جده والاب يواري جثمان ابنه وثلاثتهم قد لايجدون من يواري سوءاتهم.
دخلت الداخلة احياء الفاشر وانتاش سهم منيتها اهل تمباسي، وبرنجية، وزحفت الي حي العظمة، ودادنقا وتمددت في امان التداخل بين مكركا، وشباب النيل ولحقت اذرعها الرديف، والحملة، ورفست باقدامها احياء الوحدة ، وحي المعهد، ومصر الجوامعة ، وعضت بانيابها الوكالة ، والهوارة، وشوبا ، ولم تعصمهاالتجانية المحروسة ، وقبضت قبضة اخري علي حي المجمع، والثانوية، والواحية، وديم سلك، والزيادية، والقبة، وخور سيال ثم تمطي باهداب المدينة وماكذب الفؤاد مارأي . ولم يسلم من الجائجة اولاد الريف، والحملة، ثم طارت ونزلت في جامعة الفاشر وتوطنت بها.
وفي ليلة طامسة الانجم تسلل الموت الي قصر السلطان (علي ود زكريا أدَّاب العاصي ) بين حراب الجند والخيل المسومة وولغت في حدائق المنصورة وصافيات ولم تترك بها رطبا ولا عنب ، وبخطيً وئيدة اتجه جنوبا الي شنقل طوباي ونصب مهرجانا ضخما للابادة، سخر له ماتبقى من غضبته وصاح في الضحايا من لم يمت بدائي وهرب لاحقته في قارعة الطريق، فترك خمسين جثة في العراء واكثر من سبعين مابين جريح ومكسور واخر مخنوق تحت الانقاض يحتضر.
ثم غضبت الجائدة غضبة اخري وعادت مسرعة، وفرشت لها المدينة المطارق والحشايا فعافتها واثرت المبيت في عظام امكدادة، وأخذت ساداتها وكبرائها وتركت بقايا الضحايا في أسرتهم، ريثما يستوون، ثم تعود لتجهز عليهم.
وطارت مرة اخري واعادت الكرة علي قصر السلطان ، ووقفت في بوابة القصر وفي تحدي سافر تنادي باعلى صوتها وتقول هل من مزيد ؟.
كنت قد اجريت مكالمة هاتفية مع احد الصحفيين بالفاشر معزيا له في اعزاء واحباب تربطنا بهم اواصر القربة الوشيجة، حدثني بصوت مفعم بالحزن وقال لي "إن مدينة الفاشر هي فسطاط اهل دارفور، وتقطنها اكبر كتلة حضرية تتفاعل فيما بينها وتتلاشي مسافات التلاقي، وتنعدم فيها الخطوط، ففيها يتداخل العام والخاص، المجتمع فيها بتحرك تجاه بعضه البعض بعفوية، متساوين في السراء والضراء. فمنذ ظهور هذه الجائحة ظلوا يتواصلون ويتفقدون احوال بعضهم مخافة ان يوصموا بالجفوة ، وهم يعلمون ان المريض الذين يزورونه مصاب بهذه الجائحة لكنهم يخشون اللوم، واتهامهم بالتقصيرعن مجاملة الاخرين، فالكل يجامل وان أدى ذلك إلى الممجازفة بحياتهم، والحديث لمحدثي "اننا نحمل الجثمان الي مثواه الاخير وعند انتهاء مراسم الدفن يصيح احد اقرباء المتوفي ويشكر الجميع علي تاديتهم لهذا الواجب، ويقول لهم "نحن ليس لدينا ماتم ولكن اليوم لدينا ختمة للقران بدار المرحوم، فمن استطاع منكم فليشاركنا، وإلا فله العذر وظروف الوباء معروفة ولك ياخي ان تتصور حجم الماساة والكارثة التي المت بنا".
اهل الميت في المدينة يجهزون موتاهم بايديهم، وليست لديهم ألبسة واقية، ولا كمامات، ولا مواد مطهرة، اللهم إلاقطع القماش التي تستخدم في غسل الميت. انعدمت الدمورية في الاسواق، ومعظم الموتي يتم تكفونهم ببعض الثياب القديمة وهي نفس ثيابة التي كان يستخدمونها في حياتهم .
تنهد محدثي وواصل في حديثة موضحا ان بداية الكارثة يعود تاريخها الي بداية اجتياح الجائحة للخرطوم، وبعيد اعلان الحجر، تسللت مجموعات الي الفاشر عبر سيارات التهريب، فرغم ضوابط الحظر، إلا إنهم كسروا الحاجز، واستطاع الذين يعملون في التهريب، ان يتجاوزوا الحدود، ووصلوا الي المدينة وتفرقوا فيها ايدي سبأ. صحيح انهم عادوا لحضن امهاتهم يحملون لهن الخبر ولكن في معيتهم الفايروس، وبدأت القصة، واستمرت الحياة، والناس يتابعون اخبار الفايروس، واجتياحه لاوربا ، وامريكا بين مكذب ومصدق، حتي رأؤه حقيقة ماثلة امامهم ، حيث تمكن من المدينة ودب في اوصالها وكانت المأساة التي نعيشها الان.
قلت له اين الدولة؟ أين الحكومة؟ ماهودور السلطات الصحية؟ ماهو دوركم انتم كلجان مقاومة؟ اين الاعلام مايجري؟ قال محدثي "إن الحكومة في الولايةً فقيرة الامكانات، ووزارة الصحة حتي كوادرها الطبية تعاني من نقص حاد في أدوات الحماية، وهم الذين يقع عليهم عب‘ معالجة المصابين ومساعدتهم، كيف يعالج الطبيب مصابا يمكن ان ينقل اليه العدوي وهو اعزل من الألبسة الواقية او المعقمة؟ برغم ذلك تقدم الجيش الأبيض وتعامل مع الاحداث باخلاقيات ومهنية رفيعة، ولكن الازمة تفاقمت بسبب قلة الامكانات".
سألته: ماهي الحلول؟ لم يتردد وقال بملء فيه "نحن نريد ان تتدخل السلطة لتطبيق الحجر بالقوة حتي ان دعت الضرورة إلى تطبيقه بقوة واعتساف، ثم نطالب حكومة المركز ووزارة الصحة ان تعيينا بمعدات الوقاية والحماية، ليس للمرضي، او المصابين، بل للكوادر الصحية، الذين هم فصيل المعركة المصادم. فقط هذه طلباتنا وبدونها ستتحول مدينة الفاشر الي مدينة اشباح، فالموت اناخ رحله فينا وتوطن واصبح ضيفا ثقيلا لا يحتمل احدا إقامته ثم تنفس الصعداء وقبل ان يودعني قال (الموت في مفتاح شقتنا وفي فنجان قهوتنا وفي ازهار شرفتنا) باريس

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.