جلال مساعد طبي متمرس يعمل بأحد المراكز الصحية باحدي القري الكبيرة، تعود في عطلة نهاية الأسبوع بأن يتزود ببعض الأدوية الأساسية التي يحتاجها سكان القري المجاورة لعلاج بعض الأمراض المنتشرة بها مثل الملاريا والدسنتاريا والالتهابات الرئوية. فتجد عنده حبوب وحقن الملاريا ، حقن البنسلين ، حبوب السلفا والفلاجيل وكبسولات التتراسيكلين. إضافة إلي بعض المطهرات (كاليود) ، الشاش والقطن الطبي وبعض المعدات الجراحية البسيطة حيث يقوم أحيانا بختان الأطفال وفتح الخراج السطحي البسيط. كان يحمل كل هذه المستلزمات الطبية في خرج من القماش علي حماره الريفاوي. كان طبيبا متحركا (Mobile doctor) يقدم خدمات صحية عظيمة وقائية وعلاجية يحس بها كل أهل القري التي يمر عليها فالبعض ينتظر قدومه بصبر ويكثر السؤال في القرية (جلال جاء؟) يومي الخميس والجمعة وتكون الإجابة (أيوة وصل والآن عند ناس فلان بعالج بتهم العيانة )، لا يتأخر. يقوم أهل القري أحيانا بإكرامه وضيافته ولا يتعارض ذلك مع كثرة عمله وضيق وقته.وكان يعود الي سكنه بعد نهاية عمله يوم الجمعة من كل أسبوع مسرورا ومعه مبلغ مقدر من المال يعين أسرته علي الحياة ومتطباتها.

في نهاية عمله في أحد أيام الجمعة وهو في طريقة للمغادرة نزل بأحد البيوت الطرفية لاحدي القري حيث تسكن أسرة أكرت. استقبله أكرت علي عنقريب متواضع في راكوبة أكثر تواضعا . نادي أكرت علي بنته فاطمة فأحضرت له كوب ماء وقبل أن يكمل شربه اذا بصاحبة الدار تصيح بصوت مسموع للقاصي والداني (يا بت ... يا فاطنة (فاطمة) ما عندنا دقيق اليوم ! فاذا بجلال يدفع ببعض المبلغ للبنت لشراء ذرة من دكان الحلة وطحنها. خلع جلال شبشبه واستلقي علي العنقريب(الذي لامس وسطه الأرض!) ليرتاح قليلا بعد جولة عمل طويلة بين القري. بعد عودة فاطنة بطحين الذرة صاحت عليها أمها مرة ثانية : يا فاطنة اليوم الجزر دق .. (إعلانا بأن هناك جزارة اليوم بالحلة) وما عندنا شيء نجيب بيه لحمة ! ينادي جلال علي فاطنة ويدخل يده في جيبه ويناولها مبلغا لشراء شيء من اللحم. يبدو ان احتياجات الطبخة لم تكتمل بعد كما إن جلال لم يهدأ ويرتاح من إدخال يده في جيبه فإذا به يسمع صوت الأم للمرة الثالثة تنادي :يا فاطنة والله الليلة ما عندنا لا زيت ولا بصل. نادي عليها جلال( هاك يا فاطنة) وهو يدفع بمبلغ من المال في يدها ! تعود البنت حاملة الزيت والبصل وتسلمهما لأمها في التكل (قطية صغيرة من القش يتم فيها إعداد الطعام في القري) وذلك لاكمال وجبة الغداء. لم تمر بضعة دقائق فإذا الكل يسمع صوتا لبائع متجول ينادي مرددا : أيوة الويكة (البامية) الخضراء .. أيوة الويكة الخضراء .. إلتقطت أم فاطنة النداء! فاذا بها تنادي للمرة الرابعة علي بنتها : يا فاطنة الليلة ما عندنا ويكة ، لا ناشفة لا لينة! عاينت علبة الويكة لقيتها فاضية! دفع جلال مبلغا من المال الي فاطنة والتي اسرعت لتلحق بالبائع العابر وأحضرت الويكة الخضراء !
أخيرا يبدو أن وجبة الغداء (عصيدة بملاح أم بق بق) قد إكتملت وجاءت فاطنه تحملها في صحن علي صينية صغيرة ومغطاة بطبق صغير مزركش بالي. تناول جلال الوجبة التي دفع ثمنها مع صاحب الدار أكرت، وعندما هم بالقيام والمغادرة طلب منه أكرت أن ينتظر قليلا ليشرب القهوة! وبالتزامن مع ذلك وفي ذات اللحظة.. إنطلق صوت أم فاطنة والذي إعتاد عليه جلال في الساعات القليلة الماضية ينادي للمرة الأخيرة : يا فاطنة متقريفين (رغبة قوية) للقهاوي لينا منها زمن! دايرين لينا سكر وشاي وبن ! هنا نفذ صبر جلال وقال لفاطنة : والله يا بتي عشنا وشفنا الفقر ! لكن فقر ضكر زي حقكم دا عمرنا ما شفناه .. يا ناس أكرت .. أدوني شبشبي .. خلوني أتكل (أتوكل) علي الله أمشي ! (وكانت واحدة من بنات أكرت قد أخذت شبشب جلال وذهبت به في زيارة داخل القرية!).

د سيد حلالي موسي

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.