ورد على لسان عضو لجنة تفكيك التمكين الأستاذ/ وجدي صالح في لقاء تلفزيوني،عند تناوله الفساد المالي والتجاوزات المرتكبة بواسطة النظام المخلوع-أنهم ضبطوا أن وزارة المالية حولت مبالغ مالية لجمعية خيرية خاضعة لإدارة حزب المؤتمر الوطني الذي كان يسيطر على حكم البلاد-وشمل هذا التحويل مبالغ نقدية وأسهم بنك.وذكر المتحدث بأن الأطراف المتورطة في نهب المال العام هذا مثلوا أمام النيابة العامة..

الفساد واستغلال اموال الدولة لتمويل نشاط الحزب الحاكم،هو جريمة تخضع للمساءلة الجنائية وفق الأدلة والبينات المقدمة...ولكن يهمنا هنا أمر أكثر خطورة، لازام الأنظمة الشمولية،ألا هو استغلال الحزب الحاكم،الذي ينفرد بالسلطة، لأموال الدولة لتمويل نشاطاته الحزبية ويتم كل هذا-بالطبع بالمخالفة للقوانين المالية وأوجه الصرف التي تحددها اللوائح المالية وبعيداً عن كل أنواع الرقابة بما يفتح المجال واسعاً لفساد تنداح دوائره إفساداً للذمم وتلويثاً لمن يتحلقون حول الحزب الشمولي!.
حزب المؤتمر الوطني هو أحد أحزاب الأنظمة الشمولية التي استغلت نفوذ السلطة المدنية والعسكرية لتحقيق تواجد جماهيري.هذه الأحزاب فشلت في بناء قواعد جماهيرية،فكان انهيار وتبخر سلطات الأنظمة الإستبدادية.ودوننا الأحزاب الشيوعية،في مقدمتها الحزب الشيوعي السوفيتي،والأحزاب الشيوعية التابعة التي فُرضت في خمسينيات وستينيات القرن المنصرم،وظلت تسخر وتستغل كل إمكانيات السلطة للحزب،وللكادر المتقدم-لدرجة أن لهم مستشفيات خاصة لا يلجها المرضى من عامة الناس..وسارت على ذات الطريق الأنظمة الشمولية العربية-اليسار القومي العربي في تجربة الاتحاد الاشتراكي العربي –مصر الناصرية،فتبخر الاتحاد وتبعه الاتحاد الاشتراكي السوداني -25/مايو---ولم تتعظ أنظمة حزب البعث في العراق وسوريا من ما آلت اليه تجارب الأحزاب الشيوعية وإنفرادها بمقدرات الدولة واستغلالها-للبناء الحزبي،فكانت عزلتها عن جماهير الشعب الواسعة-صحيح لها مؤيدين-ولكن لم تختبرهم في منافسة تعددية عادلة لا تتوفر مطلقاً!.
المال لم يبني حزباً مهما جند من أجهزة ووظف من قدرات،ومهما اتخذ الحزب الشمولي من وسائل للقمع واسكات الآخرين،فإن قبضته ترتخي عند كل حدث،بينما يشتد عود الحركة الجماهيرية التي تزيد من عزلة الحزب الشمولي يوماً بعد يوم حتى لحظة السقوط فينفضح الخواء ويعيش العزلة..
والعقلية التي لا تؤمن بوجود الآخر وبحرية الناس في الإختيار-لا تتجزأ-لذا فإن الأحزاب الشمولية تنعدم داخلها حرية تداول الافكار وحق الرأي المخالف ويسود رأي القيادة التاريخية!،فاليغادر من يغادر ولتبقى القيادة-ويصاب الحزب بالهُزالين،هزال عزلته عن الشعب،وهزال هيمنة قيادة تاريخية على عضويته الوفية!.
قد أثبتت التجارب المعاصرة والماثلة،أن التعددية الحزبية تعني الإقرار بموجود الآخر الذي يُعبر،بدوره،عن الصراع الفكري والإجتماعي.هذه المنافسة التي تتنظم وتميز النظام الديمقراطي التعددي،وحدها هي التي تخضع الأحزاب للفحص الفكري والحركي في مواجهة قضايا الصراع الوطني المتنوعة،بما يقوى بناءها ويطورها داخلياً ويحررها من الجمود والتكلس الذي يسيطر على الحزب الشمولي الذي يتهاوى كبيت من رمال في مواجهة غضبة الشعب،فيتبخر مشروعه،وهذا ما لم يتعظ منه المؤتمر الوطني،فخلّف سيرة جديرة بأن تدفع المنتسبين للحركة الإسلامية والحادبين على العمل الإسلامي،لإخضاع هذه السيرة للنقد الذاتي العلني-بدءاً من: لماذا الإنقلاب على النظام الديمقراطي-بعيداً عن المبررات،التي هي أقبح من الذنب،مثل قولهم(فض الصادق الحكومة الائتلافية نتيجة لمذكرة الجيش وأن هنالك حزب يحضر لإنقلاب وأن الغرب لن يتركنا نصل السلطة عن طريق الإنتخاب..)،مروراً بما ارتُكب من انتهاكات في حق العباد في ارواحهم وأبدانهم ومعاشهم..وما اقتُرف في حق الوطن من حرمان الجماهير الواسعة من حق التنظيم والإختيار والمشاركة العامة النزيهة المتكافئة...الخ وإقرار-دون مواربة- بسوء إدارة البلاد واشاعة الفساد....وصولاً للقبول بالتعددية الحزبية والارتضاء بالديمقراطية نظاماً لا بديل عنه للحكم..والخضوع للمساءلة القضائية العادلة لتُرد الحقوق للوطن وللذين ظلموا..وهذا لا يلغي المساءلة السياسية التي عبرت عن بدايتها ثورة الشعب في ديسمبر2018..

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.