قام الداعية الإسلامى الدكتور محمد على الجزولى بإعلان يوم السّبت الماضى1441هـ الموافق 23/مايو/2020 بأنّه أوّل أيام عيد الفطر عبر منتصته الإلكترونية, مخالفاً فى ذلك ليس مجمع الفقه الإسلامى السّودانى والجمعية السّودانية لعلوم الفلك فحسب , بل خالف فيها كلّ الدّول الإسلامية ما عدا موريتانيا و بعض دول الشّريط الأطلنطى, و كانت صحيفة البيان العربية قد أصدرت عن المركز الفلكى عدم ثبوت الهلال, فلذلك أُعتبر أنّ أوّل أيام عيد الفطر سيكون يوم الأحد 1441 الموافق 24/5/2020. ما قام به الشّيخ الداعية يُعتبر أمراً مثيراً للجدل فقهياً, فإنّه و إنْ لم يقصد متعمداً صوم يوم الفطر المنهيٌ عنه , إلا إنّه وقع فى الشُبهة بحكم مخالفته لإجماع المسلمين, و قد نهى رسول الله صلى الله عليه و سلم عن صيام يومى عيد الفطر و النحر, وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: ﴿ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ صِيَامِ يَوْمَيْنِ، يَوْمِ الْفِطْرِ، وَيَوْمِ النَّحْرِ ﴾.


﴿وَعَنْ أَبِى عُبَيْدٍ مَوْلَى ابْنِ أَزْهَرَ أَنَّهُ قَالَ شَهِدْتُ الْعِيدَ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فَجَاءَ فَصَلَّى ثُمَّ انْصَرَفَ فَخَطَبَ النَّاسَ فَقَالَ: «إِنَّ هَذَيْنِ يَوْمَانِ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ صِيَامِهِمَا يَوْمُ فِطْرِكُمْ مِنْ صِيَامِكُمْ وَالآخَرُ يَوْمٌ تَأْكُلُونَ فِيهِ مِنْ نُسُكِكُمْ﴾.

و الغريب فى الأمر إنّه أي الشّيخ الدكتور محمد على الجزولى أعلن عن ذلك إعتماداً على مذهب الحنفية و الحنابلة فى أخدهم بـعبارة " لا عبرة بإختلاف مطلع الهلال" ( النطاق الزمنى) و خلافهم فى نفس الوقت بإعلانه عن عيد الفطر, بذلك فإنّه يَعْتَبِر بقولهم و يُخالف فعلهم, و فى ذلك تناقض واضح و إضطراب فى أدائه لهذه الشعيرة الرُكنية بشكلها المتكامل فقهاً و إجراءً ( صوم + فطر) .
قال النووي رَحِمَهُ اللَّهُ: وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاء عَلَى تَحْرِيم صَوْم هَذَيْنِ الْيَوْمَيْنِ بِكُلِّ حَال، سَوَاء صَامَهُمَا عَنْ نَذْرٍ أَوْ تَطَوُّعٍ أَوْ كَفَّارَةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ.وَلَوْ نَذَرَ صَوْمَهُمَا مُتَعَمِّدًا لِعَيْنِهِمَا، قَالَ الشَّافِعِيّ وَالْجُمْهُور: لَا يَنْعَقِدُ نَذْرُهُ وَلَا يَلْزَمُهُ قَضَاؤُهُمَا، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة: يَنْعَقِدُ، وَيَلْزَمهُ قَضَاؤُهُمَا، قَالَ: فَإِنْ صَامَهُمَا أَجْزَاهُ، وَخَالَفَ النَّاسَ كُلَّهُمْ فِي ذَلِك.
فقول الحنفية فى صوم هذا اليوم واضح حسب قول النووى , إن كان الشيخ الجزولى حنفياَ أو حنبلياً, فماذا يقول فى ذلك, بالتالى ما قام به الداعية الجزولى قد أربك الموقف إزاء هذه المسألة و ألبسها شيئاً من التعقيد, و قد أعلن عن حلول عيد الفطر لتابعيه و متابعيه فى الفيس بوك الذين بلغوا زُهاء الـ 92 ألف شخص, و قد جاءت أغلبية تعليقاتهم بالتبريكات و التهانى على حلول عيد الفطر المبارك ى ذلك اليوم (السبت23/مايو).
قمتُ بمراسلته للإستفسار عن هذا الأمر بإعتباره داعية إسلامى, على أن يقدم حُجّة واضحة لا لبس فيها, لإزالة الغموض عن التبريرات التى قدمها فى حسابه بالفيس بوك, حتى نكون على بيّنة من أمرنا, وقد أرسلتُ له أستفساراتى مصحوبة ببعض الآراء و التقارير العلمية فى الماسنجر الخاص به فلمْ يرُدّ , أرسلتها له فى حسابه الخاص بالواتساب فلم يرُدْ, كتبتُ ذلك فى خانة التعليقات الخاصة بحسابه بالفيس بوك إلا إنّه لم يرُدّ , قمتُ بلقصها خمسة مرات فى أبواب أخرى لكنه لم يرُدّ, و للعلم إنّه فى تلك الأوان كان حضوراً فى الشّبكة العنكبوتية يرُدّ على مسائل تخص التصريحات السياسية للفريق أوّل محمد حمدان دقلو فى الإعلام , عندما يأستُ عن ردّه ولم أجد ما يُشفى تساؤلى قمتُ بالبحث فى المواقع الإلكترونية و الصحف لعلّى أجد منْ يُعقّب على هذه المسألة فلم أجد, بالتالى قررتُ أنْ أعيد نشر هذه الرسالة , وتخصيص توجيهها للفقهاء و أصحاب الشأن ليدلوا لنا فى هذه المسألة, التى تمسّ إحدى أركان الإسلام , ألا و هو صوم رمضان .

إليكم نص الرسالة :-
" الحمد لله رب الأرض ورب السماء، خلق آدم وعلمه الأسماء وأسجد له ملائكته، وأسكنه الجنة دار البقاء.أما بعد

أرسل لك هذه الرسالة كتساؤل حول البرقية أعلاه و إعلانكم عن حلول عيد الفطر فى ذلك التوقيت المخالف لإجماع مسلمى المنطقة, كما أنّ هذه الرسالة تأتى تعقيباً على تبريرك لهذا الإعلان زعماً منك بأنّه جاء متماشياً مع دولة موروتانيا عن رؤية الهلال, قياساً بما عُرف بـ " عدم الإعتبار بإختلاف المطالع" , عليه يأتى هذا من باب إثارة القضايا الخلافية إلى حدّ مفارقة الجماعة و الوقوع فى بعض الأخطاء إستناداً على التحليل الأتى :
أوّلاً, مسألة "مطالع الهلال" هى حقيقة كونية تحسمها القوانين الفيزائية التى أوجدها الله فى الكون و ليست نظريات بشرية يتم مجازبتها فى المنتديات السياسية, رؤية الهلال من حيث مطلعه يتحقق الإجماع عليه إبتداءً من المشارق إلى المغارب و العكس غير صحيح , و هذا يعنى أنّ رؤية الهلال فى باكستان مثلاً تفيد تحققها مسبقاً و قطعاً ليس ظناً فى أقصى دول الغرب " موريتانيا مثلاً" بسبب أنّ المطلع يبدأ من الغرب و يتدرج شرقاً بفروقات زمنية محسوبة, بالتالى رؤية الهلال فى موريتانيا لا يقدم شيئاً لمسلمى شرق الصين فى إثبات حلول العيد بالقياس.
ثانياً: أوضحت الجمعية السّودانية لعلوم الفلك التفسير العلمى لظاهرة الإقتران فى الشرح الأتى : " الإقتران هو المرحلة التي يكمل فيها القمر دورته حول الإرض ، وبها ينتهي الشهر القمري القديم و يبدأ الشهر القمري الجديد ، وهو أيضاً المرحلة التي لابدّ من حدوثها أولاً ثم يمضي عليها العديد من الساعات حتي تكون الرؤية بالعين المجردة للهلال الجديد ممكنة .بناءً علي ما ذُكر أعلاه عن ميقات الإقتران، وحسب المعايير المختلفة المستخدمة و التي قد تكون مبنية على أساس علمي بحت و الرؤية بالمراصد الفلكية و التصوير الالكتروني أو بالعين المجردة العالمية أو المحلية أو خليط بينهما نجد الآتي:
أن القمر يغيب قبل مغيب الشمس في البلاد العربية عند مغيب شمس يوم الجمعة 22 مايو 2020م. فمثلاً في مكة المكرمة يغيب بحوالي 11 دقيقة قبل مغيب الشمس و في الخرطوم ب 8 دقائق و في مراكش ب ٦ دقائق".
ثالثاً: فيما يخص أخذك بقول " لا عبرة بإختلاف مطلع الهلال" . فهذا قول الحنفية و الحنابلة و قد جرى قولهم مسايراً للمنطق الفلكى حيث لا يُفسد ذلك حساب من أخذ برؤيتهم فى نطاقهم الزمنى, و هذا يُفسر على أنّ الحنابلة و الحنفية يقطنون فى مشارق الدول الإسلامية على نطاق طولى ( خطوط الطول) تقريباً, حيث تتطابق المطالع عندهم, بالتالى رؤيتهم للهلال بالضرورة تُعتبر إثباتاً لظهوره المسبق غرباً بناءً على الشرح السابق. أما كون المالكية ( القاطنون غرباً) يتفقون مع معهم فى مسألة الرؤية حسب قول العلامة عبدالرحمن الجزيرى , فهذا لا يُؤخذ على عبارة " إختلاف المطالع" بحكم شرحهم لكيفية رؤية الهلال.
رابعا, كونك تفطر برؤية "الموريتانيين " بهذه الطريقة هذا يتطلب منك بالضرورة التواجد فى النطاق الزمنى للمنطقة المعنية , يعنى تكون متواجداً فى موريتانيا , أوغينيا, أو نيجيريا, أو المغرب, أو إسبانيا, أو البرتغال, أو بريطانيا و دول أخرى , كل هذه الدول تقع فى نطاق طولى لمجال الرؤية الموحدة, هذا لا يعنى توحد الرؤية مطلقاً لكن هناك فروقات طفيفة أحياناً تقلب المعادلة , لكن لاضير فى كونك تفطر مع أهل الشرق مثل السعودية و باكستان لتحقق الرؤية بإعتبار السبق الزمنى.
خامسا, الجمعية السودانية لعلوم الفلك تُعتبر مرادفاً حقيقياً لمفهوم الرجل العدل العاقل لما فيها من وسائل حساسة للقياس بل أكثر دقة من رؤية الإنسان المجردة , وهى الحاسم الأوحد فى حسابات المطالع بدون خلاف و تحقيق إجماع مسلمى السودان, مخالفتك لبيان الجمعية لا يعدو أن يكون مزايدة سياسية و هذا أمر خطير لأنّه يتم بإسم الدين .
سادساً, إتخاذك هذا الموقف يضعك فى دائرة التشكيك, فكان من الأحرى تغليب العام الإسلامى ( إجماع المسلمين) على الخاص التأويلى (التفسير المزاجى), و لمّا كان الأمر هكذا فإنّك تجعل من نفسك شخصاً مزايداً فى السياسة على حساب الدّين بحكم موقفك من الحكومة الإنتقالية التى يجب علينا كلنا أن نقف إتجاهها موقفاً مستقلاً فى حقوق الله و شرائعه.
أنا أرسل لك هذه الرسالة للنقاش و الإستفادة من تلك الملابسات, وأرجو منك طرح حجة مقنعة مفيدة , ما قمت بنشره فى الفيس بوك لم يكن كافياً و لا يقيم حجة مقنعة على إعلانكم عن عيد الفطر فى ذلك التوقيت, ولا بأس من عرض هذه المسألة لعلماء الدين و المراكز الفقهية للبت فيها حتى تعم الفائدة و نسأل الله أن يفقهنا فى ديننا و لا يفتننا فى دنيانا.
الرجاء الردّ على هذه الرسالة لأنّها تمس المسلمين و الدّين الإسلامى , أنا لستُ بفقيه و لا عالم لكنى أتخذتُ من القواعد الفقهية المتاحة منطلقاً للإستفسار عمّا قمتَ به أنت متفرداً بإعلان عيد الفطر مخالفاً لكل المسلمين القاطنين فى النطاق الزمنى لتطابق مطالع الهلال, هذا يُعتبر أمر مثير للتساؤل من رجل داعية و يقود جماعة من المسلمين بإسم حزب مناط به إنشاء دولة العدل و الشريعة" .
رابط الرسالة فى الفيس بوك :
https://web.facebook.com/dr.algzouli2/?epa=SEARCH_BOX
عبدالرحمن صالح أحمد (ابوعفيف)
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.